مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 08/09/2020

رسالة عتب

مقالات

منذ أيام قرأت خبراً مفاده أن مسلسلاً محلي الإنتاج (يحتوي على مشاهد جريئة) كما يصفه المروجون، قد حطم رقماً قياسياً من حيث عدد المشاهدين، إذ بلغ المتابعون له ثمانين مليوناً خلال فترة كذا .. وبناء عليه يدعي المنتجون وصولهم لمآربهم وتحقق غايتهم.


ومن المعلوم أن عبارة (يحتوي على مشاهد جريئة) تستخدم عادة كناية عما يتضمنه من مشاهد عري وهبوط أخلاقي، لكن يكنى عن التصريح بمثل هذه العبارات المبطنة، مع ما في هذه العبارة من اعتراف صريح بالجراءة على حرمات الله، والانتهاك لقيم المجتمع.


والذي يثير في النفس الكثير من الأسف والحزن الممض، أن يكون عملٌ موجه للناطقين بلغة القرآن قد تابعه ثمانون مليون إنساناً، أي أن ثلث الأمة العربية تقريباً قد اطلع على تلك المشاهد الجريئة، ضاربين ما ورد في كتاب الله من أوامر ونواه عرض الحائط.


لذا فإن رسالة عتب ونصح لا بد أن أتوجه بها إلى إخوة مسلمين - وأحسبهم ممن يحبون الله ورسوله - كانوا سبباً في دعوى نجاح هذا العمل وأمثاله، إلى إخوة كانوا ضحية نفس أمارة قد تورطوا بمتابعة (المشاهد الجريئة) .. نفثة مصدور أبثها إلى كل أخ جند نفسه عوناً لمن يحادون الله ورسوله من حيث يدري أو لا يدري، فاتخذوه سلماً للوصول لمبتغاهم، وها هم اليوم يتبجحون به وبأمثاله، إذ كان سبباً في نجاحهم.


وأقول لهؤلاء الإخوة:


حدثوني بربكم يا من بتم رقماً ضمن الثمانين مليون يَفتِخر به الذين يحادون الله ورسوله ويسعون في دين وأخلاق أولادكم وبناتكم فساداً .. يا من سهرت الليالي وأنت عاكفٌ على ما يسخط الله عز وجل من دون أن تقيم حساباً للرقيب سبحانه الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .. ما هي الفائدة العلمية أو الاجتماعية أو الحضارية أو الثقافية أو الأخلاقية التي عدت بها؟ بل أي ظلمة قد خلفتها في قلبك؟! وأي وبال وبُعد عن الله قد ورطت به نفسك؟


ما من مسلم إلا ويعلم حكم النظر إلى النساء من غير المحارم، ما من مسلم إلا ويؤمن بما أنزله الله في محكم كتابه إذ قال: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ). و(المسلم واه راقع)، يخطئ يذنب .. لكن سرعان ما يتوب ويؤب، إذ (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون). لكن أن تستمرئ المعصية يا من يعتز بلا إله إلا الله، ثم تصر عليها، وتمضي أيام عمرك ويكرمك الله بنعمة المأوى ونعمة الأهل والأولاد، وبدلاً من أن تشكر الله عز وجل على نعمه تتحلق معهم حول الشاشة من دون وازع ولا رادع، فتحمل عنقك مع أثقالك وأوزارك أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم .. ألم تسمع قوله تعالى يصك سمعك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، فلماذا تمارس مما أمرك الله به النقيض، وترمي بنفسك وبهم إلى التهلكة بملء اختيارك؟.


يامن بت رقماً مجدياً في نجاح عمل يسخط الله ورسوله، ألم يكن الأجدى والأجدر بك أن تتحلق مع أولادك حول عمل يرضي الله ورسوله عنك، كأن تقوّم ألسنتهم على قراءة سورة من كتاب الله، أو أن تجلس معهم على قراءة أحاديث من كلام سيدنا رسول الله، أو أن تزرع في نفوسهم خلقاً حسناً تقر به عين رسول الله عنك .. ترى أيهما أرضى لله عز وجل؟!


هاتان العينان إنما خلقهما الله سبحانه وتعالى لك لتكرمهما لا لتهينهما .. لتشكره عليهما، وشكر الله عز وجل على نعمه إنما يكون باستخدام نعمه في طاعته لا في معصيته.


