مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 07/05/2012

الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه

أعيان الشام

عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف


أبو حفص القرشي الأموي، أمير المؤمنين


63 / 101 هجري، الخليفة الراشد والمصلح الكبير


قائد رباني جمع من الصفات المميزة، وخليفة سار على منهج النبوة المحمدية، فاستطاع بمشروعه الاصلاحي أن يجعل منه منارة لمن بعده، فكتب الشيخ أبو حفص عمر محمد بن الخضر، من كبار شيوخ نور الدين زنكي، كتاباً جامعاً لسيرة عمر بن عبد العزيز ليسير عليها نور الدين زنكي أثناء حكمه، فحقق نجاحاً كبيراً، فمن تلك القامات تستلهم العبر والعظات، نرجو أن نوفق في رفع همم للعمل على إرضاء الله عز وجل.


فمن هو عمر بن عبد العزيز؟  


الاسم والنسب:


هو عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي.


وأمه: أم عاصم، بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، كنيته: أبو حفص.


ابنة بائعة اللبن:


نهى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن مذق (خلط) اللبن بالماء، فخرج ذات ليلة في حواشي المدينة، فإذا بامرأة تقول لجارية لها: ألا تمذقين (تخلطين) اللبن، فقالت: كيف أمذق وقد نهى أميرُ المؤمنين عن المذق، فقالت الأم: قد مذق الناس فامذقي، فما يدري أمير المؤمنين؟ فقالت الفتاة: إن كان عمر لا يعلم فإلَهُ عمر يعلم، ما كنت لأفعله وقد نهى عنه، فوقعتْ مقالتُها من عمر، فلما أصبح دعا عاصِماً ابنَه، فقال: يا بني، اذهب إلى موضع كذا وكذا، فاسأل عن الجارية، ووصفها له، فذهب عاصم فإذا هي جارية من بني هلال، فقال له عمر: اذهب يا بني فتزوَّجْها؛ فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب! فتزوَّجها عاصم بن عمر، فولدت له أُم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فتزوجها عبدالعزيز بن مروان بن الحكم، فرزقه الله تعالى منها عمر بن عبدالعزيز الخليفة العادل.


 ميلاد عمر بن عبدالعزيز:


ولد عام 61هـ /681 م، في المدينة المنورة، وقيل سنة 62، وقيل 63  للهجرة ، وتربى عند أخواله آل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليسير على خطى جده الفاروق، في العدل والجرأة على الحق، وليصبح خامس الخلفاء الراشدين.


نشأته:


نشأ عمر منذ طفولته شديد الإقبال على طلب العلم، وكان ملازماً لمجالس العلماء والصحابة والتابعين، فبلغ عدد أساتذته ثلاثة وثلاثون أستاذاً، ثمانية منهم من الصحابة، والباقي من التابعين .


صفاته:


كان رجلاً أبيض دقيق الوجه، جميلاً، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين، بجبهته أثر نفخة حافر دابة، لذلك سُمي أشج بني أمية، وكان قد خطه الشيب ولم يخضب.


زوجات عمر وأولاده:


كان لعمر بن عبدالعزيز ثلاث زوجات، وكان له من الأبناء ستة عشر؛ من الذكور: ثلاثة عشر، ومن الإناث: ثلاث.


لمحة عن حياته:


في عام 85 هـ توفي عبد العزيز بن مروان بمصر، وكان ابنه عمر قد تم تأدبه على يد مربيه صالح بن كيسان بالمدينة، فأجتذبه الخليفة عبد الملك بن مروان إلى الشام وزوجه من ابنته فاطمة، ثم ولاه  خناصرة) وهي بليدة من أعمال حلب وَاغلةٌ في البادية)، فلبث والياً عليها سنتين كانتا من أنعم سني حياته وحياة زوجه. وقد أعجبته خناصرة حتى أنه عندما استخلف اتخذها منزلاً على عادة ملوك بني أمية في إيثارهم سكنى البادية على الحاضرة.


