مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 20/10/2020

تساؤلات من وحي الشدائد والأزمات

مقالات

 


تساؤلات من وحي الشدائد والأزمات


لماذا جعل الله الدنيا مليئة بالمنغصات؟


لماذا يمد الله للظالمين؟


متى سينتصر الله للمظلومين؟


وما ذنب المتقين؟


وأخيراً .. ما السبيل إلى الحل؟


 


لو تأمل كل منا فيما مضى من شريط حياته، لوجد أن حظَه ونصيبَه من المصائب والمعكرات يغلب على ما كان فيها من مبهجات ومسعدات. متطلبات وواجبات متلاحقة، كد وتعب، نصب ووصب، غياب أحباب، ومفارقة أعزاء وأضراب، وما من فرحة - إن حصلت - إلا وتعقبها غصة.


تلك هي سمة الحياة الدنيا التي لا انفكاك عنها، مهما سعى الساعون وبذل الباذلون ليتقلبوا بسعادة لا شقاء معها، وبفرح لا حُزن ولا حَزَن معه. وصدق سيدي ابن عطاء الله السكندري إذ قال: "لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار".


وليست المصيبة فيما قد شهدناه من شدائد وكروب، ولا فيما تناهى إلى أسماعنا من مصائب وخطوب، المصيبة أن نتيه في غمرة انشغالنا بمشكلات الدنيا وآلامها عن حقيقتها، فنتخذ من هذه المشكلات شغلاً ومشغلة عن المصير المحتوم الذي إليه صائرون.


لماذا جعل الله الدنيا مليئة بالمنغصات؟


لعل فينا من يسأل مستفسراً. ولماذا لم يجعل الله عز وجل - وهو القادر - الدنيا مزدانة بأسباب السعادة والمبهجات؟ فيتقلب المؤمن ببحبوحة ورخاء وهو يعبد مولاه؛ مرتاحَ البال، مطمئن المصير، موفور الرزق، ثم ينقلب إلى الحساب اليسير، ومنه إلى جنان الخلد حيث ينعم بلقاء الله عز وجل؟


إن لله عز وجل في جعله الدنيا مليئةً بالمنغصات والمعكرات حكمةً بالغة ونعمةً جليلة تقاصر عن فهمها عقول الكثيرين. وفي سبيل بيان ما انطوت عليه هذه السمة من حكمة ربانية جليلة أوجز وأقول:


كلنا يعلم أن الإنسان يمر في حياته عبر مراحل وأطوار، تبدأ حياته بطفولةٍ لاهيةٍ لا تحمل من هموم الحياة شيئاً، فإذا ما خب في مرحلة الشباب، وتفتحت بين جوانحه الغرائز والشهوات صار أكثر تعلقاً بالدنيا ومشتهياتها، وصارت الأحلام تراوده ويسعى سعيه لتحقيقها، فيشقي نفسه ويرهق جسده في سبيل الوصول إلى أسباب النعيم والاستقرار. فمنهم من يتخطفه الموت - في ريعان شبابه - وهو غارق في ضوضاء الوصول إلى المشتهيات، ومنهم من يكتب الله له طول العمر فيلج مراحل المشيب فالشيخوخة حيث يبلو سيرة الحياة، فلا يخرج منها إلا وقد عجمته وعصفت به، تنظر في تقاسيم وجهه - بعد أن غاضت النضرة عنه - فتحدثك التجاعيد عن قصة الغرائز التي كان الجسد يفور بها، ثم زوت شيئاً فشيئاً مع تتابع الأمراض وتسلل الآلام، وتنظر إلى شيب رأسه فيحدثك كيف حالت المعكرات والعقبات دون تحقيق الأمنيات.


هذه القصة لا يخرج عن سَنَنِها مؤمن ولا كافر، تقي ولا شقي. لكن لكل منهما في استقبال هذه المصائب والمتاعب أحوالاً وشؤوناً متباينة.


