مميز
الكاتب: محمود رمضان البوطي
التاريخ:

ملامح في منهج العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

بحوث ودراسات

خلاصة عن النشأة التي لعبت دوراً في المنهج



مما لا شك فيه أن خدمة الإسلام مهمة جليلة، يصطفي الله عز وجل لها من شاء من عباده، فيهيئه لشرف الوراثة المحمدية، وأعظم بها من وراثة. وباستعراض مراحل حياة العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى - منذ نعومة أظفاره إلى يوم استشهاده - نلاحظ التوفيق الذي رافقه في حياته بما هيأه الله عز وجل له من أسباب صقلت شخصيته العلمية الربانية.
وعند إلقاء نظرة شاملة على منهجه الذي قامت عليه شخصيته هذه، نجد أن هذا المنهج يدور على محور أساسي كان له بمثابة الشغل الشاغل، والمحور هو خدمة هذ الدين من خلال بناء العقول، وإحياء القلوب، وبث الوعي، والتحذير من المكائد. ثم عن هذا المحور تتفرع أشكال متنوعة من النشاطات والأعمال التي نهض بها واستمرت آثارها بعد وفاته.


ومنذ شب عن الطوق جند نفسه للعمل في سبيل خدمة هذا الدين؛ إذ جعل من نفسه حصناً منيعاً، ووظف ما آتاه الله عز وجل من رسوخ في العلم في سبيل هذه المهمة الجليلة. لقد بنى نشاطه الدعوي والفكري على قاعدة علمية راسخة وشفافية وجدانية متميزة صقلت شخصيته، وأضفت عليها مسحة من الهيبة التي عرف بها في حياته. وما كان له أن يفلح لولا المقومات التي وفقه الله تعالى إليها منذ نعومة أظفاره ..


فالرسوخ العلمي الذي شب عليه لعب دوراً هاماً في صقل شخصيته العلمية؛ فمنذ نعومة أظفاره تتلمذ على يد والده العالم الجليل ملا رمضان البوطي، فتلقى عليه مبادئ العقيدة الإسلامية، وسيرة سيدنا رسول الله r، ثم مبادئ علوم الآلة من نحو وصرف ومنطق. وحفظ ألفية ابن مالك في النحو. ومتنَ العمريطي في الفقه الشافعي. كما تتلمذ على يد الشيخ حسن حبنكه فتمكن من علمي النحو والبلاغة، وحفظ عليه عقودَ الجمان للسيوطي، كما درس كتباً في المنطق، والمقولات العشر في الفلسفة، ودرس عليه شرح جمع الجوامع في الأصول. ثم بعد هذا التلقي الراسخ في حلقات العلم .. وجهه الله عز وجل للتحصيل الأكاديمي، فحصل على الإجازة من كلية الشريعة بالأزهر عام 1955، ثم حصل على دبلوم التربية عام 1956. ثم عيّن معيداً في كلية الشريعة بجامعة دمشق، وأوفد لمتابعة دراسته في القاهرة، فنال درجة الدكتوراه من الأزهر بدرجة شرف بموضوع ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية.


وبالتالي جمع الله في صدره نفائس العلوم التي لم تجمع لغيره، فاختصاصه الأكاديمي في علم أصول الفقه، لكنه برع في اللغة حتى فاق الأدباء والبلغاء والفصحاء، وتألق في الفلسفة والمنطق وعلم المناظرة حتى جاز القنطرة، مع رسوخ في الفقه وعلوم القرآن والسنة ...


وقلمه السيال ما كان ليتألق لولا القاعدة الأدبية المتينة التي برزت في شخصيته منذ شبابه - بعد رسوخ شخصيته العلمية، إذ كان مولعاً بقراءة الكتب الأدبية لأدباء معاصرين وغابرين من أمثال: مصطفى صادق الرافعي، والجاحظ، والمنفلوطي، والمازني، حتى غدا جديراً بحمل لقب الأديب وله من العمر ثلاثة وعشرون عاماً. وما يجدر ذكره – مما صقل شخصيته الأدبية – أنه كان مكثراً من قراءة كتاب الله عز وجل في تلك الفترة، فقد كان يختم كتاب الله تلاوةً في كل ثلاثة أيام.


وقد تألق وعيه لما يحاك للأمة من مؤامرات نتيجة همٍّ حمله على عاتقه وغدا يتقلب في غماره، فمنذ نشأته الأولى وظف نفسه جندياً في خدمة الدعوة إلى الله عز وجل والذود عن حياض الإسلام. ولعل ما يبرز هذا الجانب في سن مبكرة من حياته كتابه تجربة التربية الإسلامية الذي ألفه وله من العمر تسعة وعشرون عاماً، والمتصفح لهذا الكتاب يدرك مدى سعة اطلاعه على المكائد مما ينشر في شرق العالم وغربه ضد هذا الدين، في وقت لم يكن العالَم يعرف فيه تقنية انترنت ولا محرك البحث، وأشد ما يلفت نظر القارئ في هذا الكتاب مدى حرصه على انتهاز الفرص؛ إذ دخل في تجربة تدريس طلاب المدارس الثانوية العامة - كمدرس لمادة التربية الإسلامية - فترة وجيزة، فخرج منها بفوائد فريدة ما وقعت على مثلها ممن أمضوا حياتهم في مثل هذه المهمة.


بهذه الخلاصة ندرك أن تتلمذه المشيخي ما كان ليتعارض مع تكوينه الأكاديمي، كما ندرك أن شخصيته الدعوية ما كانت لتشغله عن تصيد المكائد ووأدها عبر أبرز المجالات الدعوية المتاحة، من دروس علمية مسجدية وجامعية ورحلات دعوية ومؤلفات ثرة ملأت أرجاء المعمورة علماً وفهماً ووعياً.






