مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 28/06/2020

سر إلهي .. يحتاج إلى من يتعهده ويرعاه

مقالات

أيام ثقيلة قد أرخت بظلالها على شريحة واسعة من أفراد المجتمع، خلاصة القول فيها: الغلاء الذي يتربص بالناس، وما من أحد إلا وهو على دراية بالتباين الجلي ما بين أسعار السلع الأساسية والدخل الشهري. ولست هنا في معرض المقارنة بين مقدار الدخل ومتطلبات الحياة، لأن المقارنة قد باتت غير ممكنة عقلاً. لكني أود تسليط الضوء على الكلاءة التي اختص بها اللطيفُ الخبير الشامَ وأهلها.


فعلى الرغم من هذه الشدة .. فإنك لو قلبت الطرف في وجوه كثير من الناس - أعني بسيطَهم وفقيرَهم، لا غنيَهم - لتجلى لك على قسمات وجوههم مشاعرُ الرضا التي تفيض بها قلوبهم، يتقلبون بحال يزيد العدو اللئيم غيظاً وكمداً بل وحنقاً وحسداً، كما يزيد المحب الوفي غبضة وسعادة وتفاؤلاً.


كثيرون هم الذين يتساءلون اليوم وعلامات العَجَب تملأ محيَّاهم: كيف يمكن أن يعيش إنسانٌ وأسرته بمورد شهري لا يكفيه بحساب الورقة والقلم إلى منتصف الشهر، بل يقتضي أن يتبدد في مستهل الشهر؟! ومع ذلك عندما تتأمل وجوهَ أرباب الجيوب الخاوية، تجده عزيزَ النفس، مرفوعَ الرأس، لم ينم يوماً طاوياً جائعاً، بل إنه يتقلب في سائر أحواله مطمئناً محتسباً صابراً، تراه يغدو صباح كل يوم إلى عمله راضياً وفي المساء يعود إلى أهله حامداً شاكراً، ولربما أضفت بشاشته ورضاه على قلوب مَن حوله مِن أهله وأمثاله السكينة والطمأنينة والسعادة والرضا، وتطوى الأيام وهو يتقلب بسعادة لو استشعرها أرباب الأموال لأيقنوا أن العبرة ليست بكثرة المال ولا بقلته، وإنما بغنى النفس والقناعة بما قد قسمه الرزاق، ولو أمكن للأغنياء أن يشتروا هذه السعادة من الفقراء بعيون أموالهم لشروها، لكن هيهات .. ذلك لأن هذه السعادة التي ارتسمت على وجوه البسطاء لا تباع ولا تشرى، وإنما هي انعكاس لعطاء إلهي يختص به من شاء من عباده. 


فما هو سر هذا العطاء، ما هو سر هذه السعادة والطمأنينة والرضى التي يحار بها العدو؟


السر هو البركة، والبركة: سر إلهي يودعه الله بمن شاء وما شاء من خلقه، هي فيض إلهي غير محسوس، هذا السر الإلهي يتجلى بأحد أمرين: إما بزيادة ونماء الشيء المبارك، سواء أكان هذا الشيء مكاناً أم زماناً أم مالاً أم طعاماً أم أي شيء آخر. أو يتجلى بشعور غامر - مع الحاجة والقلة - من انشراح في الصدر وهناء في العيش.


وبالتالي فإن البركة ليست حالة طارئة تخيم بظلالها على حياتنا في بعض الأحيان، لا. وإنما الأصل وجود البركة؛ لذا ما منا من أحد إلا وقد أظلته البركة في حياته لكنه قد ذهل عنها؛ لأن آفة النِعم الألف، وما منا من أحد إلا وقد لمس تلاشي هذه البركة في أحيان أخر، سواء أكان ذلك في رزقه أو قُوته أو وقته أو غير ذلك. فكم من رجل يدخل في جيبه مبلغ مرقوم فيتبدد بأيام بل ربما بساعات؛ إذ سلب البركة، وكم من رجل يدخل في جيبه مبلغ زهيد فيكون كفايتَه وكفايةَ أهله لشهر أو لأكثر؛ إذ بارك الله له فيه؟!


فالبركة لا تقاس بأرقام، ولا يمكن أن تدون في دفاتر الحسابات. وإنما هي رزق معنوي يغدقه الله عز وجل على من يشاء، ويسلبه عمّن يشاء وفق حكمته وتدبيره.


فإذا كنا على ذكر من هذه الحقيقة، فتعالوا بنا لنتعهد هذا السر الإلهي، فنتحرى أسباب استجلابه، ونتجنب أسباب انمحاقه.


إن من أراد أن يحافظ على البركة في حياته فعليه أن يتخذ الأسباب لذلك، وهي كثيرة، لكن عين هذه الأسباب تقوى الله عز وجل. كيف لا وهو القائل عز وجل: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب). والتقوى أن تتقي - أي تتجنب - ما يسخط الله عز وجل، فتتجه بشراشرك وكُليتك إلى ما يرضيه عنك، والحلال بيّن والحرام بيّن.


واعلم أن من أسباب حصول البركة أيضاً: صلة الرحم، ففي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ له فِي رِزْقِهِ، وأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ, فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".


كما أن من أسباب حصول البركة في الرزق المواظبةَ على قراءة سورة الواقعة مساء كل يوم. فقد روى أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي والطبراني عن ابن مسعود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا‏"‏، وكذا أخرج ابن عساكر عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ "سورة الواقعة سورة الغنى فاقرؤوها وعلموها أولادكم‏".


وأما أسباب انمحاق البركة فهي كثيرة. لكن أهمها: الربا، وقد شاع الربا فعلاً. والله تعالى يقول: "يمحق الله الربا"، وكم من رجل قد تورط اليوم في الربا من حيث يدري أو لا يدري، فسلب البركة من حياته ورزقه، وإذا بماله المودع هنا وهناك قد غدا أثراً بعد عين.


ومن أسباب انمحاق البركة أيضاً الغِش والتدليس والتطفيف وإنقاص الكيل في البيع والشراء، وهي مظاهر تدل على استشراف النفس إلى ما في جيوب الناس. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع»، فالمال الذي يناله الإنسان بطرق ملتوية عبر خِلابة أو غَبن أو غرر، عبر كذب وغش وخداع أو رفع للأسعار دون مبرر .. لا بد وأنه ممحوق البركة، وإنسان هذا شأنه تراه كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم يأكل ولا يشبع، وأنى له الشبع وهو مسلوب البركة. أما من أراد أن يبارك له في رزقه فعليه أن يكون سخي النفس، ناصحاً للمسلمين، حريصاً عليهم، غيرَ غاش لهم ولا طامع بما في جيوبهم، يؤثرهم، يرفق بهم، يشفق عليهم.


ومن أسباب انمحاق البركة أيضاً كثرة الحلف كما نبه النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك فيما رواه الشيخان أنه قال: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة).


وأخيراً: إن من جعل رضى الله تعالى نصب عينيه، سيلمس البركة التي يضفيها الله عز وجل على رزقه، ولن يبق عندئذ للأرقام - التي يحتسب من خلالها الدخل عادة - أي قيمة أو اعتبار، لأن المعول عليه البركة، ومن لمس البركة في حياته ينام قرير العين مطمئن البال، يتقلب في حياته راضياً مطمئناً ولسان حاله يقول:                 


وإذا العناية لاحظتك عيونها .. نم فالمخاوف كلهن أمان

تحميل