مميز

السلسلة: من كلام الأعلام

الكاتب: الشيخ محمد ياسر القضماني
التاريخ: 15/10/2020

من هو العَالِم ؟!

مقالات

قال الإمام عبد الله بن علوي بن محمد الحدَّاد - رضي الله عنه - :


(العالِم إذا لم يَعمل بعلمه، لا يُقال له - عندنا - عالم؛ إلَّا أن يقال: عالِمٌ فاجر؛ بأن يُوصف بالفجور، والجهل على هذا أَسْلَم له، وتَقْرِيبُه مع هذا الوصف ؛ فيه هَدْم للدِّين أكثر).


             *      *      *


إِي والله لا يقال للعالم عالم إَّلا إِنْ كان عاملاً !


وصدق القائل:


وعالمٌ بعلمه لم يعمَلَنْ

معذبٌ من قبل عُبَّاد الوثن


نعم ! كيف يُقال له عالم، وقد زَهِدَ بثمرة العلم، وثمرةُ العلمِ العمل !


وما مَثَلُ هذا الذي لم ينتفع من علمه بالعمل، إلا كمن عنده كنز لا يُنفق منه في سبيل الله تعالى.


ويحك يامن أُكرمت وعُرِّفت وعُلِّمت، أَلِأَيِّ شيء سيق لك هذا الإكرام، وعُرِّفت بهذا العِرفان، وعُلِّمت ما به مُيِّزت من بين الإنس والجانِّ - ألِأَيّ شيء ، كان ذلك خبِّرني بالله عليك ؟!!


هذا كفرانٌ منك بالنِّعم، وجحود منك لصاحب المِنَن !


نعم! هذا التعليم والتعريف هو من أَجَلِّ النِّعم؛ إذ هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون ؟! لايستوون!


فأَليسَ كلُّ نعمة تستحق شكراً ؟!


وأيُّ شُكر أنت فيه؟! لقد استبدلتَ نعمة الله كفراً، وصرت في مصافِّ الجُهَّال؛ لا، بل الجهال في أحوال يَسْلَمُون وأنت لا تَسْلَم؛ وهل في ترك الواجب السلامة أم المَهْلكة ؟!!


ليكن كلُّ من أُكرم بفقهٍ وعلمٍ على ذُكْر من الصورة التي أبانها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صورة لرجلٍ يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرَّحى، فيجتمع عليه أهل النَّار وقد اندلقت أقتاب بطنه، وهو يدور بها لا يني ولا يفتر.


ويحك ما شأنك ؟! ما الذي أَوْرَدَكَ هذا المورد، وأَحَالَكَ إلى هذا الحال ؟!!


فما يكون الجواب ؟


يقول - والحسرات تُقطِّعه ، وتضيف إلى عذابه عذاباً ، وإلى كَرْبه كربات - : كنت آمُرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه!


تبَّاً لي وسُحقاً، أنا الملوم، لا الملوم سواي.


ما عرفتُ قَدْرَ ما أُكرمتُ به، فانقلب التكريم إلى إهانة، والتشريف إلى إدانة !


تبَّاً لي وسُحقاً، ما يَضيرني أَنْ لو كنتُ من العاملين، وأنا المعلم ؟!


ما يضيرني أن لو كنت من المتَّعظين وأنا الواعظ ؟!


وما ينفعني التحسُّر وأنا واقِعٌ في هذا العذاب غير مُخرَجٍ منه ؟! وفي ثبور على ممر الدهور !!!


* **


في ختام كلمة الإمام الحداد - رحمة الله عليه - يقول :


(وتقريبه مع هذا الوصف فيه هَدْم للدين أكثر).


هذا مما يجب أن يُعتنى به؛ فإن في تقريب مَنْ هذا شأنه عالمٌ غيرَ أنَّه مفرِّطٌ بالعمل - هدمٌ للدين.


وسبب ذلك أنَّ الناس يتَّأثرون ويُولعون بمن يُشار إليه بأنه قدوة وأسوة؛ فإذا قُدِّم في المجالس، وصُدِّر في المجامع، واستُشير، واستُنصح، وكانت منه الهداية والنصح؛ مع ما يعرف الناس عنه من التفريط بالأعمال؛ هان عليهم العمل، وظنُّوا أنهم لا يضيرهم ترك العمل، أَمَا ترك شيخهم كذا، وأعرض شيخهم عن كذا ؟!


ومن الطَّامَّات، والعظائم المهلكات أن يُعلِّم المعلم ويوجِّه ويعظ، ويقوم بسائر الوظائف الشرعية، ويدع كثيراً من العمل.


وإذا روجع في ذلك قال: لا تنظروا إلى عملي، انظروا إلى قولي، وأنا أحاسب عن أعمالي !!!

تحميل