جوانب  المنهج الفكري للعلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي


تشكل المنهج الفكري عند العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي من خلال تلاقح جانبين في شخصيته، كانا له بمثابة جناحين، لم يكن لينجح في التحليق في ميدان الدعوة إلى الله عز وجل لولا اعتماده عليهما.
الجانب الأول:  هو الجانب العلمي .. وقد تحدثت عن مقومات رسوخ هذا الجانب في المقدمة .. وهو الجانب المنظور من شخصيته الذي يدركه كل من عرفه عن قرب وعن بعد، سواء في المسجد أو الجامعة أو على شاشات التلفاز أو في المحافل الدولية.


صحيح أنه كان في نظر الكثيرين إنساناً أكاديمياً متعمقاً؛ يدرّس طلاب الجامعة مواد أصيلة كـ (العقيدة وأصول الفقه والفقه المقارن والسيرة النبوية)، وفي ذات الوقت فرغ شيئاً من وقته لطلابه في المسجد، لكن عند تتبع الآثار التي تركتها شخصيته المنظورة هذه ترى شيئاً يتجاوز هذه النظرة السطحية، فقد لعبت هذه الشخصية الأكاديمية دوراً هاماً في بث الوعي وتحصين العقول في أوقات عصيبة وأيام حالكة، فقد كان الحصن الذي تهاوت عنده هجمات عرفتها سورية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، واجه بطريقته الفريدة هجمات ومكائد متنوعة. منها: الوهابية، والتيارات الإلحادية، وحملات التشكيك، ودعوات تطوير وتغيير استهدفت الثوابت التي قام عليها الدين الإسلامي .. والمتتبع المنصف لا ينكر جهوده التي آتت أكلها في تلك الحقبة، وحجمت هذه التيارات والهجمات، حتى جعلت الكثير منها أثراً بعد عين. كان كلما استشعر رائحة مكيدة أو لاحظ حبائلها جند نفسه للتصدي لها سواء في دروسه التي استقطبت الكثيرين آنذاك، أو في مؤلفاته التي كان الناس سرعان ما يتلقفونها من الأسواق، كما أنه لا يتوانى عن طرق أبواب المعنيين في سبيل الوقوف في وجه هذه المكيدة، من مسؤولين وغيرهم.


فعلى سبيل المثال، عندما ظهرت نشاطات وحملات مشبوهة لم تعهدها الساحة الإسلامية في الشام؛ تدعو إلى اللامذهبية، وتغرس بذور فكر لا يقيم للأئمة اعتباراً، وتطأ على ميراث فقهي ضخم خلفه أئمة أعلام بحجة محاربة البدع، متسلقين أو متكئين على كلمة (السلف) .. شن العلامة البوطي معركته الهادئة على جبهات متعددة، فقد تصدى لهذا الفكر من خلال تدريسه لمادة تاريخ التشريع الإسلامي في مسجد دنكز أولاً، ثم أعاد الكرة في مسجد الإيمان مرة أخرى، وكان هذا رده العملي على دعاة اللامذهبية، وفي ذات الوقت استل قلمه السيال المرتكز على قدرته الأدبية العالية، ووظفه سنداً لرده العملي من خلال تأليفه لكتاب (اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية)، ثم أتبعه بكتاب (السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامية)، والكتابان كانا الفيصل في القضاء على أحلام تلك الحملات ..  


ومن أمثلة ذلك أيضاً: تصديه لتيارات الإلحاد من خلال تدريسه لمادة العقيدة الإسلامية عبر كتابه كبرى اليقينيات الكونية أولاً، وتأليفه كتاب العقيدة الإسلامية والتيارات المعاصرة ثانياً، والذي دأب على تدريسه لطلاب كلية الشريعة سنوات طويلة، وما كان تأليفه لكتاب نقض أوهام المادية الجدلية إلا الجبهة الرديفة للجبهة المسجدية، فكانت هاتان الجبهتان بمثابة الحصن المنيع للمجتمع والمصل الواقي للعقول من أن تنالها أوهام هذه الضلالات الإلحادية ..


وهناك أمثلة أخرى تتجلى للمتتبع عند اطلاعه على العديد من كتبه ككتاب: لا يأتيه الباطل، وكتاب يغالطونك إذ يقولون .. وكلاهما قد درسهما في المسجد. وكان قد ألف من قبل كتباً أخرى ككتاب دفاع عن الإسلام والتاريخ، والمذهب الاقتصادي بين الشيوعية والإسلام، اللذان ألفهما في بداية حياته العلمية في ستينيات القرن الماضي رداً على شبهات وحملات من هذا القبيل.


فمن خلال العمل على الجبهة الدعوية في المسجد والجبهة الموازية في المؤلفات – لمن لا يتاح له الحضور في المسجد عادة - ندرك منهجه في هذا الجانب العلمي.


والسر في الأثر العظيم الذي لم ير لغيره في تلك الحقبة، هو الجانب الثاني من شخصيته، ولولا هذا الجانب الخفي - الذي كان بمثابة السند والجذر للجانب العلمي - لما أفلح فيما أفلح فيه من خدمة جليلة للأمة الإسلامية جمعاء ...


الجانب الثاني: وهو الجانب الوجداني. وهو جانب خفي على كثيرين، لأنه ستر بمباحث العلم ومصطلحاته، ولا يدركه إلا ذائق. وللاطلاع على حقيقة هذا الجانب، لا بد من تسليط الضوء على العوامل التي بنت هذا الجانب من شخصيته، ويرتكز هذا الجانب على ثلاثة عوامل: 


العامل الأول: وهو محبة الصالحين والتواضع لهم والتأدبِ معهم والتردد عليهم، سواء أكانوا من الأحياء عبر الزيارات المتبادلة، أو المنتقلين عبر تردده لزيارة قبورهم والتأدب في حضرتهم. وهو حال فخيم سرى إليه من حال والده واطلاعه على علاقته مع الصالحين، وكان لا يتوانى عن انتهاز الفرصة – رغم ضيق وقته – ليتخذ لقلبه زاداً من هذا الجانب الوجداني عبر مجالستهم وطلب الدعاء منهم إن كانوا من الأحياء، والدخول على الله من بابهم والدعاء عندهم إن كانوا من المنتقلين.