وفي عام 87هـ اختاره الخليفة الوليد بن عبد الملك لولاية المدينة بدلاً من هشام بن إسماعيل المخزومي الذي أساء السيرة في أهلها، ولا شكَّ أن الوليد إنما اختار عمر للمدينة لما يعلم من المشاكلة القوية بينه وبين هذه الولاية، ثم إنه بعد قليل ضم إليه مكة والطائف فأصبح عمر بذلك أميراً على الحجاز كله.
كانت حكومة عمر بن عبد العزيز بالحجاز (87 - 93) حكومة شورية، فلأول قدومه المدينة اصطفى عشرة من العلماء اتخذهم نصحاء ومستشارين يصدر في الأمور عن رأيهم، ثم عكف على إصلاح شؤون الحجاز .


 وغدا الحجاز ينعم بأمن وعافية مما ابتليت به الأمصار الأخرى -ولا سيما العراق- من الفتن والقلاقل، ولذلك أخذت فلول ثوار العراق والخوارج تفد على الحجاز فراراً من وجه الحجاج وسيفه المسلول، فكان ابن عبد العزيز يجيرهم ويحميهم، ثم لم يكتف بذلك فكتب إلى الخليفة الوليد يندد بتعسف الحجاج وبطشه، فاضطغنها الحجاج عليه وكتب إلى الخليفة يشكو من أمير المدينة، وقد نظر الخليفة في الأمر مليّاً، ثم رأى أن يشدَّ أزر الحجاج في هذه الخصومة، فالعراق أخطر من الحجاز والحجاج أولى بالمصانعة من عمر بن عبد العزيز، فصرف عمر عن الحجاز بأميرين أحدهما للمدينة والآخر لمكة. فكان أول ما صنعاه أن أخرجا من الحجاز إلى الحجاج كل عراقي في الجوامع والأغلال، وتوعَّدا كل حجازي أنزل عراقيّاً أو أجَّره داراً.


خرج ابن عبد العزيز من الحجاز إلى الشام مغاضباً للخليفة الوليد، وقد ساءه أن عُزل عن إمارة المدينة حتى قال لمولاه مزاحم وهو ببعض الطريق: أخشى أن أكون ممن تنفيه المدينة - إشارة إلى الحديث الوارد في أن : المدينة تنفي خبثها - فلما حصل بالشام شغل نفسه بالغزو فراراً من وجه الوليد والتماس للأجر والسلوى.


فلما توفي الوليد عام 96 هـ وولي سليمان بن عبد الملك لزمه عمر، وكان أثيراً عنده يستشيره سليمان وينزل على رأيه في كثير من الأمور، على أنَّ عمر نفعه أن عُزل عن الإمارة على النحو المتقدم، فقد دفعه ذلك في السنوات الست التي قضاها بالشام قبل أن يستخلف (93 - 99) إلى النظر في حال الدولة العربية في أواخر القرن الأول الهجري.


عندما حل بسليمان مرض الموت، عهد لعمر بن عبد العزيز بالخلافة من بعده، ولم يكن عمر بن عبد العزيز صاحب حقٍّ في الخلافة بمقتضى نظام الخلافة الأموية، ولكن ذيوع فضله وسموه الروحي على سائر بني أمية لفت إليه نظر أولي الحل والعقد من صلحاء الشام، أمثال رجاء بن حيوة الكندي وابن شهاب الزهري ومكحول الشامي، فلما مرض سليمان بن عبد الملك بمرضه الذي مات فيه ولم يكن له ولد بالغ يعهد إليه، لم يزل به رجاء بن حيوة وأصحابه حتى كتب عهده لعمر بن عبد العزيز، ثم من بعده ليزيد بن عبد الملك. ثم أمر فأخذت البيعة من بني أمية لمن سَمَّى في عهده دون أن يعينه لهم، فلما قُبض سليمان وأُعلن الأمر إلى بني أمية جددوا البيعة لعمر على كرهٍ منهم، صفر سنة99.


