مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 05/08/2020

نحو بيوت مباركة هانئة

مقالات

قد تلج بيتاً من البيوت، ما إن يستقر بك المقام فيه حتى تسري في كيانك راحةٌ نفسية لا تدري مصدرَها، تنتعش روحُك ويستكين قلبُك، وتشعر أنك في واحة فسيحة وسيعة مهما ضاقت فسحة البيت وتقاربت منه الجدران، ولربما كان البيت عبارة عن حجيرات ضمن أحد الأقبية حيث لا يسري إليها ضوء الشمس ولا نور القمر، إلا أنك تستشعر نوراً وأنساً انعكس على فؤادك عندما حللت فيها.


تقلب الطرف في أهل البيت فتجدهم - رغم بساطتهم وفقرهم - متآنسين متحابين متوادين، قد عمت حياتَهم الأنسُ والبركة. يتقلبون بحال من الرضا والتسليم بما قد قدره الله وقضاه مع ما فيهم من أمراض مزمنة وأوجاع مستديمة مع قلة ذات اليد، فيَسْري إلى فؤادك ما يُسَرِّي عنك من متاعب الدنيا وأحزانها، فتشعر بالرضا بعد ضجر، وبالأُنس بعد تأفف. وإذا ما تناولت من طعامهم شيئاً تستشعر هناء ما زلت تستذكر مذاقه، رغم بساطته وقلته. لسان حالهم يكرر على مسمع قلبك ما قاله سيدي ابراهيم بن أدهم: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف".


ثم تلج بيتاً آخر ما إن يستقر بك المقام فيه حتى تشعر بشيء ما يأخذ منك بالخناق؛ على الرغم من اتساع مساحته وبعد ما بين أركانه من مسافات، تتناول من الطعام فيه ما يلذ لك، فتعقبه غصةٌ وثقلٌ في معدتك تتقلب فيهما طوال ليلتك، ولو كشفت لك حقيقة العلاقة بين أفراد البيت لوجدتها قائمة على الكراهية والبغضاء، قد تنافرت مما بينهم القلوب، فغدا البيتُ الفاره محط شؤم ونكد لأهله، إذ لا يرى الزوج سعادة مع زوجته، ولا يجد الابن تفاهماً مع والده، ولا ترى البنت إلا البؤس في بيتها الباذخ .. وما قيمة الأموال المكنوزة والبيوت الفارهة والمركبات الوثيرة مع الاكتئاب والقلق والشقاء؟!. وأنّى للمال أن يجلب لسكان البيت سعادتهم المفقودة.


إنها حقيقة متغايرة ستلمسها إن أتيح لك التنقل بين بيوت المسلمين .. ولا أدعي بأن السعادة مفقودة من بيوت الأغنياء، وموفورة في بيوت الفقراء، حاشا، وإنما المقصود من هذه المقدمة تنبيه القارئ إلى أن السعادة لا تقاس بكثرة المال، ولا تستجلب بالعيش في القصور. وإنما تقاس بمدى راحة البال وانشراح الصدور.


وليس المهم كشف ما أرخى الله تعالى عليه ظلال ستره، إنما المهم أن نتعرف على سر استجلاب أسباب السعادة والبركة إلى بيوتنا، ومن ثَم أن نسعى للمحافظة عليها.


إن سبل استجلاب أسباب السعادة كثيرة متنوعة، هي جملة واجبات شرعية وآداب نبوية ينبغي أن نسعى للمواظبة عليها. فما هي أبرز هذه السبل؟


إن أول سبيل ينبغي اتخاذه لاستجلاب السعادة هو أن تستهل دخول البيت بالتسمية أو بشي من ذكر الله عز وجل، لأن التسمية تمنع الشيطان وأعوانه أن يلج البيت. فقد روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل ولم يذكر اسم الله تعالى قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء". وهذا يقتضي المواظبةَ على الأذكار المأثورة عند الدخول للبيت والخروج منه، وعند البدء بالأكل والانتهاء منه، عند الخلود للنوم والاستيقاظ منه، عند الدخول للخلاء والخروج منه. واعلم أن الشيطان لن يفوت - إن أفلح في الولوج - فرصة التحريش بين أهل البيت، إذ يثير أسباب الوقيعة والمشكلات.