أما الجاحد والمسرف فلا تقرأ في عينيه إلا مشاعر الإحباط والاكتئاب؛ كلما اعتراه مرض ينذره بدنو أجله، وكلما رأى قوته وغرائزه تذوب وتزوي شيئاً فشيئاً؛ فيزداد وحشة وخوفاً من الموت، لأنه يدرك أنه يدنو رويداً رويداً من ميعاد الشقاء .. يراها نذير شؤم سيُدخله عما قريب في نفق مظلم لا يدري له مستقراً، كيف لا والدنيا بفهمه القاصر فرصتُه الوحيدة ليعيش .. ليسعد .. ليتنعم. فيزيد من آلام مرضه وتعبه ألمُ مفارقة الدنيا ومتعها وملذاتها، فهو كالطفل الذي لا يعرف من الدنيا إلا ألعابه، لا يطيق أن تنزع منه أو ينزع عنها، إذ لم تسعفه مداركه في فهم حقيقة الحياة. ومن أمثال هؤلاء تسمع عبارات من قبيل: (عيش حياتك .. خلينا نعيش .. خلينا ننبسط.. هنن يومين) عبارات تنم عن جهل مفرط بفقه الحياة .. ومسكين هذا الذي يتعامل مع الحياة على أنها فرصته الوحيدة؛ فينهب من نعيمها ما يتاح له أن ينهب، ويسعى ليغترف من متعها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً قبل أن يتخطفه الموت، لأن الموت في فهمه القاصر عدم ليس له ما بعده.


هذا حال الغافل، أما المؤمن فإن له شأناً آخر عند استقباله المصائب والشرور، أو حتى قل: عند استقباله لإرهاصات الموت، لو نظرت في تقاسيم وجهه لن ترى فيها إلا مشاعر الرضى عن الله، والصبر والاحتساب لقضاء الله، لأنه كلما خب في الحياة أدرك أنه على ميعاد مع الله عز وجل، الذي أمضى حياته في عبادته وذكره وشكره، يتعامل مع الدنيا على أنها ممر إلى مقر، أدرك حقيقة الدنيا فلم يعد يتمسك بها ولا يكترث بما فاته منها، بل إنه يأنفها ويأنف منها ويترفع عنها كلما كبرت سنه وطويت أيام حياته، فانعكس ذلك نوراً ووضاءة على تقاسيم وجهه. فإذا دعاه الداعي إلى الرحيل، الرحيل الذي هو بنظر الجاحد قمةُ المصائب والشرور، كان داعي الموت بالنسبة له بوابة الخلاص من المتاعب حيث النعيم الأبدي الصافي عن الشوائب والأكدار.


من هنا ندرك لماذا جعل الله عز وجل الدنيا مليئة بالمعكرات والمنغصات؟ جعلها كذلك تزهيداً لكَ فيها، حتى لا تركن إليها، ولا تحزن على ما فاتك منها، ولا تتحسر ما أحاط بك من شدائدها، فترنوا بعينيك إلى النعيم الحقيقي حيث لا منغصات ولا مكدرات، ولو كانت الدنيا التي نعيشها دارَ خلودٍ لا تحول عنها ولا زوال، فإنَّ الحكمةَ الإلهية تقتضي أن ينزهها الله عز وجل عن كل المنغصات والآلام والأكدار.


فلماذا يمد الله للظالمين؟


ولعل قائلاً يقول: قد علمنا الحكمة من جعل الدنيا مليئةً بالمنغصات، لكن ما بالُنا نرى أن الله سبحانه لم يعامل الظالمين والجاحدين والمتجبرين بما يعامل به المؤمنين، ما بالُنا نراهم في الغالب يتقلبون بأسباب القوة والبطش، ويمنحهم السعة في الغنى والوفرة في الرزق، بل يزيدهم من أسباب الثراء والنعيم مما لا نجد مثلَه للمؤمنين الطائعين. مع أن المنطق العقلي يقتضي أن يهلك الله الظالمين الذين يتكبرون على أوامره ويظلمون عباده، أو أن يحرمهم - على أقل تقدير - من أسباب النعيم والمتع والعافية في الوقت الذي يمد منها الطائعين؟ ما وجه الحكمة من تدبير العلي القدير؟


إن الله عز وجل قد ضمن أجوبة عن هذا السؤال في مواضع كثيرة من كتابه، وحسبكم جواباً وعبرة قصةُ قارون. وقارون هذا كما تعلمون أحد الطغاة الذين مروا على جبين الدهر.


