مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 15/08/2011

قصر العظم

معالم الشام

متحف التقاليد الشعبية

1163 هجري / 1749 ميلادي


رحلة نحو قصر العظم في دمشق القديمة، نتنسم فيها بعض من أجواء الحياة الشامية القديمة ..


يعتبر قصر العظم من أهم وأجمل القصور في الفترة العثمانية، وواحداً من أفضل نماذج العمارة المبكرة للبيوت الدمشقية الكبيرة، أمر ببنائه والي دمشق أسعد باشا العظم في العام 1163 هـ/1749م، ليكون داراً لسكنه بعد توليه ولاية الشام.


دمره الإستعمار الفرنسي في العصر الحديث، وبعد ترميمه في خمسينيات القرن الماضي، أصبح متحفاً للتقاليد الشعبية.


الموقع وتاريخ بنائه:


يقع القصر وسط مدينة دمشق القديمة، ما بين الجامع الأموي شمالاً وسوق مدحت باشا (الشارع المستقيم) جنوباً، بالقرب من البزورية ويمتد على مساحة 5500 م2، يعتبر هذا البناء من أهم المباني التاريخية الضخمة الموجودة في مدينة دمشق القديمة.


  بني سنة 1163 هـ 1749م، ويمثل طراز هندسة بنائه البيت الشامي التقليدي، حيث ما تزال توجد على شاكلته مجموعة من البيوت، ( كبيت السباعي في محلة الدقاقين)، و(بيت نظام في مئذنة الشحم)، و(بيت سقا أميني في العمارة الجوانية)، و(بيت خالد العظم في سوق ساروجة)، و(بيت جبري خلف قصر العظم)، و(مكتب عنبر في محلة مئذنة الشحم)، وغيرهم.


 أمر ببناء قصر العظم والي دمشق أسعد باشا العظم، ليكون داراً لسكنه بعد توليه ولاية الشام، وحالياً هو من أهم مقاصد السياح في مدينة دمشق القديمة، وقد اختار أسعد باشا العظم موقع هذا القصر بعناية فائقة .


يعتقد أن قصر العظم يقع على بقايا القصر الذهبي لتنكز الحاكم المملوكي لدمشق من عام 1312 ولغاية 1339 م، ومن المحتمل أن هذا البناء المملوكي قد هدمه الاجتياح المغولي لمدينة دمشق على يد تيمورلنك عام 1401 م، ويقال بالموروث الشعبي أن القصر الذهبي لـ تنكز قد بني فوق القصر الأخضر، قصر معاوية بن أبي سفيان الحاكم الأموي الأول لخلافة بني أمية عام 680 م، ويقوم القصر الأخضر بدوره على الآثار الكلاسيكية لمدينة دمشق من العصر البيزنطي-الروماني، والهيلينستي، والتي ترقد فوق المستويات الفارسية والآرامية المبكرة .


ويقال: بأن أسعد باشا العظم اختار الموقع الجغرافي لهذا القصر ليستفيد من المزايا الاقتصادية والسياسية لسوقين من الأسواق الرئيسية في المدينة القديمة، حيث يتمركز في نقطة تقاطع هامة بين طرق القوافل المارة بمدينة دمشق القديمة، بين الجامع الأموي وبين الشارع المستقيم.. وبالقرب من هذا القصر بنى أسعد باشا العظم خاناً للقوافل التجارية أو مركزاً لاستقبال هذه القوافل وقد حمل هذا الخان اسم "خان أسعد باشا" .


فمن هو أسعد باشا العظم؟


هو الوزير أسعد باشا ابن إسماعيل باشا ابن الأمير إبراهيم بك الذي نشأ في قونية، كان جد هذه الأسرة المعروف، وُلِد أسعد باشا في دمشق سنة ١١١٣ ه/ ١٧٠١ م، ودرس العلوم واللغات على عادة عصره، فحذق التركية والفارسية والعربية وألمَّ ببعض العلوم والآداب، ولع بجياد الخيل والأبنية فأكثر منهما، وكانت أول ولاياته على حماة، فنال رتبة ميرميران ثم نال رتبة الوزارة سنة ١١٥٦ ه/ ١٧٤٣م.