ويتصل بهذا الجانب أمر على غاية من الأهمية يفتقده الكثير من الدعاة اليوم، وهو حسن ظنه بعباد الله جميعاً، واعتقاده الصلاح بهم، إذ اتخذ من مقولة: (كل من رأيت فالخضر اعتقد) دستوراً في علاقته مع عباد الله، بل إنه يجرد نفسه عن كل علم وحول وفهم في كل مرة يدخل ليلقي درساً، ويدخل على الله U من باب الحاضرين، متوسلاً بصلاحهم أن يفتح الله عليه ويلهمه الخير.


العامل الثاني: كان كثير التبتل بالأسحار، كثير التضّرع، مكثراً من تلاوة كتاب الله، فكم وكم كان يمضي الهزيع الأخير من الليل باكياً يتردد صدى نشيج بكائه في جنبات بيته، يجأر إلى الله تعالى أن يستعمله في خدمة دينه وأن يلهمه الخير في أقواله وأفعاله ومؤلفاته.


العامل الثالث: وهو أساس لا يمكن تحصيله عبر التلقي، وإنما يتم تحصيله من خلال ملازمة القدوة الصالحة والمرجعية الرشيدة، وقد توافر له هذا الجانب بوجوده تحت أنظار والده المعمّر الشيخ ملا رمضان البوطي رحمه الله تعالى، فلم يكن ليتخذ قراراً أو يخطو خطوة إلا بعد مشاورة مرجعيته الأولى في حياته، ووجود المرجعية في حياة الداعية سر من أسرار نجاحه، فكيف إذا كان هذا المرجعية من العلماء الربانيين.


هذه العوامل الثلاثة انعكست على دروسه وكتبه، فآتت ثمراتها في عباد الله. وهذا الجانب لم يدركه إلا من عاشره عن قرب أو واظب على دروسه أو استعرض مؤلفاته بعمق، هذا الجانب هو السر في رقة قلبه، إذ تأخذه العبرة عند ذكر محبة الله عزّ وجل الذي دأب على مناجاته في الأسحار، أو عند ذكر الصالحين الذي تربطه بهم علاقة خفية وطيدة، أو عند استعراض المشاهد المؤثرة من سيرة سيدنا رسول الله e، مع رصانة في العلم وشدة في الأسلوب وقوة في الحجة والمنطق، فلم تكن صعوبة المصطلحات العلمية وما تفعله عادة في الفكر من عمق ورسوخ وشدة في الأسلوب لتحجب قلبه عن هذا الجانب الوجداني. والمتتبع لشريط حياته - كما أن المتمعن في دروسه وخطبه ومؤلفاته - سيلحظ ذلك.


ثم إن هذين الجانبين توجا بجوانب أخرى متممة كانت له بمثابة عوامل نجاح مسيرته العلمية والدعوية. والجوانب المتممة للجانب العلمي والجانب الوجداني تتمثل بجانبين، الأول منهجي والآخر تنظيمي.


الجانب الثالث: وهو الجانب المنهجي. ومنهجه الذي مضى عليه طيلة حياته بني على منهجية تفرد بها والده رحمه الله تعالى. وينبني هذا المنهج على عدة دساتير. هذه الدساتير تجلت في مظاهر عدة. أبرزها:


لا يسمح لأحد أن يقف له إن دخل المسجد، ويمتعض من وقوف الناس له في المحافل، وكم كان يترجم هذا الامتعاض إلى نهي وزجر، كما لا يسمح بتقبيل يده، لأن هذه الأمور وأمثالها لا بد وأن تشوش على التجرد الذي امتاز به الجانب الوجداني من شخصيته.


لم يطمح إلى تأسيس مؤسسة، بل يستعفي جهد إمكانه من الأعمال الإدارية التي تشغله عن المهمة التي كان قد حملها على عاتقه في الدعوة إلى الله U.


كما لم يسع لتشكيل جماعة ولا فئة، بل مضى على المبدأ الذي رسمه له والده. مبدأ: (كل المسلمين جماعتنا ونحن من جماعة كل المسلمين). ولذا كان يكرر كلما دعت المناسبة بأنه ليس له طلاب خواص يمكن لهم أن يدعو بأنهم من مريدي الشيخ البوطي، لأن درسَه عام لا حجر على من يحضر ولا حرج على من يعرض، وليس له درس اختص به أناساً دون آخرين.


كما أنه كان يعارض بشدة فكرة الأحزاب الإسلامية، لأن الإسلام هو المعصم الذي يجمع كل الأحزاب. والأسباب التي دعته لرفض فكرة وجود أحزاب إسلامية تتمثل في ثلاث:


السبب الأول: يقول: (عندما أشكل حزباً إسلامياً، سأقع بما وقع فيه الآخرون، لأني عندما أسمع مدح أعضاء حزبي وجماعتي لي وأرى ولاءهم – وأنا بشر - فستعلو علاقتي مع أعضاء جماعتي على علاقتي مع بقية الجماعات والأحزاب، وستصبح علاقتي معهم بديلاً عن قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) إذاً فكيف سألقى الله وأنا على هذه الحال؟ مع أنه ربما يكون في الأحزاب الأخرى من كانت علاقته مع الله عز وجل أفضل من علاقة أعضاء الحزب الذي انتمي إليه مع الله عز وجل).