يحدثنا بيان الله عز وجل عن قارون. فيقول: "إنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ" آتاه الله عز وجل من الكنوز ما يعجز عن حمل مفاتيح كنوزه - لا كنوزه ذاتها - أولو القوة من الرجال، مع أن محور حياته يدور على الظلم والبغي: "فبغى عليهم" يظلم قومه يعتدي يتجبر يتكبر .. وبدلاً من أن يهلكه الله عز وجل يعطيه من الكنوز ما يعجز العقل عن إدراكه.


وليس هذا فحسب، بل يأتي إلى قارون من ينصحه ليرتدع عن غيه ويتوب إلى ربه: "إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ" وبدلاً من أن يتوب إلى الله عز وجل ويقول متغطرساً: "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي"؛ كل ما ترونه من قوة وغنى ليس لله علي فيها منة ولا فضل، بل بجهدي وعملي وصلت إلى ما وصلت إليه.


ومع ذلك بدلاً من أن يسلبه الله عز وجل أسباب التجبر والتكبر والظلم، يمد له بالمزيد والمزيد، حتى فتن به ضعفاء الإيمان، وتمنوا لو كان لهم مثل ما لقارون: "قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" يا ليت لدينا من البذخ وأسباب اللهو والمتعة مثل ما لهذا الطاغية، حتى نتمتع بالحياة كما يتمتع، ويتاح لنا من أسباب الرفاهية والنعيم ما أتيح له.


ومرت سنوات وسنوات وهو ويزداد بغياً وعلواً وعتواً وطغياناً، حتى خيل إليه أنه سيد قدر نفسه، وأنه يملك من أمر نفسه من دون الله عز وجل حولاً وقوة. فإذا ما وصل إلى أوج طغيانه حلت ساعة العقاب. "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ"


عندئذ أدرك ضعفاء الإيمان الحقيقة؛ وأن الله يمهل ولا يهمل، وتحول حال الذين تمنوا مكانه وفتنوا به إلى النقيض: "وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون"


هذه هي قصة قارون، وهي بذاتها قصة كل طاغية في الأرض عندما يستشري بطغيانه، ومن عادة الله عز وجل أنه يزيد مثل هذا الطاغية من أسباب النعيم ويمد له من أسباب الطغيان.


والحكمة .. لأن الله عز وجل لا يهلك الطاغية ويوقعه في الهاوية من ضعف، بل ينبت بين جوانحه أجنحة التجبر حتى يرتفع بها إلى حالق، فيظن نفسه مالكاً غيرَ مملوك، معبوداً غير عابد، يتمطى بكبريائه ويصّاعد في نفسه إلى أن يصل إلى الأوج، عندئذ يهوي به الله سبحانه وتعالى إلى الدرك، فالهوي لا يكون إلا بعد علو، حتى يكون لوقوعه معنى. ولو بطش المنتقم الجبار سبحانه وتعالى به من حين برزت بذور التكبر في نفسه، فلن يتجلى للسطحيين سلطان الله سبحانه وتعالى الذي يقلب - بلحظة - طغيان الطغاة من أعلى قمم الاستكبار إلى أحط دركات القهر والصَّغَار.


ومصداق هذه السنة تجدونه في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل منها قوله تعالى: "فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ".


وكذلك قوله تعالى: "حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ".


وهي سنة ربانية تصدق على الجماعات وعلى الدول وعلى الأمم والأفراد، لكن عمر الدول والأمم والحضارات لا يقاس بعمر الإنسان، وما ينبغي أن نستعجل الله في الإهلاك، بل علينا أن نقتطف العبرة من سير السالفين.


من هنا ندرك لماذا يمد اليوم لفراعنة وقوارين هذا الزمان، فيعطيهم أسباب القوة والبطش، ويمنحهم السعة في الغنى.


فمتى سينتصر الله للمظلومين؟


واليوم يتمنى المظلومون على الله عز وجل تعجيل إهلاك الظالمين لتنجلي عنهم الكروب، وترتفع الخطوب، ويثلج صدورهم بنشوة النصر على أعدائهم، وتخلو لهم ساحةُ القوة والسلطة في الأرض، ويستردوا بعضاً مما سُلِبوه من أرزاقهم وثرواتهم. بل إن بعض المظلومين اليوم قد باتوا قانطين يائسين، قد باتوا في شك وريب من وعد الله عز وجل، لتأخر حصول ما يتمنوه من إهلاك للظالمين.