 ثم نُقِل إلى ولاية دمشق خلفاً لعمه سليمان باشا، فأدار شؤونها أربع عشرة سنة، وكان أمير الحج أيضاً، وترك أعمالاً كبيرة وأبنية شاهقة، وسنة ١١٦٩ ه/ ١٧٥٥ م تولَّى شؤون سيواس وعُزِل عنها بعد نحو عامين، وأبُعِد إلى روسجق لتغير الدولة عليه بسبب نسبة فتنةٍ إليه قام بها العرب على ركب الحج في عهد خلفه حسين باشا مكي زاده الغزي من مماليكه، وقُتِل في طريقه إلى روسجق في 5 شعبان ١١٧١ ه/ ١٧٥٧ م، وذلك بمدينة أنقرة داخل حمَّام .


كانت له أوقاف عظيمة وخيرات كثيرة، فمن أوقافه، "خان أسعد باشا" قرب داره في البزورية وبناء مقام السيدة زينب بظاهر دمشق، وجسر الكسوة، ومن أبنيته الخان الشهير في معرَّة النعمان لأبناء السبيل، والخان والحمَّام والبِرْكة العظيمة لأبناء السبيل أيضاً في خان شيخون قرب المعرَّة، والخان لأبناء السبيل ودار الحكومة في حماة، وفيها قاعة فخمة حجمها نحو ربع القاعة الكبرى في قصره بدمشق، ولكنها أجمل نقشاً قد حُفِظت بغاية النظافة والدقة حتى كأنها خارجة الآن من تحت أيدي الدهَّانين والمزوِّقين، وفيها حوشة حماة في ذلك العهد، والبِرَك العظيمة والقِلَاع المتينة التي بناها في طريق الحج منها في المعظم والأخضر والفحلتين، عدا ما أجرى من الخيرات والمبرَّات في مكة والمدينة وبقية المدن التي تولَّى شؤونها .


" قصر العظم " :


يذكر التاريخ أن 800 من أمهر الصناع والعمال في دمشق، عملوا خلال 3 سنوات من أجل إتمام هذا القصر، إذ اجتهد وكلاء العمل بحثاً عن أعمال فنية في دمشق وسورية الكبرى وجنوب بصرى من أجل تزيين مكان إقامة الباشا ومثال ذلك الأعمدة الرومانية المأخوذة من بصرى والموجودة في فناء الحرملك، وتوقفت كل أعمال البناء المنزلية في مدينة دمشق في الفترة العثمانية بسبب الخدمة الإلزامية التي فرضها الباشا على النجارين والبنائين من أجل بناء القصر، كما قطعت تمديدات المياه العامة حتى انتهاء أعمال التمديدات الصحية لقصر العظم.


زار القصر امبراطور ألمانيا غليوم الثاني عام، 1898 واتخذه المفوض السامي الفرنسي مقراً لإقامته في بداية الانتداب الفرنسي على سورية 1920.ثم اشترته الحكومة الفرنسية من ورثته وحولته إلى معهد للدراسات العلمية، وإبان الثورة السورية عام 1925 تعرض القصر لأضرار كبيرة خلال القصف الفرنسي لدمشق.


قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف باستملاك القصر وأجرت عليه الترميمات اللازمة لاستخدامه وفي العام 1953م تم افتتاحه كمتحف للتقاليد الشعبية والصناعات اليدوية وتم تجهيز عدة قاعات تعرض الكثير من العادات والتقاليد والفلكلور الشامي.


 أقسامه:


يقسم القصر إلى جناحين رئيسيين الحرملك وهو الجناح المخصص للنساء، والسلملك وهو جناح للضيوف من الرجال، وهناك جناح ثالث للخدم هو الخدملك.


ومن أهم قاعاته:


ـ قاعة الكتابة والتدريس: وتعرض مشهد المدرسة التقليدية القديمة (الكتاب) التي كانت تدرس التلاميذ القرآن الكريم واللغة العربية والعمليات الحسابية البسيطة.


ـ قاعة الاستقبال: تعرض أثاث دمشقي قديم مصنوع من خشب الجوز المطعم بالصدف البحري والمغطى بقماش الأغباني المصنوع من خيوط الحرير الموشى بالذهب والفضة.


ـ قاعة الآلات الموسيقية الشرقية: تعرض نماذج للآلات الموسيقية الشرقية النفخية والوترية والإيقاعية مع مجموعة من الغرامافونات والاسطوانات الشمعية الخاصة وفيها صور لأعلام الموسيقا العربية.


ـ قاعة الصدف: نشاهد فيها مجموعة من الأدوات والأثاث المنزلي المصنوع من الخشب المطعم بالصدف.


