مميز
الكاتب: الشيخ محمد الفحام
التاريخ: 17/05/2019

رمضان والقرآن

مقالات

رمضان والقرآن


مقدمة ؛ بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير الخلق رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد فهذه خلاصة لطيفة ضمن مقاطع مختصرة تتحدث عن القرآن ورابطِه العلوي برمضان، أرجو بها القبول ودوام نفعها، والأجر الجليل لقارئها وناشرها وكذا الدالِّ عليها مع الدعاء من الكلِّ لكاتبها بدوام الستر من الله تعالى بما هو أهله آمين يارب العالمين.   


1_ بين كلام الله تعالى والصيام ؛


حينما نجد حرفَ الخطاب بتكليفِ الصيام في القرآن بيانِ ربِّ الأنام نُدرك أنَّ بين التلاوةِ والصيام روحَ الخطاب، ولو استعرضنا الآيات الكريمات وهي تتحدث عن أحكام الصيام لوجدنا في تضاعيفها واسطةَ العِقْدِ التي هي الرابطُ الروحيُّ الأساسُ بين العبد والربِّ والتي هي في قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، فقبل هذه الآية كلامٌ عن الصيام مَبْدوءٌ بقولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ..) مختومة بقوله تعالى: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) كلُّ ذلك للإشارة إلى ذلك الرابط الذي هو الأساس.


2_ نزول القرآن في رمضان جملة ؛


أما حكمةُ نزولِه جملةً واحدةً في هذا الشهر العظيم فلِلْإِشارة إلى عظمةِ رمضانَ وأنَّه سيِّدُ الشهور، وللدِّلالة على عظمة وعاءِ التزكية الكبير الذي يَسَعُ المسرفَ على نفسِه مهما قَصَّر قبلَه في تطبيق كلِّ الأحكام فإنَّه إذا استدرك على نفسِه فيه ورجعَ إلى مولاه في كلِّ ما كلَّفه به سبحانه عَبْرَ بيانِه الكريم رجع كيوم ولدته أمُّه بفضلِ اللهِ تعالى وكرمِه وجودِه، ولِلْعِلْمِ بأنَّ مولانا هو المريدُ والْمُقَدِّرُ والعالمُ بمستقبلِ الأمور إلى قيام الساعة، وقريب من هذا المعنى ما بين دفتي القرآن وما نطق به سيد ولد عدنان من علاماتِ الساعةِ إلى أنْ يرثَ الله الأرض ومن عليها، وأن مشيئة الله تعالى هي النافذة وغير هذا كثير وغزير لا تسعُه هذه العجالة.


هذا ؛ والمراد بأنه تعالى أنزل القرآن في ليلة القدر إنزالُهُ مِنَ اللَّوْحِ المحفوظ إلى سماءِ الدنيا في الليلة المذكورة إلى بيت العزة، ثم إنزاله إلى الأرض نجوماً، وإنما أنزله الله تعالى إلى سماء الدنيا ليكون أقربَ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فيكونَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أشدَّ له شوقاً أي كَمَنْ له غائبٌ قَدِمَ إلى نواحِي البَلْدَة فلا ريب أنَّه يزدادُ الشوقُ إليه، ذلك أنَّ رسالةَ اللهِ تعالى في تَنَزُّلاتِها الدائمة صلةُ الوصل النوراني بين الأرض والسماء بين والرب وخاتم الأنبياء.


3_ فضل تلاوة القرآن ؛


_ (من قرأ حرفاً مِنْ كتابِ اللهِ فلَهُ به حسنةٌ والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) الترمذي عن ابن مسعود


 _ (ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ يتلون كتابَ اللهِ ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهمُ السكينةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرحمةُ، وحَفَّتْهُمُ الملائكةُ، وذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَنْ عندَه) مسلم  


_ (من شغله القرآن عن مسألتي أعطيتُه أفضلَ ما أُعْطِي السائلين، وفَضْلُ كلامِ اللهِ على سائرِ الكلامِ كفضلِ اللهِ على خلقِه) الترمذي عن أبي سعيد


4_ السلف الصالح والقرآن ؛


_الحبيبُ الأعظم صلى الله عليه وسلم وحالُه مع كتاب الله تعالى في حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها الذي يرويه ابن حبان في صحيحه وابن أبي الدنيا في كتاب التفكير وابن عساكر عن عطاء قال: قلت لعائشة أخبريني بأعجبَ ما رأيتِ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالت: وأيُّ شيء لم يكن عجباً ؟


إنَّه أتاني ليلةً، فدخلَ معي لحافي،ثم قال: (ذريني أتعبدْ لربي) فقام فتوضأ، ثم قام يُصلِّي، فبكى حتى سالتْ دموعُه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاءَ بلالٌ يؤْذِنُه بالصلاة، فقلت: يا رسول الله!


وما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟


قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، ولم لا أفعل وقد أنزل الله تعالى عليَّ هذه الليلة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ)


_ أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه ؛ قال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقد استمع إلى قراءته: (لقد أوتيتَ مِزْماراً مِنْ مزاميرِ آلِ داود) متفق عليه


وفي رواية مسلم: (لو رأيتني وأنا أستمعُ لقراءتك البارحة)


_ أبو حنيفة النعمان، وحاله مع القرآن ؛


_عن مسعر بن كدام قال: دخلتُ المسجدَ ليلةً فرأيتُ رجلاً يُصَلِّي، فاسْتَحْلَيْتُ قراءته، فقرأ سُبعاً، فقلت: يركع، ثم قرأ الثلث، ثم النصف، فلم يزل يقرأ حتى ختمه كلَّه في ركعة، فنظرت، فإذا هو أبو حنيفة.   