إن الذي ينبغي أن نعلمه ولا يغيب لنا عن بال، هو أن ميعاد إهلاك الظالمين آت لا محالة، وأن وعدَ الله حق لا يلحقه خلف، لكن شرطاً لا بد من تحققه ما زال غائباً، وهو ما ذَهل عنه كثير من المسلمين في جنبات الأرض، هو أن نكون أهلاً لأن نستقبل بشائر وعد الله عز وجل بتحقق الفرج من خلال إهلاك الظالمين أو إضعافهم.


وهذا الشرط قد ذكره الله عز وجل في مواضع عدة من كتابه الكريم، وبينه بيان حتم وقرار جزم بأن العاقبة للمتقين، وأن الله سينتصر لعباده المؤمنين، وأنه سبحانه سيورث الأرض للذين آمنوا وعملوا الصالحات. فقال سبحانه مخبراً: "إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" وقال: "إنا لننصر رسلَنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" وقال: "وعَد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم".


ففي هذه الآيات وأمثالها يبين الله سبحانه وتعالى أن إنجازَ وعده منوطٌ بأمور، هذه الأمور كلُها تدور في فُلك شرط واحد: هو أن يكون المسلمون مؤمنين، أن يكونوا على تقوى من الله، أن يكونوا على حال مع الله عز وجل من الاصطلاح والاستقامة، هذا هو شرط إهلاك الظالمين الذي ذهل عنه من ينتظرون من الله عز وجل إنجاز وعده. فهل حقق المسلمون اليوم هذا الشرط؟


إن هذا الشرط قد حققه أسلافنا بالأمس وفرطنا فيه اليوم، قد أتى على المسلمين حين من الدهر كان الزمان زمانهم والساحة لهم، وأبواب النصر مشرعةً أمامهم، قد مدهم الله عز وجل بأسباب القوة والمنعة، فلم يتمكن ظالم من أن يسلبهم أرض، ولم يتمكن عدو من أن يسلبهم نفط ولا أن يضيق عليهم رزق.


وحسبكم قصة نقفور مع هارون الرشيد، في عهده اضطرت ما يسمى اليوم بالدولة العظمى أو القطب الواحد - دولة الروم - إلى طلب الهدنة والمصالحة مقابل دفع جزية سنوية للمسلمين، لكن في سنة سبع وثمانين ومئة نقض «نقفور» إمبراطور الروم الهدنة وأبى دفع الجزية، وأرسل لهارون الرشيد كتاباً جاء فيه: (من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، إذا قرأت كتابي فاردد ما أرسلناه لك من أموال الجزية وإلا فالسيف بيننا وبينك).


لما قرأ هارون الرشيد الكتاب دعا بدواة وكتب على ظهر كتابه: (بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه). ثم سار ليومه فلم يزل يمضي بالجيش حتى نزل مدينة هرقل، فطلب نقفور الموادعة وعاد والتزم بالخراج. وبعد عودة الرشيد إلى بغداد نقض نقفور المعاهدة مرة أخرى مستغلاً هطول الثلوج، لكن هارون الرشيد عاد بجيشه إليه رغم كل المشقة والصعوبات، وهزمه هزيمة منكرة، وقتل من جيشه أربعين ألفاً، وأخضع نقفور للهدنة، حتى دفع الجزية عن نفسه وقادته وسائر أهل بلده.


هذه صورة من صور عزنا عندما صادقين بالبيعة والاستقامة على شرع الله، فكنا سادة الدنيا وسادتها، أما اليوم فقد بلغت الشدة والضيق فينا مبلغها، ونابنا من الظلم والضعف ما نابنا، ضاعت مساحات شاسعة من أراضينا، سلبت الكثير من ثرواتنا. ولو جال كل منا بنظره في السواد الأعظم للمسلمين، سيجد تقصيراً كبيراً قد أوغلنا فيه، سيرى حرمات الله عز وجل كيف تنتهك، والله عز وجل غيور على حرماته، يرى ما نقع به من الآثام، وما نقع به من ظلم لأنفسنا ولبعضنا ولأرحامنا ولإخواننا، فأنا لله عز وجل أن يهلك الظالمين؟!.