ـ قاعة العروس: تعرض مشهد العرس التقليدي القديم والأزياء التي كانت ترتديها العروس في هذه المناسبة والهدايا التي كانت تقدم لها مع مجموعة من الأواني الزجاجية.


ـ قاعة الحماية: تعرض مشهد من الحياة اليومية للعائلة الدمشقية الجدة والكنائن.


ـ قاعة الملك فيصل: نشاهد فيها أثاث خشبي مصنوع من خشب الجوز المطعم بعظم الجمل وقدم هدية للملك فيصل عام 1918.


ـ قاعة الحج: تعرض مشهد لمحمل الحج الشامي القديم مع أمير الحج والسنجق كذلك لباس الحجيج والهدايا التي يحضرونها من مكة والاحتفالات الدينية التي تتم أثناء استقبال القافلة وتوديعها، عرض في وسط القاعة مصاحف مكتوبة بالذهب والفضة والتقويم الهجري وأسماء الله الحسنى وحبة قمح كتب عليها ستة أبيات شعر في مدح الأمير زيد شقيق الملك فيصل وبيضة كتب عليها سورة الواقعة وطرمار ورقي كتب علية آية الكرسي وتضم القرآن الكريم بشكل كامل.


ـ قاعة المقهى الشعبي: تعرض ما كان يتم في المقهى الشعبي من تسالي وألعاب كالحكواتي وصندوق العجايب ومسرح خيال الظل.


ـ قاعة السلاح: تعرض مجموعة من الأسلحة القديمة التي استعملت في الدفاع عن سوريا كالسيوف والخناجر ولباس الحروب و البنادق .


ـ قاعة الحمام: وهو نموذج مصغر عن حمامات السوق العامة مؤلف من ثلاثة أقسام براني وهو المشلح الجواني وهو مكان الاستحمام و الوسطاني منطقة متوسطة الحرارة وكذلك بعض أدوات الاستحمام.


ـ القاعة الكبرى: وهي قاعة استقبال الباشا وتعرض مشهد الباشا مع احد الفلاحين ووكيله ا وأثاث مصنوع من خشب الجوز المطعم بالصدف والمزخرف بالأربيسك والخيط العربي مع مجموعة من الفضيات.


ـ قاعة الجلديات: وتعرض نماذج للأدوات والأغراض المصنوعة من الجلد كالأحذية والأحزمة والحقائب وصانع الجلد مع الأدوات المستخدمة في الصناعة.


ـ قاعة النسيج: تعرض نماذج وأنواع النسيج الدمشقي كالدامسكو والبروكار والأغباني والصايات والأحزمة والنول.


ـ في الإيوان مشهد دكان الخشب وبعض الأدوات الخشبية.


ـ صناعة الزجاج: وفيها عرض مشهد صناعة الزجاج وبعض الأواني الزجاجية.


ـ قاعة النحاس: تعرض نماذج لصناعة النحاس والأدوات المستخدمة في هذه الصناعة من حفر ونقش وتخفيت بالإضافة لمجموعة نحاسية مزينة بماء الذهب وبماء الفضة وعلى الجدران الخارجية مجموعة من الاطباق الكبيرة التي تستخدم لتناول الطعام ومجموعة من الصناديق الخشبية في مدخل القصر. 


 وهكذا يموت الناس وتبقى ﴿ َآثَارَهُمْ ﴾، وهي إما آثار خير أو آثار شر، التي تم إيجادها في حال حياتهم بعد مماتهم، فاختر لنفسك أيها القارئ اليوم وغداً سيقرأ عنك، أفضل ما عندك لك ولغيرك.
وقد تكون آثار الإنسان بسبب كلمة يقولها أو يكتبها!


ولقد كان سبب تصنيف الإمام البخاري لكتابه الصحيح هي كلمة سمعها من شيخه، فماذا سمع؟


قال البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع أحاديث المصطفى في الجامع الصحيح، نعم لقد أثمرت كلمة إسحاق بن راهوية، في نفس الأمام البخاري، فترك أصح كتاب بعد القرآن الكريم وكم من النفع العظيم الذي ومازلنا نستفيد منه.


فاختر الخير الذي ينفعك وينفع غيرك، ليكون بذلك صدقة مستمرة لك، إلى أن تلقى الله عز و جل.
  المصادر و المراجع:


ـ سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر / المرادي


ـ  قصر آل العظم في دمشق / عيسى إسكندر المعلوف


ـ الحوليات الأثرية / مديرية الآثار و المتاحف