وعن القاسم بن معن أن أبا حنيفة قام ليلة بهذه الآية: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) فلم يزل يبكي ويتضرع


_ وكان الإمام الشافعي يختِمُ في شهر رمضان ستين ختمة ما منها شيءٌ إلا في صلاة.


_ أبو بكر بن عيَّاش ؛ قال لابنته عند موته وقد بكتْ: يا بنية لا تبكي، أتخافين أن يعذِّبني الله تعالى وقد خَتَمْتُ في هذه الزاوية أربعةً وعِشرين ألفَ ختمة.


5_ تدبر كتاب الله تعالى القرآن ؛


قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)


أصلُ التدبُّر إنما هو النَّظرُ في عواقِبِ الأمور ثم استُعمِل في كلِّ تفكُّر وتأمُّل، ومعنى تدبر القرآن تأمُّلٌ في معانيه وتَفَكُّرٌ في حُكمِه


قال العلماء: إن الله تعالى احتجَّ بالقرآن والتدبُّر فيه على صحة نبوة محمدٍ لله والحجة في ذلك من ثلاثة أوجه ؛ الأول ؛ فصاحتُه التي عَجِزَ الخلائقُ عن الإتيانِ بمثلِها. الثاني ؛ إخبارُه بالغيوب. الثالث ؛ سلامتُه من الاختلافِ والتناقُضِ وهو المراد من قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)     


وقال سبحانه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)


وفي هذه الآية التحذير من خطرِ الغَفْلَةِ وعدمِ حضورِ القلب، للعلم بأنه لا قُدرة على التَّدَبُّر إلا بحضور القلب وجمعِ الْهَمِّ وقتَ التلاوة.  


وما يَجْدُر ذكرُه أنَّ تدبُّرَ القرآنِ يبدأُ بشهودِ أنَّه كلامُ اللهِ الْمُعْجِزُ لا كلام بشر والدليل الأبلجُ استمرارُ التحدِّي إلى قيامِ الساعة أنْ يأتيَ البشرُ بمثله قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)


6_ شفاعة القرآن ؛


هو وعدُ النبيِّ الأكرمِ صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم بقولِه وهو الصادق المصدوق: (اقرأوا القرآن، فإنَّه يأتي يومَ القيامة شفيعاً لأصحابِه) وفي رمضان مع الصيام تناغمٌ رفيعٌ كما بيَّن ذلك السيدُ الأكرمُ عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه أحمد في مسنده: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يومَ القيامة، يقول الصيام: أيْ ربِّ منعتُه الطعامَ فشفِّعْني فيه، ويقول القرآن: منعتُه النومَ بالليل فشفِّعْني فيه، قال: فيُشفَّعان)


ودونك هذا الشاهد الآسر ففي أبي داود والترمذي بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من القرآنِ سورةٌ ثلاثون آيةً شفَعَتْ لرجلٍ حتى غفر له، وهي تباركَ الذي بيدِه الملك)


وفي الختام هذا الحديث الصحيح: (لا تجعلُوا بيوتَكم مقابرَ إنَّ الشيطان يَنْفِرُ من البيت الذي تُقْرَأُ فيه سورةُ البقرة) مسلم


7_ تلاوة القرآن بالقلب والقالب ؛


إنما تتحقق بأنْ تُصْغِيَ إلى بيان الله تعالى بِسَمْعِ الروحِ وكأنَّه أُنْزِلَ على قلبِك أي من حيث كونُه مَصْدَرَ الخطابِ الإلهي لعباده الْمُشَرَّفين به.


8 _ القرآن شفاء ؛


نعم ! هو شفاءٌ على الحسِّ والمعنى قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)


في الصحيحين ؛ انطلقَ نَفَرٌ من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفْرَةٍ سافروها حتى نزلُوا على حيٍّ من أحياء اليهود، فاستضافوهم، فأبوا أنْ يُضَيِّفُوهُم، فَلُدِغَ سيدُ ذلك الحيِّ فَسَعَوْا له بكلِّ شيءٍ، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرَّهْطِ الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأَتَوْهُم، فقالوا: يا أيها الرهطُ ! إنَّ سيدَنا لُدِغَ وسقينا له بكلِّ شيءٍ لا يَنْفَعُه، فهل عند بعضِكم من شيء؟


فقال بعضُهم: نعم _والله_ إني لأَرْقِي، ولكنَّا استضفناكُمْ فلم تضيِّفونا، فما أنا براقٍ حتى تجعلوا لنا جُعْلاً، فصالحوهم على قطيعِ من الغنم، فانطلقَ يَتْفُلُ عليه, ويقرأ الحمد لله رب العالمين _أي سورة الفاتحة_ فكأنما نَشِطَ من عِقال، فانطلَقَ يمشي وما به قَلَبَة، قال فأَوْفَوْهُم جُعْلَهُم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتَسِمُوا، فقال الذي رقى: لا تفعلُوا حتى نأتي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فذكروا له ذلك، فقال: (وما يُدريكَ أنها رُقية) ثم قال: (أصبتم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهما) 


وعن عوف بن مالك بن مالك بن أبي عوف الأشجعي، فقيل له: ألا نعالجك ؟


فقال: ائتوني بماء فإن الله تعالى يقول: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً)


ثم قال: ائتوني بعسل، فإن الله تعال يقول: (فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ)


ثم قال: ائتوني بزيت، فإن الله تعالى يقول: (مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ)


فجاؤوه بكل ذلك، فخلَطَهُ، ثم شَرِبَ فَبرئ. 


                                                       الفقير إلى ربه الغني


                                                          محمد الفحام   


تحميل