- ثم إن من أهم أسباب استجلاب السعادة وانشراح الصدر الإكثارَ من تلاوة القرآن، وخاصة سورة البقرة، كما ينبغي أن يكون للبيت حظ من صلاتك وعباداتك، وخاصة النوافل، فقد روى مسلم أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». قال الشراح: لا تجعلوا بيوتكم خاليةً عن الذِّكر والطَّاعة فيكون حالكم في بيوتكم كحال الموتى في قبورهم لا حَظَّ فيها من الذِّكر وقراءة القرآن والصَّلاة. ويشهد له قوله ﷺ: «مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، والبَيْتِ لا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، مَثَلُ الحَيِّ والميِّت".


- ومن أسباب استجلاب السعادة إلى البيت أيضاً عمارته بذكر الله عز وجل، ولذكر الله أشكال متنوعة، وليس المقصود أن تمسك السبحة وتأتي بأورادك فيه فحسب، وإنما عين الذكر أن تجتمع مع أهل بيتك فتتحلق معهم على ذكر الله عز وجل ولو سويعة في الأسبوع.


عندما تجتمعون على هذا الأمر الشريف، ستتكاثر الملائكة وسيتحلقون معكم وسيحفون بكم، وستحل عليكم من التجليات ما الله عز وجل به أعلم. ألم تسمعوا قول النبي ﷺ فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض، فإذا وجدوا أقواماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى بغيتكم، فيجيئون فيحفون بهم إلى السماء الدنيا فيقول الله على أي شيء تركتم عبادي يصنعون. فيقولون: تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك. قال: فيقول فهل رأوني؟ فيقولون: لا. قال: فيقول فكيف لو رأوني؟ قال: فيقولون لو رأوك لكانوا أشد تحميدا وأشد تمجيدا وأشد لك ذكرا. قال: فيقول وأي شيء يطلبون؟ قال: فيقولون يطلبون الجنة. قال: فيقول وهل رأوها؟ قال فيقولون لا. قال: فيقول فكيف لو رأوها؟ قال: فيقولون لو رأوها لكانوا أشد لها طلبا وأشد عليها حرصا. قال فيقول فمن أي شيء يتعوذون؟ قالوا: يتعوذون من النار قال: فيقول هل رأوها؟ فيقولون: لا. فيقول فكيف لو رأوها؟ فيقولون لو رأوها لكانوا أشد منها هربا وأشد منها خوفا وأشد منها تعوذا. قال: فيقول فإني أشهدكم أني قد غفرت لهم. فيقولون إن فيهم فلانا الخطاء لم يردهم إنما جاءهم لحاجة فيقول هم القوم لا يشقى لهم جليس".


هذه هي أبرز أسباب تحصيل العيش الهني، لكن أموراً تقف حجر عثرة في وجه استجلاب الأنس والبركة والهناء أن تحل في بيوتكم، حتى وإن اتخذتم الأسباب لها. فما هي أبرز الموانع التي تحول دونَ العيش الهني؟


إن الحديث عن موانع السعادة والهناء حديثٌ طويلُ الذيل متشعبُ الأركان، لكني سأحاول أن ألملم جوانبَه جهد الإمكان:


بداية ينبغي أن نضع نصب أعيننا قراراً، بل سنة من سنن الله عز وجل، هي قوله سبحانه: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا". وقلةٌ من الخلق من يتنبه لهذه السنة الربانية ويربط أسباب النكد والضنك التي يتقلب فيها بإعراضه عن ذكر الله عز وجل. وإذا علمنا أن ذكر الله عز وجل من أهم أسباب السعادة والهناء، فلنعم أن الإعراض عن ذكر الله من أسباب تلاشيها، والنتيجة التي سيؤول إليها حال البيت هي ما قرره الباري من تقلب في حياة مضنية ومتعبة.


كما أن من أهم الأمور التي تحيل الهناء إلى عناء، وتجعل البركة والأنس أثراً بعد عين:


- التورط في أكل المال الحرام، والمال الحرام هو ما يقتطعه الإنسان مِن مال الغير بلا وجه حق. والإنسان الذي اتخذ الأسباب الرضية لاستجلاب السعادة إلى بيته، لا يستقيم منه أن يتورط بعد ذلك فيزهق مسعاه بأكل مال حرام، وللمال الحرام أشكال كثيرة. أموال الربا، ما أخذ على سبيل الرشوة، ما أخذ بسيف الحياء، ما يكتسب عبر نصب أو احتيال أو غش أو استغلال .. وحدِّث ولا حرج عن سبل وصول المال الحرام إلى الجيوب.