وأول أعماله بعد توليه الخلافة، كان وقف الفتوحات والتوسع في أطراف الدولة، مما كان له أكبر الأثر في تأخر فتح القسطنطينية، مع أن مسلمة بن عبد الملك كان على مشارفها آنذاك، لكنه عاد بجيشه بأمر من الخليفة عمر، وكانت وجهة نظره في ذلك بأن تنظيم الأمور الداخلية للدولة، وحفظ دماء المسلمين أولى من توسيع رقعة الدولة الاسلامية.


 فماذا رأى وهو بالشام قبل توليه الخلافة؟


1 ـ رأى إن عدم إنفاق الزكاة في مصارفها الشرعية قد أدَّى إلى كثرة الفقراء والمساكين والمرضى، ثم نظر فرأى بأس الأمة الإسلامية بينها شديد، قد توزعت الفرق المتباغضة والأحزاب المتناحرة.


2 ـ هذا في الداخل أما في الخارج فرأى عمر أن الجهاد الذي شُرع على عهد النبي ﷺ لمنع العدوان على النفس والعقيدة والذي كان على عهد الشيخين ضرورة اقتصادية ملحة قد استحال إلى أداة للتوسع في السلطان وجر المغنم الوافر.


 تقول فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز: (دخلت على عمر، فإذا هو في مصلاه، يده على خده، ودموعه سائلة، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما بك؟! أشيء حدث؟! قال: يا فاطمة! إني تقلدت أمر أمة محمد ﷺ، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد ﷺ، فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكى).


ما بعد توليه الخلافة، كيف بدأ مسيرته؟


1 ـ لقد كان له من زهده، ومناصرة العلماء له، ومؤاتاة أهل بيته: زوجه فاطمة، وابنه عبد الملك، وأخيه سهل، ومولاه مزاحم، أقوى عون على ما أراد، بدأ عمر بمنصب الخلافة ممثلاً فيه فجرَّده من كل مظاهر الأبهة ورده إلى بساطته القديمة، ولا أدل على ذلك من كلام ابن عبد الحكم قال: «ولما دُفن سليمان، وقام عمر بن عبد العزيز قربت إليه المراكب؛ فقال: ما هذه؟ فقالوا: مراكب لم تركب قط يركبها الخليفة أول ما يلي، فتركها وخرج يلتمس بغلته، وقال: يا مزاحم ضمَّ هذه إلى بيت مال المسلمين. ونصبت له سرادقات وحجر لم يجلس فيها أحد قط كانت تضرب للخلفاء، فقال ما هذه؟ فقالوا سرادقات وحجر لم يجلس فيها أحد قط يجلس فيها الخليفة أول ما يلي، قال يا مزاحم ضم هذه إلى أموال المسلمين، ثم ركب بغلته وانصرف .


2 ـ ثم عمد إلى النظام الإقليمي فأصلحه بأن عزل العمال المتشبعين بروح الحجاج، عزل يزيد بن المهلب وحبسه في مال كان للدولة في ذمَّته، ونفى نفراً من بني عقيل أسرة الحجاج، وولى عمالاً جدداً لم يحفل في تخيرهم بعصبياتهم ولا بقدرتهم على جمع الأموال كما كانت الحال من قبل، ولكن بحسن سيرتهم وطهارة ذمتهم، فكان من عماله عدي بن أرطاة الفزاري والي البصرة، وعبد الحميد بن عبد الرحمن القرشي والي الكوفة، وعبد الرحمن بن نعيم القشيري أمير خراسان، وأبو بكر بن حزم أمير المدينة، والسمح بن مالك الخولاني أمير الأندلس، وقد شدَّ أزر الولاة بقضاة عدول، فجعل الحسن البصري على قضاء البصرة، وعامراً الشعبي على قضاء الكوفة كما جعل أبا الزناد كاتباً لأمير الكوفة. ولم يكتف عمر بذلك في إصلاح الإدارة الإقليمية بل تقدم إلى العمال في أمر العقوبات ألَّا يأمروا بقطع أو صلبٍ قبل مراجعته هو أولاً.