كثير من المسلمين اليوم خانوا العهد وملوا الدين وسئموا الاستقامة على صراط الله عز وجل، منهم من اختار العلمانية منهجاً، ومنهم من أراد الحداثة ديدناً، وآخرون استبدلوا الآداب والسنن النبوية واتخذوا ما يسمى (الاتكيت) سمة، منهم من تمضي عليه الأيام الطوال ولا ييمم وجهه شطر القبلة ساعة .. كم فيهم من هجر كتاب الله عز وجل، وكم فيهم من لا يؤدي الزكاة، وكم فيهم من قاطع رحم. فأنّا لله عز وجل أن ينتصر للمظلومين وهذا حال سوادهم، وأنّا للمسلمين أن يفرحوا بإهلاك الظالمين، وهم يظلمون أنفسهم ويظلمون بعضهم!


ومن سنن الله عز وجل في عباده أنه إذا تلاشى الفرق بين الظالمين والمظلومين فيما يتورطون به من آثام. فإن الله يسلط الظالم على المظلوم تسليط تأديب، عساه يتوب، عساه يؤوب، عساه يرعوي. والمصطفى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الطبراني في الأوسط من حديث جابر يقول: "الظالم سوط الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه" وفي رواية أخرى يقول: "الظالم عدل الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه".


واعلموا، أن قوة المسلمين نابعةٌ من التزامهم، وضعفهم نابع من معاصيهم. ولن يهلك الله لهم عدواً ما داموا قد شابهوهم بالمعاصي والآثام، ومصداق ذلك ما ذكره سيدنا عمر رضي الله عنه بنصيحة وجهها لسيدنا سعد عندما قال: "آمرك والأجناد الذين معك بتقوى الله فإن تقوى الله خير عدّة على العدو، وإنها أقوى مكيدة في الحرب، آمرك ومن معك أن تكونوا أشدَّ احتراساً منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليكم من العدو، وإنما ينصر الله المسلمين بمعاصي عدوهم، عددنا ليس كعددهم وعدتنا ليست كعدتهم، فإن تساوينا معهم في المعصية كانوا أفضل منا في القوة".


وما ذنب المتقين؟


لعل قائلاً يقول: ألا ترى المؤمنين والمؤمنات؟ ألا ترى العابدين والعابدات؟ ها هي ذي المساجد عامرة بهم، ألا ترى المصلين الذين يملؤون رحاب المساجد أيام الجمع والأعياد، وهل المصلون إلا هؤلاء التائبون العابدون الحامدون؟ فلماذا لا تذكرهم؟ بل لماذا لا يستجيب الله دعائهم ويرفع بهم البلاء؟ بل تأتي المصائب فترهق كاهل الصالحين والطالحين على حد سواء؟


نعم، الصالحون والعابدون موجودون لكنهم قد باتوا قلة، وصدق الشيخ أبو الحسن الندوي عندما قال: "لا تنظروا إلى المسلمين مواطن الجمع والأعياد بل انظروهم في مواطن الأمر وبالمعروف والنهي عن المنكر". القانتون العابدون اليوم بالكاد يملؤون زاوية من زوايا المساجد العامرة ببنيانها المفتقرة لروادها، تجاوزوا صور المساجد في الجمعات وانظروهم في الجماعات، انظروا إلى الكثرة الكاثرة من المسلمين في الأسواق والمقاهي والمطاعم ومواطن اللهو والغفلات، كم فيها من انغماس في المحرمات، كم فيها من نسيان لله عز وجل ونسيان لليوم الآخر. كم فيها من تغافل عما نمر به من مصائب ونكبات.


فإن كنا مقرين بهذا الحال فاعلموا أن هؤلاء الصالحين الذين تتحدثون عنهم لا يعول عليهم في رفع بلاء ولا نصرٍ على أعداء؛ عندما يصبح الطيبون الثابتون على العهد قلة، والمنحطون في المعاصي والموبقات والتقصير في العبادات هم الكثرة، فإن التجاء القلة اليسيرة إلى الله مع بقاء الكثرة الكاثرة عاكفة على معاصيها وانحرافها لا يجدي، ومن عادة الله عز وجل في مثل هذه الحالة - أي حالتنا هذه - أن يرسل المصائب تلو المصائب فتعم الصالح والطالح على حد سواء، ويوم القيامة يحشر الصالحون على نياتهم ويثابون على ثباتهم وأعمالهم. هذا ما بينه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للسيدة زينب رضي الله عنها عندما قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كَثُرَ الخبث). و هذا مصداق قول الله سبحانه وتعالى: "وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ".


