مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 28/12/2020

ما بين الفقر وأكل المال الحرام

مقالات

ها قد تبدى الفقر والعوز جلياً على الكثيرين؛ إذ لم يعد المورد الشهري يكفيهم لمنتصف الشهر بل ربما لبضعة أيام منه، وبالكاد يسد أرباب الأُسر الفقيرة حاجات أسرته ومتطلباتهم الضرورية. وليس المقام مقام توصيف وإثارة شجون وأحزان، إنما المقام مقام تناصح وتنبيه على ما قد يحصل من افتتان.


فإن الفقر فتنة، كيف لا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منه ويقول - فيما رواه أحمد: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ". كما روى أبو نعيم في الحلية بحديث ضعيف عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَادَ الفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرَاً، وَكَادَ الحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ القَدَرَ». لأن الفقير معرض للوقوع في جريرة التأفف من حكمِة الباري عزَّ وجلّ فيما قضاه وقدره، كما أنه معرض للوقوع في حمأة الاضطرار للوقوع في براثن المال الحرام، بحجّةِ أنّه فقير ومضطرّ.


ولو وضعنا أفقرَ الناس اليوم على ميزان الفقر الذي شهده كثيرٌ من أصحابِ سيدنا رسولِ الله صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ بالأمس لوجدنا فقيرنا اليوم يعيشُ في حالةٍ من الغنى ما شهد مثلُها كثير منهم بالأمس، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: ما أخرجكما من بيوتكما الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما فقاما معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة، قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرمَ أضيافا مني، فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب - غصن من النخلة، فقال: كلوا، وأخذ المدية - سكين كبيرة .. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا .. إلى آخر الحديث.


من هنا نعلم أن الفقر ليس نقيصة، والحاجةَ ليست سبة عار كما قد يحسبه البعض، الفقر وسام إرث وكأسٌ مرّ قد تجرع مذاقه من قبل أكرم الخلق على الله؛ وسيد الأنبياء وإمام الأصفياء وحبيب رب العالمين ﷺ، مع أن الدنيا كانت متاحة بين يديه، إذ لو شاء لأجرى الله له الجبال ذهباً وفضة، ومع ذلك فقد كان بيته من طين داني السقف، فراشة من أدم حشوه ليف، ينام على الحصير حتى يؤثر على جنبه ﷺ، متقللاً من متاع الدنيا، وكم من مرة ربط الحجر على بطنه من الجوع، وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها فيما رواه البخاري: "ما شبع آل محمد ﷺ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله". ومن المخجل أننا نتغنى بأحواله عليه الصلاة والسلام وبيوتنا تفيض بالأمتعة الوثيرة، والنمارق المريحة.  


والمطلوب منا اليوم أن نسأل الله تعالى العافية ونستعيذ بالله من الفقر، لكن إن شاءه الله عز وجل ما ينبغي أن يقابله الإنسان بالتشكي والتذمر وكثرة الضجر، بل يقابله بالرضا عن الله، وبالطمأنينة بما له عند الرزاق سبحانه وتعالى من قِسمة ونصيب.


وحسبك أن تعلم أنه كلما زاد ما عندك من مال ومتاع من الدنيا كلما طال الوقوف للحساب، وكلما قل مالُك وما لَك في الدنيا من متاع كلما خف عليك عبء الموقف يوم الحساب. كلنا سيقف بين يدي الله عز وجل ليسأل عن أربع كما صح عن رسول الله ﷺ فيما رواه الترمذي إذ قال: (لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ). وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ. فحساب الغني - الحريص على الحلال - يطول بمقدار ما له من مال ومتاع. ونسأل الله تعالى اللطف والعفو والعافية. "وقفوهم إنهم مسؤولون".


ومن هنا ندرك لماذا يدخل الفقراء قبل الأغنياء إلى الجنة بأربعين سنة، كما بين سيدنا رسول الله ﷺ إذ قال فيما رواه مسلم: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً"، وفي رواية الترمذي وابن حبان: "إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة". لأن طول الحساب يؤخر الغني المحسن عن اللحاق بركب الفقراء.


لكن شروطاً لا بد من توافرها بهذا الفقير الذي يسبق الأغنياء إلى الجنة، هو أن يتوج فقره بالصبر على البلاء، والحرص على حلال المال، والقناعة بما قد قسمه له الرزاق، والرضا بما قدره له القهار، وأن لا يتخذ من فقره سلماً يقتحم من خلاله أبواب الحرام والشبهات.


واليوم كثيراً ما أرى أناساً قد أوقعهم العوز والقلة والفقر في مغبة جريرة ما كان لهم أن يقعوا بها، إذ يدفعهم الفقر ليمدوا أيديهم إلى ما لا حق لهم فيه، إذ جعلهم الغلاءُ لا يتورعون عن أخذ مال أو متاع من غير حله ليضعه في فيه وفي في أهله وأولاده ..  يبرّر لنفسه الوقوع في حمأةِ المال الحرام أو المشبوه بحجّةِ الاضطرار، يقتحم الغشَّ وربما الخداعَ والكذب في بيعه وشراءه بحجّةِ أنّهُ فقيرٌ مضطر، وكأنَّ اللهَ عز وجل قد استثناه من أحكامهِ وشرعته. يتقاضى الرشوة ويبررها لنفسه مرة تحت اسم هدية ومرة تحت اسم مساعدة ومرة تحت اسم إكرامية ومرة تحت اسم حلوان .. يأخذ مالَ غيره بالمحاياة - أو كما قال سيدنا رسول الله: بسيف الحياء من المعطي، يمدُّ يدهُ إلى المال الذي يتاح من أيِّ سُّبيلِ له لاحَ، بحجّةِ أن لا عليهِ من حرج لأنّهُ فقيرٌ مضطر.