السبب الثاني: وجود سياسيين حرفيين يطمحون للوصول إلى أمانيهم ومطامعهم السياسية من أقصر طريق، هؤلاء سيتخذون الحزب الإسلامي سوقاً رائجاً، ولن يتوانوا عن إطلاق اللحى والتظاهر بالتزامهم الإسلامي، ويقول: (سيغدو ظهري مطية لهؤلاء الناس، وعندما يصلون إلى الحكم لن يتعرفوا علي، وما من حزب إسلامي إلى وفيه ممن انتموا إلى هذا الحزب لكونه طريقاً معبداً إلى أمانيهم).


السبب الثالث: لأن النشاط السياسي يعطل العمل الدعوي، يقول رحمه الله تعالى: (عندما أقوم بعمل سياسي سأكون عاجزاً عن إقناع الحاكم والمسؤولين بأني أنصحهم لله، لأن الحاكم يجدني أسابقه بعمله وبهدفه، بل يرى أني طامع في كرسيه)


ومن هذا الباب كان يرفض النشاطات الإسلامية الحركية، بل اتخذ لنفسه بديلاً عنه لم يرق للكثيرين، وهذا البديل ترجمه في كتابه: (باطن الإثم)


الجانب الرابع: وهو الجانب التنظيمي. وهو سر من أسرار نجاح مسيرته العلمية والدعوية، ويتجلى هذا الجانب بمظهرين، دقة وتنظيم برنامج عمله اليومي والأسبوعي، والثبات على ما قد ألزم نفسه به، فكثيراً ما كان يكرر. القاعدة القائلة: (قليل دائم خير من كثير منقطع)، وهي مستقاة من حديث رسول الله e: "المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى"، فلم يكن ليكلف نفسه إرهاقاً ولا شططاً، سواء أكان ذلك من الناحية العلمية وتفرغه للقراءة والتدريس والتأليف، أم من الناحية السلوكية، من حيث التزام الأوراد المتنوعة، من قراءة كتاب الله والأذكار والأوراد التي كان قد ألزم نفسه بها.


 






الخطوط العريضة في منهج العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي  


من خلال ما سبق نعلم أنه رحمه الله كان يعمل على عدة جبهات، كل جبهة لا تقل أهمية عن الجبهة الأخرى، هذا الشرف الذي ميزه الله U به، هيأه لأن يغدو في فترة من الفترات الوجهة الأولى لكثير من علماء وشيوخ الشام، يرجعون إلى رأيه ونصحه وتوجيهاته في المشكلات والملمات، وقد أقر الكثيرون بالفراغ الكبير الذي تركه بعد استشهاده، والذي يعجز عن ملئه أحد.
وفي سبيل الوصول إلى الخطوط العريضة للاستفادة من هذا المنهج، لا بد من تحري أبرز مفاصل حياته العلمية. ولعل أبرز هذه المفاصل يتمثل في: كتبه، ودروسه، وخطبه، ومناظراته، ورحلاته الدعوية، وعلاقته الاجتماعية وخاصة مع ولاة الأمر.


ففي التأليف: 


يمكن تقسيم منهجه الفكري في التأليف إلى ثلاثة أطوار نسبياً. طور المؤلف الأديب، وطور المؤلف المفكر الداعية، وطور المؤلف السالك. وأقول: نسبياً، لأن الكتابات الأدبية والفكرية لا تخلو من لمسات في التزكية والرقائق، كما أن كتاباته الفكرية والأدبية لا تخلو من نفحات وجدانية.. إلخ


الطور الأول: المؤلف الأديب. ويتمثل هذا الطور في كتبه الأدبية التي ظهرت في مجملها في مقتبل عمره، ولعل السبب في ذلك قرب عهده بعكوفه على كتب الأدب، ورغم إفراده لمؤلفات كان جانبها الأدبي هو الغالب - ويتمثل هذا في قصة مموزين وقصة سيامند ومقالته الأولى أمام المرآة التي لا يجد المدقق فيها أي فرق بين أسلوبه وأسلوب الرافعي في كتابه وحي القلم – إلا أن المسحة الأدبية سمة تتميز بها كل كتاباته. وفي هذا الطور أيضاً قام بتوظيف القدرة الأدبية في حل بعض المشكلات الاجتماعية من خلال مقالات أدبية نشرها في مجلة حضارة الإسلام في ستينيات القرن الماضي، ثم إنه جمعها في كتابه من الفكر والقلب.


الطور الثاني: المؤلف المفكر والداعية. وهو طور توظيف القدرة الأدبية في سبيل الوقوف بوجه المكائد، فكان يتصيد السموم التي كانت تبثها المجلات والدوريات أو الإذاعات المسموعة آنذاك، فكم من خبر بثته إذاعة من الإذاعات مر على أسماع الناس مرور الكرام كان هو له بالمرصاد، يدوّنه ويكتب مصدرَه وتاريخَ بثهِ، ولا يقف عند الحرف وإنما يغوص إلى ما وراء الحرف، فيرسل الرد لصاحب السموم ينصحه ويبين له خطورة ما نشر - إن أمكنه ذلك – ملتزماً مبدأ: (انصح بالسر ولا تغتب، وإذا نصحت فلا تعِب)، فإن لم يتح له ذلك يراسل إدارة تحرير المجلة، ويرسل لهم مقالة فيها المصل المضاد لما جاء في المقالة المشبوهة من دسائس. فإن نشروها فبها ونعمت، وإن تجاهلوا مقالته وأصروا على نشر الشبهة دون الرد، تتضح له رسالة هذا المجلة وهدفها وحقيقتها. ومن هنا كان يحذر من مجلة العربي المعروفة، وكتابه حوار حول مشكلات حضارية بمجمله مقالات أرسلها كردود على مقالات مشبوهة لم تنشر في المجلة المذكورة، فغدا المصل المضاد اليوم أشهر من مقالة مشبوهة طوتها صفحات التاريخ مع المجلة التي روجت لها.


