مميز

السلسلة: وقفات خالدات

الكاتب: الشيخ محمد ياسر القضماني
التاريخ: 23/07/2020

صور من بيت ابنة سيد الناس

مقالات

أخرج هنَّاد والدِّينوري عن الشَّعبي قال:


قال عليٌّ رضي الله عنه: )لقد تزوجتُ فاطمة - رضي الله عنها - بنتَ محمد ﷺ - ومالي ولها فراشٌ غيرُ جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضِحَنا بالنهار ومالي خادم غيرها).


كذا في الكنز. (7/133)  [i]


*****


  • ابنةُ أكرم الأكرمين من الخلق أجمعين:

سلام عليك يا علي، سلام عليك يا فاطمة، ولنعم جهادكما وصبركما على الَّلأواء!


ألا يستثير في نفوسكم أيها الناس حال هذه المرأة، البَضعةِ الكريمة من سيد المكرَّمين، وحبيب رب العالمين!


ألم يكن في وسع رسول الله والدها المحبوب عند الله المشهود بالملأ الأعلى أن يسوق لها من صنوف الخيرات، وألوان الزينات ما ينأى بها عن هذا الشظف، والبأساء ؟!


ألم يكن في نَفْسه ﷺ الأب الشفوق، البر الرحيم ما يشتهي كل والد من كشف الضُّر عن ولده، بما يُقيم حاله، ويصلح باله ؟!


بلى، بلى، كان في وسعه - بأبي هو وأمي - أن يرفع يديه داعياً ربَّه - الذي ما خيَّبه في رجاء، ولا تأخر عنه في عطاء - أن يوسِّع عليه رزقه، ويكشف عنه كربه، بلى، كان قادراً على ذلك!


لكن الأب الحكيم كان في غاية الشفقة حين أَسْلَمَ ابنته وصهره لمراد الله هذا فيهم.


أليس الله تعالى قد ارتضى هذا؟ فكيف لا يرضاه؟!


أليس الله تعالى من أسمائه: الحكيم؟ فلا بد من حكمة!


تعالين معي لنتخيل كيف سيكون الحال لو تقلَّبت هذه السيدة في أعطاف النعيم، وسَبَحَت في رغد من العيش، وفي بحبوحة من النعم مما نعرف ومما لا نعرف؟!


كيف ستكون الصورة؟!


ستسقط هذه المهابة والتعلق بهذا البيت النبوي الذي يُؤثر شهوته، ويُرْضي نزواته، ويُشبع رغباته، ولو افتقر وكُرِب الجيران والأرحام.


وفي الناس وسيبقى فقراء، فمن هم قدوتهم وأسوتهم على تحمل الشدائد وضر الحال؟!


  • ماذا في غرفة نومك؟!

يُخيَّلُ إليَّ أن الصادقة منكنَّ إذا تأمَّلت غرفة نومها، وفراشها الوثير، وزخارفها وستائرها المتأنقة، وتُحَفَها هنا وهناك من كل عجيب وغريب - يخيَّلُ إليَّ لو أن الصادقة منكنَّ تأملت كيف تغوص في فراشها، وتلتحف بلحافها النفيس، والجو مضمَّخ بالعطر، وذكَرَتْ حال ابنة سيدة نساء أهل الجنة - أنْ لا تهنأ في ليلتها تلك، ولسوف يطير النوم من عينيها، وتتقلب على جمر مثل الغَضَا !


هل يوجد - يا ترى - أمثال هذه الصادقة ؟!


(جلد كَبش) هو فراش الليل، (ونعلف عليه ناضحنا بالنهار) !


أتدرين معنى هذا ؟!


(النَّاضح) البعير الذي يستقى عليه الماء !


إن ريح البعير، وريح العلف ستعبق بالفراش، كما يعبق ريح العطر الغالي في فراشك !!!


تعالي معي إلى أعجب من هذا !


كثيراً ماكان ينزل الماء على هذه الجلود، وستشعرين بريح الضَّأن تزكم أنفك يا ناعمة، هل تحتملين مجاورة هذه الجلود، فضلاً عن اتخاذها فراشاً ؟!


هذه نومة سيدتك وسيدة نساء أهل الجنة.


رضي الله عن فاطمة كم عانت، وكم صبرت، وهي محتسبة.

  • جوعها وكربها في النهار:

إياكِ أن يذهب بك الظنُّ أنه كرب وشدة وضيق في الليل، لا، لا، إنه لأواء الليل ولأواء النهار !


أتاها والدها مرَّة - عليه أفضل الصلوات والتسليمات - فقال : أين ابناي - يعني حسناً وحسيناً - رضي الله عنهما ؟ قالت: أصبحنا وليس في بيتنا شيئ يذوقه ذائق. فقال علي - رضي الله عنه - : أَذْهبُ بهما فإني أتخوف أن يبكيا عليك وليس عندك شيئ ..


أرأيتِ ؟!


ولا يذهب بك الظن أنها لمَّا ذكرتْ حالها لأبيها أنها متشكِّية، لا، لا، إذاً لقالت: إلى متى هذا الحال؟ وهل نبقى هكذا أبد الدهر؟ زوجي لا خير فيه! إلى غير هذه الكلمات التي تخرج من امرأة مخذولة تشكي ربها لخلقه، وهل يعقل من يشكو الخالق لعباده ؟!


تذْكُرُ ما عندها لوالدها ليمدَّها؛ إنْ كانت عنده فضلة، فهو حنوُّ الوالد على ولده، وشفقته ورحمته.


هل جرَّبتِ الصبر على الضُّر إن نزلت بك شدائد، أو قلَّ مال زوجك مرَّة، أم كان منك التشكِّي والتململ ؟!


خرج عليٌّ مرة بدقيق اشترَاه فأتى به زوجته فقال: اعجني واخبزي، فجعلت تعجن وإن قُصَّتها - شعر ناصيتها - لتضرب حَرْفَ الجفنة من الجَهْد الذي بها ثم خبزت.


أحببتُ أن أذكِّرك بمشاهد من بيت ابنة خير الناس؛ فاحمدي الله تعالى، ودرِّبي ولدك على شكر النعم، والتخوشن ولو في بعض الأوقات؛ فهو أحرى أن يُذَكِّرنا، ويجعلنا من الذين يبوؤون بنعمة الله عليهم، والشكر قيد النعم.


[i] انظري حياة الصحابة للكاندهلوي : باب تحمل الشدائد في الله تعالى (تحمل علي وفاطمة قلة الثياب)

تحميل