والذي يطعم أهله مالاً حراماً لن يجد السعادة والهناء في بيته، بل سيشقى ويشقي أهله بهذا المال، إذ يُغلف قلبُ من اعتاد أكل الحرام بالران فلا يكترث بالمحرَّمات، ويزين الشيطان له سوء عمله فيراه حسناً، ناهيك عما ينخر جسده من أمراض حسية ومعنوية؛ مشكلات وغصص في الحياة، ثم عقاب أليم بعد الممات، ولن يُرفع له دعاءٌ إلى السماء، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر فيما صح عنه: "الرجلَ يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبَرَ، يمُدُّ يديه إلى السماءِ: يا ربُ .. يا ربُ، ومطعمُه حرامٌ، ومَشرَبُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغذي بالحرام، فأنى يُستجَابُ له؟".


- ومن أسباب تلاشي البركة وجودُ كلب في البيت، وهي ظاهرة مرضية أصابت بعض المسلمين، إذ سرت إليهم العدوى من غير المسلمين، ولا تستقيم هذه الظاهرة شرعاً ولا عقلاً من أناس يواظبون على صلاتهم ويعتزون بطهارتهم.


- كما أن من أسباب تلاشي البركة وجودَ صور وتماثيل. والصور التي تمنع دخول ملائكة الرحمة هي التي تجسد ذوات الأرواح بشكلها الكامل (إنساناً كان أم حيواناً)، سواء أكانت هذه الصورة ثابتة في مكان غير ممتهن، أم كانت على شكل تمثال مجسم، فقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم: "لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ". وفي رواية أبي داود والنسائي: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ». قال النووي عند شرح الحديث "الْمَلَائِكَة الَّذِينَ لَا يَدْخُلُونَ البيت هُمْ مَلَائِكَة يَطُوفُونَ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّبْرِيك وَالِاسْتِغْفَار، أَمَّا الملائكة الْحَفَظَة فَيَدْخُلُونَ فِي كُلّ بَيْت، وَلَا يُفَارِقُونَ بَنِي آدَم فِي كُلّ حَال، لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالهمْ، وَكِتَابَتهَا".


- ومما يبدد السعادة أيضاً، ما استسهله كثير من المسلمين من إطلاق العنان للعيون والآذان لما يبث عبر الشاشات من ترهات وعورات دون تورع ولا مبالاة، وإذا علمنا ما يحدثه التحلق لذكر الله من استجلاب للبركات وتنزل للرحمات. فما الذي سيخلفه التحلق حول شاشة ينهل منها أهل البيت دون تمييز بين حلال وحرام، وما فائدة ذكر الله عز وجل والتسمية عند الدخول إلى البيت بعد أن هيأنا للشيطان المناخ المناسب ليعشش ويفرخ ضمن البيت، إذ نعكف في كل أمسية مع الأولاد والبنات على النظر إلى الحاسرات والمتهتكات؟!.


- ومن أسباب التعاسة أخيراً ما يحصل من مناحرات وخصومات ما بين الأرحام في الأسرة الواحدة، أو ما بين الأقران والجيران، فتترجم هذه التوترات فيما يتورط به أهل البيت من لغو محرم؛ من غيبة ونميمة وشتيمة وسخرية، ولا تجد فيهم عاقلاً ينصح ولا لبيباً ينصف، ينفسّون عما يعتلج في صدورهم من ضغائن وأحقاد بالنيل من الأعراض .. ثم بعد ذلك يبحثون عن راحة البال وانشراح الصدر فلا يجدون. وأنّا للسعادة أن تجد سبيلها إلى قلوب أناس هذه حالهم!. إنما السعادة لمن صفت سرائرهم، وسلمت قلوبهم.


هذه هي أبرز الموانع التي تحول دون السعادة والهناء أن تحل في بيوتكم .. فتعالوا بنا لنتخذ مما استعرضناه نبراساً ومنهجاً في الحياة، نعمر بيوتنا بأسباب استجلاب السعادة والخير والبركة، بعد أن نتحاشى الموانع ونتنزه عن الآفات.

تحميل