3 ـ ثم ثنى عمر بالمسائل المالية: فرد المظالم، والمراد بالمظالم الأموال التي استولى عليها بنو أمية بغير حق، وقد بدأ في ذلك بنفسه فخرج لبيت المال عن كل مال لم يرض سبب تملكه، حتى لم يبق له إلّا عقار يسير ببلاد العرب يغلُّ عليه غلة يسيرة فوق عطائه الذي كان يبلغ مائتي دينار في العام، ثم أخذ يتتبع أموال بني أمية يرد منها ما ليس مشروع الملكية إلى مستحقه، وقد هاج ذلك سخط بني أمية عليه، وذهبوا ينعون عليه أخذه أموالهم باسم المظالم، فلم تلن لغامزهم قناته، وأراهم أنه لا يحجم عن بلوغ الغاية في التنكيل بهم إذا اقتضى الأمر ذلك.


يروي ابن عبد الحكم: أنَّ رجلاً من أهل حمص أتاه يخاصم روح بن الوليد بن عبد الملك في حوانيت بحمص كان الوليد أقطعه إيَّاها، فقال له عمر أردد عليهم حوانيتهم؛ قال له روح: هذا معي بسجل الوليد، قال وما يغني عنك سجل الوليد والحوانيت حوانيتهم، قد قامت لهم البيِّنة عليها؟ خل لهم حوانيتهم. فقام روح والحمصي منصرفين، فتوعد روح الحمصي، فرجع الحمصي إلى عمر، فقال هو والله متوعدي يا أمير المؤمنين، فقال عمر لكعب بن حامد وهو على حرسه: أخرج إلى روح يا كعب، فإن سلم إليه حوانيته فذلك، وإن لم يفعل فأتني برأسه! فخرج بعض من سمع ذلك ممن يعنيه أمر روح بن الوليد فذكر له الذي أمر به عمر، فخلع فؤاده. وخرج إليه كعب وقد سل من السيف شبراً، فقال له: قم فخل له حوانيته! قال نعم! نعم! وخلَّى له حوانيته.


4 ـ وسار عمر في إصلاح الشئون المالية على الأساس الشرعي، فالأموال ينبغي أن تجبى من وجوهها وتنفق في مصارفها الشرعية، فمن أسلم من أهل الذمة سقطت عنه الجزية، وقد أسقط الجزية فعلاً عن كثير من موالي خراسان وأهل مصر، وقال مقالته المشهورة: (إن الله بعث محمداً هادياً، ولم يبعثه جابياً).


ونهى عن أن تصير الأرض الخراجية أرضا عشرية ابتداء من سنة 100 هـ مع عدم التعرض للحقوق التي اكتسبت من قبل، وألغى وظيفة مالية وظفها أخو الحجاج بن يوسف على اليمن فوق الزكاة، ونهى العمال عن اقتضاء أطلاق مالية لم يرد بها الشرع .


كما كان عمر حريصاً على جباية الأموال العامة من مصادرها الصحيحة، وكان حريصاً على أن تنفق في مصارفها الشرعية، أما من حيث أموال الزكاة، فكانت صدقات كل إقليم تقسم على عهده في فقراء أهله، وقد قسم في فقراء البصرة كل إنسان ثلاثة دراهم، وفرض للفقيرات من عوانس النساء، وأعتق كثيراً من الرقاب.