هاتان العينان خلقهما الله عز وجل لتهيئهما لرؤية وجهه الكريم يوم القيامة .. فتكون ممن قال عنهم: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، وأعيذك وأعيذ نفسي أن تجعلهما وقفاً للنظر إلى أعداء الله، فتكون ممن قال الله عنهم: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ، تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ). وهل تظن أن من أهان عينيه وعودهما النظر إلى (الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) مهيئ ليكون مع أصحاب الوجوه الناضرة؟


إن هؤلاء الذين يحادون الله ورسوله، لم يبذلوا الأموال ولم يمضوا الأوقات الطوال عبثاً، لم يشقوا نهارهم ويسهروا ليلهم وهم يعتصرون عقولهم إلا لتحقيق غايات تطمح لها نفوسهم .. وينبغي على كل عاقل أن يسأل نفسه، ويتأمل بعين العقل والحكمة، ما هي الغاية من بذل الأموال والجهود في سبيل دس هذه المشاهد الجريئة. هل من غاية نبيلة يسعون إليها .. أي قيمة أخلاقية تحملها هذه المشاهد للمجتمع؟ بل أي أثر علمي أم ثقافي أم حضاري قد خلفته هذه المشاهد على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع؟


وأشهد ويشهد كل عاقل منصف أن مثل هذه الأعمال لا تفيد هذا ولا هذا ولا ذاك، بل هي إتمام لمهمة إبليس عندما أخذ على نفسه عهداً أن يضل الناس ما أمكنه إلى ذلك سبيلاً، انتقاماً من سيدنا آدم وذريته عندما طرده الله من الجنة. فقال: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ).


وإذا أردتُ تحسين الظن. فإنهم أناس يرزحون تحت نير تجربة اجتماعية مهيضة مريضة قائمة على التفسخ الأسري والإباحية، قائمة على التفلت عن كل ضابط وقيم، يريدون تعميم واقعهم المرضي وبثه بين أفراد المجتمع المسلم المحافظ. سيراً على مبدأ: إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر.


ووالله الذي لا إله إلا هو، ليس في متابعة مثل هذه الأعمال بما تحتويه من تجرأ وجرأة على حرمات الله وعلى قيم المجتمع وعلى الأخلاق الإنسانية، إلا ما يزيد النفس طغياناً، ويزيد الغريزة إثارة، ويخلف في القلوب ظلمة وبعداً عن الله، هذا على صعيد الفرد. أما على صعيد المجتمع فإن المشاهد الجريئة لا تزيده إلا شرخاً وتفسخاً وتخبيباً[1]، ولا تزيد أخلاق الناشئة من شباب وفتيات إلا هبوطاً وانحلالاً واضمحلالاً. وبذلك تكون بمتابعتك متسبباً في وصول المنتجين إلى مآربهم. 


والحقيقة التي لا شك فيها أن جهودهم وجهود أمثالهم تؤتي أكلها، وتلحظ ذلك من خلال ما تشهدونه في أخلاق ومظاهر شريحة ما زالت تتسع شيئاً فشيئاً من شباب المسلمين وبناتهم.


ومن المؤسف أن يسعى ولاة الأمر في بلداننا إلى بناء جيل يصلح ركيزة لبناء وطنه، جيل متوازن لا يعاني من الاضطراب النفسي، ولا من عقد التناقض الاجتماعي، جيل ينصاع للقيم ويسعى لبناء الذات والوطن، وذلك من خلال إقامة المؤسسات العلمية والتربوية الكثيرة .. لكن أرباب الأعمال الفنية بما يضمنون أعمالهم من مشاهد جريئة يريدون إفساد هذه الجهود من خلال صب المزيد من وقود الشهوات الآسنة على نار الغريزة المتأججة في نفوس الناشئة، فيجعلوا من الجهود البناءة في النهوض بهم وبعقولهم أثراً بعد عين.


فمن للمساكين؟ من لهم يأخذ بأيدهم؟ من لهم يعينهم ليترفعوا عن ظلمة المعاصي والشهوات ويعرج بهم في محراب الاستقامة على شرع الله .. أبمثل هذه الأعمال بما تحتويه على مشاهد جريئة نعينهم أم ندمرهم؟! والحقيقة التي لا شك فيها ولا ريب أن تسهيل إنتاج مثل هذه الأعمال إسهام في تدميرهم بملء اختيارنا، وبأيدينا لا بأيدي أعدائنا. وإلى الله المشتكى.   


[1] ورد في الحديث: "لعن الله من خبب امرأة على زوجها، لعن الله من خبب زوجاً على زوجته" أي أفسد.

تحميل