مميز

السلسلة: وقفات خالدات

الكاتب: الشيخ محمد ياسر القضماني
التاريخ: 06/08/2020

من عجائب التوفيق

مقالات

إن كان من كلام العرب القديم: عش رجباً تر عجباً ؛ فإن من عجائب ما وقعتُ عليه منذ ليال ما حدثنيه أحد الأفاضل عن واحد من المسرفين على أنفسهم يتأبّى عن الشعائر، وينتهك الحُرَم ؛ يُكرم في ساعة قدسية فتصبح الحال مرضية، والنفس مرعية!


يالله ! ما أعجب شؤونك في خلقك ؟!


ما قصة هذا الموفق ؟!


ألا تأسِرُك قصةُ رجلٍ بَلَغ به التفحُّش والجراءة على مقام ربه وجبروته، أن قال - وهو في غاية القطيعة والبعد - : لو جاؤوا بالكعبة إليّ لَمَا جئتها ؟!


لو جاؤوا بالكعبة إليَّ، ما جئتُها ؟! مَن أنت يا هذا ؟!


أيبلغ بالعبد صفاقةُ حِجَابه إلى أن يقول هذا ؟!


نعم ! يحدثك التاريخ عن عجائب في هذا ممن ينتقل من غاية البعد إلى غاية القرب، ومن ضَنْك الشَّقاء إلى أنس السعادة، ومن ظلمات الشَّكِّ والريّب إلى نور اليقين وارتفاع الرُّتب !


نعم لله في خلقه شؤون !


تعال يا من يداخله اليأسُ من رجوع هذا إلى الجادَّة، أو أوبة ذاك المتجرئ، أو توبة ذلك العنيد الجبّار الموغل في الرّزايا والخطايا - اسمع قصة صاحبنا هذا !


من شخص ينضح إناؤه بــــ : لو جاؤوا بالكعبة إليّ لما جئتها ؟! إلى رجل صار من أوائل من يغدو إلى المسجد عامراً له !!


يقول الفاضل محدّثي بالقصة:


يشاء الله تعالى أن يُلجأ هذا الإنسان الغافل إلى أن يوافق على السفر إلى بيت الله الحرام ؛ ليكون مَحْرماً لإحدى قريباته، وقد استجاب على أن يكون له ما يريد ؛ وسيتمتع بهذه الرحلة، وسيكون له النُّزُل الطيّب، والطعام الشهيّ، والمركب كذا، والفرش كذا !


ويذهب وَهَمُ الإنسان في الجمع بين حظوظه وشهواته في عمل من أعمال الآخرة إلى مبلغ عجيب، يُزَيَّن له حتى يَذهلَ فيه عن المراد ، ولكنه إن خفي على العباد فلا يخفى على رب العباد ؟!


****


ولكن مراد الله فوق كل مراد ، ومشيئته فوق كل مشيئة !


تعال أنتَ شئتها رحلةَ نزهةٍ ومتعة تنعشُ فيها بعض شهواتك، تعال أردتَها متعةً للجسد ، وأنا أردتُها عودةً للواحد الأحد !


وإن قيل ما واسطة العقد في جواهر هذه الأوبة، ولآلئ هذه التوبة لقال لك: ذاك المقام الأول الأقدس الغالي الذي ساقني الله إليه، وأقامني فيه تجاه الكعبة المشرفة !


وقفتُ ويا لروعة هذا الوقوف ! وشاهدتُ ويا لروعة ذلك المشهد، أي بَنيَّة هذا البناء ؟! وأي ضياء ذاك الضياء ؟!


زُججتُ في النّور !


غاب عني أي شعور، وغُصتُ في بحور وبحور من الحبور بما لا أقدر أن أقرُّ به، أو أنعته، أو آتي على شيئ من جلاله أو جماله !


كنتُ في مقام جليلٍ تلاشى في جنبه كل ماكان يشغلني وينأى بي عن ربي، وجميلٍ أذهلني فرطُ جماله عن كل محبوب !


استشعرتُ كلَّ تفريطي في جنب هذا الكريم الذي ساقني إلى بيته، وجعلني من وفده، فانتابني حياء كاد يذيبني وربِّ هذا البيت !


خلته ينشلني من تذكر هذه الخطايا والسيئات، وكأنه يقول لي: ما جئتُ بك إلى هنا، وما دعوتك لأقرّعك وأخجلك، دعوتك لأكرمك، ولأُتحفك وأهديك !


وكأني حدثته: أأنا مع هذا التفريط أهلٌ للإحسان والتكريم، وكأني أسمعه يقول: أنا أهل التقوى وأهل المغفرة !!


ههنا ما عدتُ أحتمل التجلّد فاقشعر جلدي فبكيت وبكيت، وما عدتُ أشعر بما حولي، ما دروا سبباً لبكائي، ولكن حسبي أنه يعلم مكاني، ويسمع كلامي.


امتزج دمعي من الحسرة على ما فات ، والحياء مما فَرَط، ومن الفرح أيضاً بهذا الإكرام ، وجميل الإنعام ، ومن جراءتي عليه وحلمه عني !!


*****


وكيفَ عدتَ حينما عدتَ ؟!


أنتم تعرفون حال ولدٍ كان شارداً مسيئاً، وعاقاً متفحشاً، استغضبَ والده المحسن له، المحب العطوف، ثم كان الجفاء، ثم تمادى فحرم اللقاء، ثم عَدَتْ على هذا الولد أسواء القطيعة والوحشة، وأدناس الرذائل، والخطايا الجلائل إلى أن ساق الله إليه من أصلح بينه وبين والده، وصفّى ما تعكر ففوجئ الولد العاق بدعوة والده أن تعال عفوتُ عنك !


قولوا هل تقدروا على وصف دخول هذا العاق دار والده المحسن ؟!


*****


يقول محدثي عن قصة صاحبنا: صار بفضل الله من أوائل من يعمر المسجد للصلاة، نعم لا عجب في ذلك فقد كانت تلك الوقفة أمام القبلة هي سبب القرب، فهل من المروءة التعامي عن هذا الإحسان، وسائق كل إيمان ؟!

تحميل