فإذا ما نصحت أو نبهت، برر لنفسه أو لغيره الوقع في معصية أكل المال الحرام بقوله: (راتبه ضعيف لا يكفيه). ترى هل هذا جواب يمكن أن يواجه به رب العزة جل شأنه يوم الحساب؟


ومن اعتاد أخذ المال من غير حله سيستمرئ هذا السلوك حتى ولو اغتنى بعد فقر، فكم من موظف اليوم يضع اسمه في قوائم الرواتب والحوافز والمكافآت ليتقاضى أجراً شهرياً أو موسمياً أو تحفيزياً لا يستحقه.


وكم من موظف يقبض راتبه المسمى دون أن يؤدي عمله الذي أؤتمن عليه.


وكم من إنسان يتناول من شجرة قد تدلت ثمارها على قارعة الطريق، يأكل منها دون أن استئذان من أصحابها.


وكم من إنسان قد وكل بشراء بضاعة أو سلعة، وبالتواطؤ مع البائع يدوِّن على الفواتير ثمناً وهمياً، طمعاً في أن يدس في جيبه فرق الحساب قل هذا المال أو كثر. والوكيل لا يحق له أن يتقاضى فوق الثمن الحقيقي قرشاً واحداً ..  وكم وكم ..   


وللمال الحرام آفات كثيرة قد ذهل عنها جل الخلق، ينبغي أن نكون على ذكر منها. وأول هذه الآفات:


عدم استجابة الدعاء؛ لن يرفع لمن يأكل المال الحرام دعاء إلى السماء، وقد روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تليت هذه الآية عند رسول الله ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا﴾. فقام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. فقال: يا سعد، أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف بلقمة الحرام في جوفه فلا يقبل منه عمل أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا، فالنار أولى به". والحديث وإن كان ضعيفاً بهذا اللفظ لكن معناه ورد في الصحيح، وذلك فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك".


إذن .. لا يستجاب لمن يأكل المال الحرام دعاء، ولا يقبل منه عملُ أربعين يوماً، وما نبت من السحت فالنار أولى به. وهل من آثار مدمرة أكثر من هذا وهذا وذاك؟ 


نعم .. للمال الحرام أثر كبير على نشأة الأولاد وتربيتهم وسلوكهم، على صلاحهم وعلى فطانتهم، على تقواهم وورعهم ... وإليكم قصة الإمام عبد الملك الجويني إمام الحرمين التي نقلها عنه ابن كثير في البداية والنهاية، والسبكي في طبقات الشافعية. يذكر أن أباه كان يتطلع إلى أن يكون له من صلبه علماء صادقون، فلما اجتمع له قدر من المال الحلال الخالي من أي شبهة، تزوج فتاةً مشهورة بالخير والدين والصلاح، وحرص على ألا يطعمها إلا الحلال الخالص، وحملت منه فولدت له ولدا سماه عبد الملك، وحرص على ألا يطعمه هو أيضا إلا من الحلال الخالص، فأمر زوجته أن تحفظه من النساء حتى لا يرضعنه، وشدد عليها في ذلك. خشية أن ترضعه امرأة لا تتحرى الحلال، أو تأكل الحلال لكن لم يأذن لها زوجها فيدخل جوفَه الحرام!! فكانت الزوجة حريصة على وليدها إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان، يقول الإمام الجويني: ذات يوم اشتغلت أمي في طعام تطبخه لأبي وأنا رضيع فبكيت، وكانت عندنا مرضعة من جيراننا فأرضعتني مصة أو مصتين، ودخل والدي فأنكر ذلك، لأن المرأة ليس لها أن تتصرف بلبنها دون إذن زوجها، وقلبني وفوَّعَني، حتى لم يدع في باطني شيئا إلا أخرجه، وقال الأب: يسهل علي أن يموت ابني ولا يفسد طبعه بشرب لبن غيرِ لبن أمه. وفي رواية ابن كثير: فأخذه الشيخ أبو محمد فنكسه ووضع يده على بطنه، ووضع أصبعه في حلقه، ولم يزل به حتى قاء ما في بطنه من لبن تلك المرأة.


ثم إن هذا الطفل ذاته غدا بعد حين إمام الحرمين، وذكر ابن السبكي أن إمام الحرمين تَلَجْلَجَ مرة في مجلس مناظرة، أي: تردَّد في كلامه ولم يتمكن من البيان. فقيل له: يا إمام ما هذا الذي يعهد منك. فقال: ما أراها إلا آثارَ بقايا المصة.


وقد كانت إحدى نساء السلف الصالح تقول لزوجها وهي تودعه أثناء ذهابه للعمل: "اتق الله فينا، إياك وكسبَ الحرام، فإنا نصبر على الجوع والعطش، ولا نصبر على حرِّ النار وغضب الجبار"


وهو نداء يستصرخ كل مسلم يبتغي لنفسه ولأهله الرزق، نداء تردد صداه على أسماعنا ويقول: اتق الله فيمن تعول، وإياك وكسب الحرام، فإنهم يصبرون على الجوع ولن يصبروا على حر النار وغضب الجبار.


فالصبر الصبر .. والثبات الثبات .. فيهما نبتغي الفرج والنجاة، لا بكثرة أن التشكي والتذمر، لا بتكرار عبارات تنم عن سخط وتسخط من قضاء الله. واعلموا أننا في أيام نخل وتمحيص ستتمخض عن فرج عظيم قريب بإذن الله تعالى، فاستعينوا بالله واصبروا، وقريباً ستغدو هذه الأيام ذكرى، وسيسعد كل ثابت قد تمسك بحبل الله، وسيندم كل خائب قد انجرف مع التيار، يمدُّ يده إلى ما يتاح من أيِّ سبيلِ له لاحَ. 

تحميل