وقد كتب إلى أحد عماله: (أن اعمل خانات في بلادك، فمن مرَّ بك من المسلمين فأقروهم يوماً وليلة، وتعهدوا دوابهم، فمن كانت به علة فأقروه يومين وليلتين. فإن كان منقطعاً به فقووه بما يصل به إلى بلده)، وأمر عماله بقضاء الديون عن الغارمين فكتب إليه بعضهم: (إنا نجد الرجل له المسكن والخادم وله الفرس والأثاث في بيته)، فكتب عمر: (لابد للرجل من المسلمين من مسكن يأوي إليه رأسه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، وأثاث في بيته، فهو غارم فاقضوا عنه)، ولما رأى عمر أن ليس للشعراء حق في بيت المال جعل يجزهم من عطائه وماله الخاص على قلته، بالدراهم والدنانير المعدودة، وقد أدرك الشعراء سبب تحرجه هذا فكانوا يقبلون منه العطاء اليسير أو الرد أحياناً بغير عطاء، ولم يقصروا في مدحه وقدره.


5 ـ على أن أهم ميزة تميز عمر بن عبد العزيز من غيره من الخلفاء إنَّه عمد إلى الأحزاب التي ناوأت الأمويين منذ قام مُلكهم فترضَّاها، وحملها على السلم والمسالمة - أشدهم بأساً الخوارج،  فقد كبح جماحهم عن طريق المجادلة معهم بالحسنى والإقناع بالحجة والبرهان، وأمّا الموالي فقد قطع أسباب شكواهم، بأن أسقط الجزية عنهم، وبأن فرض لمقاتلتهم عطاء، وأما العصبية القبلية من يمنية ومضرية وربعية فقد هدَّأ من حدَّتها، بأن ردع الشعراء الذين كانوا يذكون نارها، وبأن اختار ولاته بالنظر إلى كفايتهم لا إلى قبائلهم.


6 ـ أما من حيث العلاقات الخارجية، فقد سلك عمر بن عبد العزيز في الأمر مسلكاً بدعاً لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، ذلك أنه أقفل جميع الجيوش الإسلامية التي كانت تغزو وراء الحدود، أقفل مسلمة بن عبد الملك وكان مرابطاً حول أسوار قسطنطينية وأعانه على القفول بأموال بعث بها إليه، وأقفل الغزاة بما وراء النهر على كره منهم كما أقفل من كانوا يغزون بالسند.


يروي البلاذري: (أنه لما أقفل الجيوش التي كانت تغزو بما وراء النهر كتب إلى ملوك تلك الجبهة من الترك يدعوهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم، ولما انتقض ملوك السند كتب إليهم يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، قال البلاذري: وقد كانت بلغتهم سيرته ومذهبه فأسلم جيشبة والملوك وتسموا بأسماء العرب) .



7 ـ وهو أول خليفة أمر بجمع أحاديث رسول الله وتدوينها. قال السيوطي:


(أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر محمد بن حزم: أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو سننه - فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وأخرج أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" عن عمر بن عبد العزيز أنَّه كتب إلى الآفاق أن أنظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه ، قال في "فتح الباري": يستفاد من هذا ابتداء تدوين الحديث النبوي) .


وقد عد المجدد الأول في الإسلام، أول من أطلق عليه ذلك، الإمام ابن شهاب الزهري، ثم الإمام أحمد بن حنبل، لحديث المصطفى:


(إن الله يبعث على رأس كل مائة عام لمن يصحح لهذه الأمة دينها) .


وروى عمر بن عبد العزيز الأحاديث الشريفة: عن أبيه، وأنس بن مالك، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. وروى عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن، محمد بن المنكدر، وابناه وعمرو بن مهاجر، والزهري، وغيرهم.


 يخبرنا الطبري قائلاً:


(وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ مصانع وضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه، فإنما يسأل بعضهم بعضاً عن البناء والمصانع، فوَلي سليمان فكان صاحبَ نكاح وطعام، فكان الناس يسأل بعضهم بعضاً عن التزويج والجواري، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل، ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم؟ وما تصوم من الشهر؟ وأصبح الناس وقد شملتهم نعمتا الرضا واليسر)


وفاته:


توفي في 25 رجب سنة 101 ولما يعد التاسعة والثلاثين من عمره، وقد دفن بدير سمعان قريباً من دمشق.