كما أن كتابه (لا يأتيه الباطل) بمجمله رد على شبهات حول كتاب الله، كان قد تبجح بها وطرحها قس مصري على قناة أسست بغرض تشكيك البسطاء والسذج من المسلمين بقرآنهم، فكلف من يجمع له الشبهات، ثم عكف عليها ففندها ووأدها في مهدها الخبيث الذي خرجت منه. 


ويلخص منهجَه في مواجهة الأفكار الشاذة أو الهدامة بالقول: (الغزو الفكري الذي يقبل باسم العلم أو العولمة أو حرية النظر والفكر لا يمكن رده إلا بالسلاح ذاته، وليس من سبيل إلى استعمال هذا السلاح إلا البحثَ والنظرَ والحوارَ..) 


ومن أبرز كتبه التي تعكس منهجه في هذا الطور: (يغالطونك إذ يقولون - الظلاميون والنورانيون - المرأة - منهج الحضارة الإنسانية- هذه مشكلاتهم- وهذه مشكلاتنا - الإسلام ملاذ كلّ المجتمعات الإنسانيّة)


وتميّزت كتاباته في هذا الطور بأنه لم يقف فيها موقف المدافع الضعيف، بل واجه الخصوم بإبراز الدلائل العلمية على تهافت أفكارهم.


الطور الثالث: وهو طور المؤلف السالك. وهو الطور الذي غلب عليه في آخر حياته. وعند تتبع مؤلفاته في هذا الطور تجد أن مسحة السلوك والتزكية هي الغالبة عليها، إذ يكثر فيها ذكر الرقائق وقصص الصالحين. وعين هذه المؤلفات كتابه شرح الحكم العطائية، إضافة إلى كتابه الحب في القرآن - وهو من آخر ما ألفه - الذي ختمه بقوله: (لقد بدأت رحلة الكتابة والفكر في حياتي بالحب وها أنا ذا أختمها، على ما يبدو، بالحب! كان حديثي في بداية رحلتي هذه عن حب الإنسان للصور والأشكال وما فعله ذلك الحب في حياة كثير من الناس – ويقصد قصة ممو زين –  وما فعله في صدر حياتي بي أيضاً - ولعله يقصد العديد من المقالات التي ضمنّها كتابه من الفكر والقلب - وها أنا ذا، في خواتيم هذه الرحلة أعود إلى الحديث عن الحب كما هو في القرآن، إنه حديث عن معين الحب ومن يؤول إليه هذا الحب .. ومعين الحب وصدره ومستحقه ألا وهو الله عز وجل .. ومرجع الحب ومن يؤول إليه هو الله عز وجل).


والمستعرض لمؤلفاته في الأطوار الثلاثة - مهما تنوعت مجالاتها واختصاصاتها – يجدها أصيلة لا يُستغنى عنها، سواء أكانت في العقيدة أم الفقه أم أصول الفقه أم الحديث أم الفكر أم الأدب .. لا يجد المتمعّن فيها وعظاً تقليدياً ولا حشواً زائداً ولا استطراداً مملاً، وإنما يجد عبارات رصينةً متماسكةً تشد القارئ حتى يشعر أنه يتلقى الفكرة منه مشافهة.


وقد خاطب من خلال مؤلفاته وكتبه شرائح المجتمع بشتى مستوياتها، منها ما خاطب من خلالها العوام ككتابه مع الناس، ومنها ما خاطب من خلالها طلبة العلم الشرعي كفقه السيرة وكبرى اليقينيات الكونية، ومنها ما خاطب من خلاله الأكاديمي المتخصص كضوابط المصلحة ونقض أوهام المادية الجدلية.






في الدروس والخطب:  
وإضافة الخطب على الدروس في الحديث عن منهجه الفكري لا مندوحة عنه، لأن منهجه في الخطب أيضاً منهج علمي لا تقليدي، فكان من عادته توظيف المنبر لخدمة الإسلام من خلال التصدي للتيارات والحملات المشبوهة أو الجانحة، إضافة إلى تسليط الضوء على منكرات كانت تقع هنا وهناك من أي طبقة وأي فئة كانت.


كانت له ثلاثة دروس أسبوعية عامة إضافة إلى خطبة الجمعة، يكتظ المسجد في دروسه وخطبه، بدأ رحلته في التدريس المسجدي من مسجد والده، ثم في عام 1970 بدأ درسين بعد مغرب الاثنين والخميس من كل أسبوع في مسجد السنجقدار ولضيق المكان نقل الدرس إلى مسجد تنكز، ثم عندما ضاق المكان نقله عام 1996 إلى مسجد الإيمان، واستمر فيه إلى يوم استشهاده في ذات المسجد أثناء إلقاء الدرس على طلابه. وكانت دروسه تتسم بالمنهجية العلمية حتى غدت أشبه بدورات منهجية كل ما انتهى من كتاب بدأ بآخر، وتجلت في دروسه مقدرتُه العلمية ورقةُ قلبه وصدق صلته بالله سبحانه.


أما بالنسبة لشخصيته خطيباً، فقد صعد على المنبر بسن مبكرة، كان شيخه الشيخ حسن حبنكه يرسله ليخطب في بعض مساجد الميدان الصغيرة وله من العمر سبعة عشر عاماً، لكنه صعوده على المنبر كخطيب تم منذ عودته من مصر إلى دمشق، واستمر في هذه المهمة الجليلة إلى يوم استشهاده.


هذه خلاصة موجزة عن تاريخه مع التدريس والخطبة. وحديثي الذي كان عن أطوار ثلاثة توازعها منهجه في التأليف يمكن جعلها عند الحديث عن منهجه في الدروس والخطب في طورين: 


الطور الأول: العمق العلمي والبلاغة العالية. وهو الطور الذي غلب على شخصيته في الشطر الأول من حياته، وهو طور جلال إن صح التعبير، إذ غلبت على دروسه وخطبه الفصاحة العالية، والبلاغة الراقية، وانعكس جلياً العمق والجدية على هذه الدروس.