من هنا نعلم لماذا لا تقتصر المصائب على الذين ظلموا أنفسهم خاصة، بل تعم بشررها الجميع.


والمصائب التي يرسلها الله على عباده قسمان: قسم يأتي مظهر انتقام، وتأتي على الذين انبتت صلتهم بالله عز وجل، فيفتح عليهم أبواب النعيم ردحاً من الزمن، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقسم هي أشبه بسياط تأديب يبعثها الله عز وجل على عباده المؤمنين به والتائهين عنه، المنتمين إليه والشاردين عن صراطه، يبعثها عليهم لتوقظهم من غفلة. والمصائب التي تتخطفنا عن اليمين وعن الشمال، من فوق رؤوسنا ومن حولنا من هذا القسم. تسلط أعداء، تأخر في قطر السماء، حرائق هنا وهناك، غلاء فاحش، وباء مستفحل، نقص في الموارد والوقود ..


وأخيراً .. ما السبيل إلى الحل؟


إن المخرج من هذه المصائب والمشكلات التي تعصف بنا معلوم ومتاح، وما من مسلم يقرأ كتاب الله بشيء من التدبر إلا وقع عليه، لكن قلةً من يتخذه ويلج فيه. ويتمثل المخرج في نقاط ثلاث: التوبة إلى الله أولاً، ثم الاستقامة على شرع الله ثانياً، ثم التذلل على أعتاب الله بالدعاء الواجف وخاصة في الأسحار ثالثاً.


وكم وكم كرر البيان الإلهي الدعوة إلى الالتفات إلى هذا المخرج، كم وكم كرر الدعوة إلى الله، وبين أن في هذا التذلل حلاً لكل المشكلات. وصدق الله العظيم القائل: "وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيٌّهَا الـمُؤمِنُونَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ" والقائل: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات". القائل: "فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ". القائل: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ". القائل: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" القائل: "ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً". القائل: "وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ". القائل: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب" "فإني قريب.. قريب..".


ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى ويفصل إجماله فيقول: "يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وتَعَالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ لَهُ"


ونصوص أخرى كثيرة تحمل في طيها دعواتٍ متلاحقة يوجهها اللطيف الخبير سبحانه لعباده، والحقيقة التي لا مرية فيها هي أن أكثرنا لا يلتفت إلى هذه الدعوات، ولا يلقي بالاً لهذه الآيات، بل تراهم ما زالوا عاكفين على غيهم، سادرين في معاصيهم. وتتتابع الشدائد تلو الشدائد والأزمة تلو الأزمة، ولا تجد من مُدَّكر ..


وها نحن اليوم نرى كيف وصلنا مع هذه الشدائد والأزمات إلى طريق مسدود، الجميع أعلنوا عن عجزهم بواقع حالهم وإن لم يقروا بها بقالهم، ولا حل يتراءى في الأفق، بل الحال ينذر بمزيد من التفاقم.


والعجيب أننا نطيق اتخاذ كل وسيلة وحيلة للتغلب على الصعوبات، ولا نطيق الالتفات إلى مفاتيح الفرج التي بينها الله عز وجل؛ أكثر الناس اليوم يطيقون الوقوف مضطرين لساعة أو ساعتين وربما تحت أشعة الشمس ليحصل على الخبز، ويطيق الوقوف مغلوباً على أمره في طابور الوقود لساعات أيضاً، لكنه لا يطيق أن يقوم قبيل الفجر بساعة ولا حتى بلحظات، لا يطيق صبراً أن يتجافى جنبه عن مضجعه ليجلس منكسراً يناجي مولاه؛ تغلبه عيناه، يشده دفئ الفراش ويقعده عن النهوض ..