 ويطلعنا الحموي في معجم البلدان، أنه دفن في دير سمعان بنواحي دمشق، وأن صاحب الدير قد دخل عليه في مرضه الذي مات فيه، فسأله عمر بن عبد العزيز إني أحب أن تبيعني موضع قبر لسنة، فإذا حال الحول فانتفع به، فبكى الديراني وباعه فدفن فيه.


فلما نزل به الموت قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: إلهي أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم قال: إني لأرى حضوراً ما هم بأنس ولا جن - وقال لأهله - اخرجوا عني، فخرجوا وجلسوا عند الباب، فسمعوه يقول: مرحباً بهذه الوجوه ثم تلا قول الله تعالى:


﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ثم هدأ الصوت فدخلوا عليه فإذا هو قد مات وقد غمض عينيه، ووجه إلى القبلة، رحمه الله رحمة واسعة.


فعندما بلغ ملك الروم أمر وفاته، جمع حاشيته، وقال لهم: "إن ملك العرب الرجل الصالح قد مات".


واتفق العلماء بأن الزاهد هو عمر بن عبد العزيز، الذي أتته الدنيا فتركها، وأجمع العلماء باتفاق أنه خامس الخلفاء الراشدين، ومما قالوا عنه: مات عمر بن عبد العزيز حين مات وما يزداد عاماً بعد عام إلا فضلاً .


واتفق المؤرخون على أنه من أئمة زمانه، وصفه الحافظ الذهبي، فكان مما قال عنه: "كان ثقةً مأموناً، له فقه وعلم وورع، وروى حديثاً كثيراً، وكان إمام عدلٍ، رحمه الله ورضي عنه"


  • رؤياه المتعددة للنبي ﷺ، رأه يقول له: إنك ستلي أمر أمتي فرغ عن الدم، فإن اسمك في الناس عمر بن عبد العزيز، واسمك عند الله جابر.

ورآه يقول له: ادن يا عمر، ثم قال: ادن ياعمر، ثم قال: ادن يا عمر، حتى كدت أصيبه، ثم قال: يا عمر إذا وليت فاعمل في ولايتك نحواً من عمل هذين، وإذا كهلان قد اكتنفاه، قلت: من هذان؟ قال: هذا أبو بكر، وهذا عمر.


من أقواله لعماله:

ـ إذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله تعالى عليك، ونفاذ ما تأتي إليهم، وبقاء ما يأتون إليك.


ـ اتق الله، فإن التقوى هي التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثاب إلا عليها، وإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل.


ـ فاتق الله فيمن وليت أمره، ولا تأمن من مكره في تأخير عقوبته، فإنما تعجل بالعقوبة من يخاف الفوت.


ـ من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.


ـ اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإنه إن كان لأحدكم رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأتيه.


وكان لا يعاقب الرجل إلا بعد ثلاث أيام كراهية أن يعجل في أول غضبه.


وقد كان لا يجف فوه من:


أيقظان أنت اليوم؟ أم أنت نائم

و كيف يطيق النوم حيران هائم

نهارك يا مغرور سهو وغفلة

وليلك نوم، والردى لك لازم


 


 رحم الله عمر بن عبد العزيز، كم ألهب قلبي الخوف الشديد من الله، فهم أقوام إذا تأملت سيرهم بين السطور، يصير قلبي لله يخفق، فكيف بنا حين نصير بين الثرى.


فأكثروا من قراءة سير الصالحين الكبار الذين جعلوا شعارهم ومنهجهم، سيرة المصطفى ﷺ ، لربما إن تشبهنا بهم  فننسج على منوالهم، في جعل التقوى لنا عنوان فنفوز عندها.


 المصادر و المراجع:


ـ تاريخ دمشق / ابن عساكر.


ـ معجم البلدان / الحموي.


ـ شذرات الذهب / ابن العماد.


ـ الحوليات الأثرية / مديرية الآثار و المتاحف.