ويلخص منهجه في الدروس والخطب بقوله: (إن شيئاً من الصيحات المنبرية أو التحذيرات الوعظية أو المصادمات الكلامية لا يمكن إلا أن تزيد التيارات الجانحة إقبالاً وضراوة، وتعطيها زخماً من قوة الدعاية والتنبه إليها) فيغرس في العقول الدواء من دون ترويج لاسم الداء، إذ يعمل على تحصين العقول قبل انتشار الفيروس.


الطور الثاني: بساطة الأسلوب ورقة المشاعر. وقد تجلى هذا الطور في السنوات الأخيرة من حياته، فغلب أسلوب التبسيط، وصار يُشرِّب بلاغته العالية بالكلمات العامية التي نادراً ما كانت تصدر منه في الطور الأول، والذي يقارن بين دروس التفسير التي كان يلقيها في مسجد والده بعد صلاة الجمعة في الطور الأول ودروس التفسير التي ألقاها في أخريات حياته يلحظ هذا الملمح جلياً. إذ يندر في الطور الأول ورود قصص ورقائق، لكن دروسه الأخيرة غنية بها، فهو طور جمال إن صح التعبير.


وهذا يذكرني بشخصية الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ورضي عنه والأطوار التي مرت بها شخصيته، فكتابه تهافت الفلاسفة - أو المستصفى مثلاً – الذي ألفه في الطور الأول من حياته يختلف اختلافاً جذرياً في الأسلوب والحرف والجرس عن كتابه إحياء علوم الدين الذي صدر في الطور الثاني من حياته، وشأن العلماء الربانيين الذي حملوا على عاتقهم مهمة خدمة دين الله عز وجل مع ربهم سبحانه شأن عجيب، يمضون حياتهم بين تحليل العبارة وكشف الإشارة، ويجهدون عقولهم في سبيل الذود عن حياض دينه، فإذا ما دنا الرحيل، وحنت الروح شوقاً إلى بارئها، وجههم الله عز وجل إلى ما يزيدهم قرباً وشوقاً، وأراحهم من عناء ما كانوا قد أجهدوا أنفسهم فأضنوا نهارهم وأسهروا لياليهم في سبيل نيل رضاه، وكأنها فترة نقاهة يتهيؤون فيها لاستقبال ملك الموت وعقولهم صافية إلا من الشوق إلى الله والتفكر في ذاته وصفاته .. فيقبل أحدهم إلى الموت أحدهم وقد تلقى بشارة مآله إلى الله عز وجل. ومما يذكره العلامة البوطي في هذا الصدد: (الإنسان الذي كانت حياته إقبالاً على الله والتزاماً بأوامره، يريه الباري عز وجل مقره ويرى بشارته، فتعاف نفسه الدنيا ويتشوق للرحيل)


وما ذكرته في أطوار التأليف الثلاث ينطبق على طوري الدروس والخطب أيضاً، من أن غلبة الرقة في الطور الثاني لم تمنع من وجود العمق العلمي، والعكس صحيح. كما أن كلامه في كلا الطورين يتميز بأنه بعيد عن السطحية والحشو .. أفكاره مترابطة متماسكة مرتبة ترتيباً منطقياً من التمهيد إلى الثمرة والنتيجة، فأسلوبه يجعل المسألة التي يعرضها قطعة فنية أدبية متكاملة لا تحتمل زيادةً ولا تقبل نقصاناً. لأنه كان متأثراً بالمنهجية العلمية المنطقية التي نشأ عليها.


في الرحلات الدعوية: 


كان لتشعب اختصاصاته العلمية والفكرية انعكاس على نشاطاته العلمية في سفره وحضره: فقد مكّنه تبحره في العلوم العقلية والنقلية من تشرب مقاصد الشريعة والفهم الدقيق لمراميها، مما أكسبه قدرةً فائقة على ربط القديم بالجديد، مما اقتضاه تلبية كثير من المؤتمرات والندوات العلمية والفكرية العالمية التي تطرح فيها أهمُ القضايا في الساحة الإسلامية. والدعوات التي كان يلبيها أقل مما كان يعتذر عنه، وإن سافر في مهمة دعوية معينة، كان يستغلها – إضافة إلى المهمة المعلنة التي خرج من أجلها - في دراسة المجتمع الذي يزوره بما يخدم الدين، فتنعكس آثار هذه الرحلة دراسة وتحليلاً على مؤلفاته ودروسه، ويظهر ذلك جلياً في كتابه الإسلام والغرب، فلم يكن ليغفل عن المهمة التي حملها على عاتقه بالغايات التي يضعها باعتبارهم كثيرون من حضّار المؤتمرات التي تنعقد هنا وهناك ..


والجدير بالذكر أنه كثيراً ما كان يدعى من قبل جهات فقيرة لا تملك القدرة على تحمل تكاليف دعوته وإقامته، فيلبي ولو على حسابه الشخصي، أو أنه لا يكلفهم ما زاد عن الضرورة من تكاليف الرحلة والإقامة.


ومما يجدر الإشارة إليه أيضاً في منهجه في رحلاته الدعوية، أنه قليل التحدث عما يعرض له من صعوبات ومشكلات، احتساباً للأجر عند الله عز وجل، وقد كان يعد ما يواجهه الداعية من صعوبات وأذى دلالة وراثة محمدية، كيف لا وأول من تعرض للأذى في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل هو حبيبه ومصطفاه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وقد بلغني بعضاً من أخبار مضايقات ومزعجات تعرض لها في بعض رحلاته، والعجب أن منها ما يصل لدرجة الطرد والتهديد، لكنه لم يكن ليذكر شيئاً من ذلك حتى لأقرب الناس إليه، كل ذلك في سبيل أن لا يزهق شيئاً من أجره وثوابه.