أكثر الخلق اليوم يطيقون الجلوس ليدندنوا حول الشدائد والأزمات، فنفند الأسباب والمظاهر والحلول والآثار، لكننا غير مستعدين لاتخاذ الأسباب، والفرج أرجى عندما يقرع المستضعفون الباب، عندما يقف الفقراء على الأعتاب. فهل ناجينا الوهاب؟


ولو صدقنا بالرغبة في الخلاص من كل الأزمات التي تحيق بنا، لتطلب الأمر منا التفاتة صادقة إلى من بيده الحل. لكن الذي يحول بيننا وبين هذه الالتفاتة عقدتان: عقدة الإصرار على المعصية، وعقدة عدم الانكسار لله. نتخذ كل حيلة ووسيلة حتى ولو كان فيها التذلل للمخلوقين، لكن نأبى التذلل لله. وباب التوبة والاستقامة والإنابة مفتوح، وهو دواء في متناول أيدي الجميع، ومن أراد أن يلبي النداء ويلج فيه ولج. لكن أين هم التائبون؟ لماذا لا نطئطئ الرأس لله، لماذا لا نجعلها كما نقول بالعامية (نحطها واطية لله)؟


فتعالوا لنعزم على التوبة، ونحل هذه العقد من نفوسنا؛ عقدة الإصرار على المعصية - صغيرة كانت أم كبيرة، اتخذ قرارك واستعن بالله، ولنعزم على التنفيذ .. ولنعلم بأننا لن نجد السبيل ميسرة، لأن الشيطان لم يمت، وقد آل على نفسه أن يضل الناس، سنواجه صعوبة وعنتاً، فإن وجدت في نفسك ضعفاً تحول بينك وبين التوبة، فاعلم أن الله تعالى يريد منك أن تطلب العون منه. فتقول بلسان حالك وقالك: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين؛ فاجلس بنجوة عن الناس، وتحدث مع الله عز وجل اشكو له همك، حدثه باللغة التي تشاء وباللهجة التي تريد، حدثه عن ضعفك في مواجهة الشهوات والنزوات. وقل له: يا رب جبلتني على الضعف وابتليتني بهذه الشهوات وأنت القوي القادر، فاهدني وأعني على نفسي وانتشلني من وهدة الضياع، وكن لي عوناً ومعيناً. هذا ما يريده الله عز وجل مني ومنك.


أتراه يخيبك إن دخلت عليه من هذا الباب. حاشا الكريم يردهم عطشى وقد وردوا.


واستمراء المعصية وعدم العزم على التوبة يجعلك تستثقل الدعاء، ويثقل جسمك عن القيام بالأسحار، فقد جاء شاب إلى سيدنا الحسن البصري فقال: "أعياني قيام الليل" - أي حاولت قيام الليل فلم أستطعه، فقال: "قيدتك خطاياك". وجاءه آخر فقال له: "إني أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي"، فقال له الحسن: "هل تقوم الليل؟ فقال: لا، فقال: كفاك أن حرمك الله مناجاته".


 وهنا قد يقول قائل: وما فائدة توبتي والناس عاكفون على معاصيهم مصرون على شرودهم وأنا واحد من الناس، ما فائدة تمسك القلة، والكثرة لا تلتفت إلى الحل والدواء؟.


لئن كانت توبتك مع استمرار الناس على غيهم لا ترفع البلاء بكلكله، لكنها تحط عنك من رَهَقِه، توبتك ستخرجك من ضيق المعيشة وضنكها إلى سعتها وبركتها، توبتك إلى الله فرصة كبرى لمد جسور الصلة بالله. ومن لم يأت إلى الله بلطائف الاحسان سيق إليه بسلاسل الامتحان. توبتك إلى الله ستحيل لك الشدة إلى رفعة، وستجد كيف يختصك الله من بين خلقه بالعون وتيسير الأمور وتهوين الشرور، ناهيك عما تتقلب به من شعور غامر من الأنس بالله واللذة في عبادته، شعور إن أكرمك به الجليل لا يعدله كنوز الدنيا مجتمعة. ولا يأت إلا بالمواظبة والثبات، عندئذ تستقبل هذه الشدائد بقلب مطمئن .. وستغني نشيد الرضا في كل ما تلقاه من أزمات، ولسان حالك يقول:


إِذا صح مِنكَ الوُدَّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ         وَكُلُّ الَّذي فَوقَ التُرابِ تُرابِ.

تحميل