في المناظرات والمحاورات: 


والحديث عن منهجه في المناظرات والمحاورات لا ينحصر في مناظرات علنية عقدت، بل يشمل أيضاً كتبه التي قصد من خلالها محاورة الآخرين.


الحكم العدل بينه وبين الطرف الآخر هو الميزان العلمي، وأقول الميزان العلمي لا الديني؛ لأؤكد على أحد ثوابته التي انتقده البعض عليها، وهي أن منبع الدين في نفوسنا ليس مجرد اعتقاد، وإنما هو العلم والبرهان، ودليله قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)، وإذا تعارض العلم والبرهان مع الدين والقرآن نتبع العلم والبرهان، ولن يتعارضا.


وإنك لتعجب وأنت تقلب صفحات كتابه نقض أوهام المادية الجدلية، بأنه لم يضمن هذا الكتاب أي آية من كتاب الله عز وجل ولا حديثاً من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل استند في نقض أركان وأسس المذاهب الإلحادية التي قامت على فكر أساطين ملئت أسماؤهم جنبات الأرض، أقول: استند في نقض ذلك كله على موازين ومسلمات علم المنطق والمنطلقات الفلسفية التي يسلمون هم بها.


ومن المهم الإشارة إلى أبرز النقاط التي كان ينطلق منها في سائر حواراته ومناظراته المعلنة أم المكتوبة الموجهة للخصوم:


النقطة الأولى: يتبع المنهج القرآني القائل: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)، فيفترض منذ البداية صحة ما ذهبوا إليه، فيعرض أفكارهم، ثم يضع هذه الأفكار على ميزان العلم والمنطق.


النقطة الثانية: يحترم شخص الخصم، ويقابله بمشاعر الود والحب والشفقة النابعة من القلب، ويتجنب الحوار المبني على أحكام مسبقة، وبالتالي يتسامى عن أي لقاء قد يعقد تحت اسم حوار وهو في حقيقته صراع ديكة كما كان يسميه.


النقطة الثالثة: يتبع في حواراته أصولَ علم المناظرة والجدل، والتي كان قد خبرها وتمكن منها على يد والده والشيخ حسن حبنكه وهو في مقتبل العمر، ففي بداية كل حوار يبحث مع الخصم عن نقطة مشتركة ينطلق الحوار من خلالها.


ومن هذه النقاط الثلاث دان له محترفو الفلسفة وألجم أفواههم، ولقاؤه مع أحد أبرز أساتذة الفلسفة في الثمانينات الدكتور الطيب التيزيني لقاء مشهود ومشهور..


يقول رحمه الله في مقدمة كتابه لا يأتيه الباطل: (إنني مع يقيني التام بأن الله متم نوره الذي يتلألأ في قرآنه، لا بد أن أنهض بالواجب الذي شرفني الله به، فأرد البطلان إلى أصحابه، وأكشف عن لغو اللاغين وزيف المدجلين بمصباح من موازين العلم ومنهجه، صاف عن الأسبقيات والعصبيات المذهبية والطائفية أياً كانت .. مستضيئاً ومنضبطاً بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً)، وسائراً تحت الشعار القرآني القائل: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) ... ولسوف أتتبع سائر الشبهات والافتراضات الباطلة .. أضعها جميعاً تحت مجهر النظر العلمي، مصغياً بتجرد إلى ما يقرره العلم والمنطق بشأنها ... )


مع أولي الأمر: 


وحسبنا للاطلاع على منهجه الفكري والضوابط التي اتبعها في علاقته مع أولي الأمر والسلطة، أن أنقل لكم ما ذكره هو عن منهجه في مقدمة كتابه هذا ما قلته أمام بعض الملوك والرؤساء، وهو الكتاب الذي اضطر لإصداره عندما ارتفعت وتيرة الافتراءات التي ألصقت به من قبل بعض الحاقدين. يقول: (ولما بلغ الأمر والدي، أقبل إليَّ قائلاً: وقد تصور أنني متألم من حديث الناس: بوسعك أن تسلك سبيلاً تنال به رضا الناس كلِهم عنك، ولكن فلتعلم أنه لن يكون إلا سبيل النفاق!.. فالمنافق وحده الذي يملك أن ينال رضا الناس كلهم، في كل الأحوال. منذ ذلك اليوم، لم أحِد بتوفيق الله ورعايته عن هذا النهج:


لا أبدأ فأطرق أبوابهم، ابتغاء أي مغنم، أو بحثاً عن أي مصلحة دنيوية. إن دعاني رئيس الدولة استجبت، ولكن لا أصطحب معي أي حاجة شخصية أرجوها منه أو أعرضها عليه. لا أدخر وسعاً في نصحه وتذكيره بالله، وبعظم المسؤولية التي يحملها لهذه الأمة. أثني عليه بكل ما عرفته فيه من صلاح وخير، سواء عرف الناس معي ذلك منه، أم لم يعرفوا.. حملاً له على المزيد، وتحذيراً له من التحول إلى النقيض..).


في الأزمات السياسية:


الأصل في منهجه وموقفه من سائر الأزمات السياسية التي واجهها في حياته هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنها ستكون فتنٌ بعدي القاعد فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي إليها، فإذا نزَلَتْ بكم فليلحق صاحب إبلٍ بإبلهٍ وصاحب غنم بغنمه وصاحب أرضٍ بأرضه)، قال له قائل: أرأيت يا رسول الله رجلاً ليس له غنم ولا إبل ولا أرض؟ قال: (يعمد إلى سيفه فيدق حدَّهُ بحجر ثم يعتزل تلك الفرق حتى يأتيه الموت وهو على تلك الحال). وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة). وهذا المنهج ظهر جلياً في فتنة الثمانينات.


قد يقول قائل: لكننا لم نشهد هذا المنهج فيما يسمى بفتنة الربيع العربي في سورية، ولا في الفتنة التي عصفت بالجزائر في تسعينيات القرن الماضي.


أقول: بل هو عين المنهج، لكنه في كلا الفتنتين اقتضاه المقام الذي أقامه الله تعالى عز وجل به أن يحمل على عاتقه مسؤولية التحذير من الفتنة والتصدي لأسبابها وأربابها الذين كان دأبهم أن ينفخوا في أوراها، من خلال تذكير الناس بالمنهج النبوي باعتزال الفتن وتجنب أسبابها.


أما في فتنة الربيع العربي، فإن الرؤيا التي رآها في الشهر الثامن من عام 2010، جعلته يدرك أن مسؤولية كبيرة قد حمّله الله تعالى إياها، مما حمله على اتخاذ دور متفرد حتى قبل اشتعالها، ويحذر من فتنة ستقع إن لم نتدارك الأسباب، ثم عندما بدأت ملامحها دأب على التحذير من الولوج فيها ومن نتائجها على كل منبر يتصدره، والمتمعن يجد أن فحوى كل التحذيرات والنصائح التي كان يطلقها في تلك الفترة يصب في المنهج الذي اتخذه في الثمانينات. وخلاصة الرؤيا التي رآها؛ رأى غيوماً داكنة من الدماء وبقعاً سوداء مقززة وصفها بجراثيم سرطانية تحط على بلدتنا المباركة، فنابه من ذلك خوف وذعر شديدان، ثم قصدته كتلة منها واتجهت نحوه فدفعها بيديه فانقشعت السماء تماماً، ثم نادى والدَه ليريه الكتل، لكنه عندما عاد مع والده إلى النافذة المطلة على هذا المشهد الرهيب وجد أن الدماء والبقع السوداء المقززة قد تلاشت أو كادت.


وكذلك الحال بالنسبة لفتنة الجزائر، فقد كان له دور لافت في وأد فتنة التسعينات هناك: وموقفه في من هذه الفتنة نابع من المنهج النبوي في مواجهة الفتن، لم يحد عن تذكير الناس بذات المنهج عبر وضعهم على الجادة من خلال بيان الحكم الشرعي، ولبيان حقيقة العلاقة التي كانت بالكثيرين من شرائح الشعب الجزائري وسر الأثر الذي تركه كلامه فيهم. أقول: توطدت علاقته بالشعب الجزائري من خلال رحلاته السنوية إلى الجزائر للمشاركة بملتقى الفكر الإسلامي، وكان هذا الملتقى يجري كل دورة في ولاية من ولايات الجزائر، ويتواصل المدعوون مع سكان تلك الولاية من خلال لقاءات عامة في المساجد. مما أتاح له رحمه الله التواصل مع الناس والاستماع منهم، ومعالجة ما يطرحونه من قضايا. وقد أدى ذلك إلى وجود علاقة ودّية مع الناس مباشرة. واستمر هذا النشاط لسنوات طويلة.


ثم إن فتنة اشتعلت هناك باسم الجهاد ذهب ضحيتها مئات الألوف، واختلط فيها الحابل بالنابل، واستغلتها جهات خارجية اندست في صفوف الناس لتزيد الفتنة تأججاً، وارتكبت في هذه الفتنة مجازر وأعمال مشينة تحت اسم الجهاد. والسبب الرئيسي في إشعال فتيل الفتنة إلغاء نتائج انتخابات تشريعية فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ أمام جبهة التحرير التي كانت تضم أطيافاً مختلفة؛ مما عبّد الطريق أمام الجبهة الإسلامية للإنقاذ لاستلام زمام الحكم، في وقت كان الناس يتطلعون إلى تنظيم إسلامي ينافس جبهة التحرير، فكان هذا التعسف في إلغاء نتائج الانتخابات سبباً في ردود أفعال بلغت أخيراً درجة صدام مع الجيش، أثمر فتنة عمياء وسنوات سوداء.  


هذا الواقع المؤلم دفع العلامة الشهيد – وهو المحب للجزائر – أن يوجه نداءه المعروف إلى الشعب الجزائري، فكان هذا النداء بمثابة منعطف في تحويل موقف الكثيرين من الفتنة المستعرة، وكما دفعه إلى تأليف كتابه الذي أثار ضجة واسعة في حينه عند كثير من الجماعات الإسلامية، وهو كتاب: (الجهاد في سبيل الله كيف نفهمه وكيف نمارسه)، وقد اتهم آنذاك بأنه قد ألغى الجهاد، وجُوبِهَ بحملة شعواء من شتى الجماعات الإسلامية تنتقده لموقفه – السلبي بنظرهم - من فتنة الجزائر .. ثم بعد عشر سنوات من النزيف والدمار الذي أصاب الجزائر، اتفق الناقدون على مناشدة الشعب الجزائري الكف عن الدخول في (الفتنة)، التي أدت إلى ارتكاب المجازر الرهيبة تحت اسم الجهاد، واعلنوا أن ما يجري في الساحة لا علاقة له بالجهاد..! فما بين عشية وضحها غدت ألسنتهم تتحدث باللسان ذاته الذي كان يتحدث به الشيخ البوطي قبل عشر سنوات.


هذه هي المفاصل الدعوية البارزة في حياته رحمه الله تعالى، والجامع المشترك بين كل هذه المفاصل هو الجانب الخفي الذي يتمثل في ساعات طوال كان يمضيها في جوف كل ليلة باكياً ساجداً ضارعاً لله سبحانه وتعالى أن يلهمه الحكمة والصواب، ولولا هذا الجانب الخفي لما كتب له التوفيق الذي ما زلنا نشهد أثره إلى اليوم، أي بعد انتقاله بسنوات.