مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 15/09/2020

لذا لن نبغيَ عن الشام بدلاً ولا متحولاً

مقالات

ذكر المؤرخون ومنهم أبو يعلى وأسامة بن منقذ وابن الأثير في معرض حديثهم عن حقبة من تاريخ (دمشق) بروايات متقاربة، أن ملك الألمان خرج بجموع عظيمة من بلاد الفرنج بحراً يريد غزو دمشق، والتقوا بأتباعهم في ساحل الشام ونظموا صفوفهم، ومن هناك قصدوا دمشق.


سمع حاكمُ دمشق آنذاك معينُ الدين أُنَر بالخبر، فجمع من معه من عسكر، فما زادوا على العشرة آلاف، واستنفر أهلَ دمشق فخرجوا مع الجند ليمنعوا جحافل الصليبيين من دخول المدينة، وفعلاً زحف الصليبيون بخيلهم ورَجِلِهم حتى حاصروا دمشق واستظهروا على أهلها بكثرة الأعداد، وغلبوا على الماء، وانتشروا في البساتين وخيموا فيها.


وكان فيمن خرج لملاقاة الصليبيين الفقيهان الزاهدان العابدان المسنان الشيخ عبد الرحمن الحلحولي، والشيخ حجة الدين الحجاج الفندلاوي، وكانا من خيار المسلمين. رآهما من بعيد قائد الجيش معين الدين فقصدهما وسلم عليهما. وقال للشيخ الفندلاوي: يا شيخ أنت معذور ونحن نكفيك وليس بك قوة على القتال، فقال الشيخ: قد بعت واشترى فلا نقيله ولا نستقيله، وذلك إشارة لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ).


وعندما نشب القتال كان الشيخان في صفوف القتال الأولى رغم كبر سنهما وشدة ضعفهما، وفعلاً سرعان ما قتلا في مكان واحد عند النيرب في منطقة الربوة. وقد كان لاستشهاد الشيخين الجليلين الأثر البالغ في بث الهمة والعزيمة في قلوب أفراد الجيش ومن معهم من أهل دمشق، فحملوا حملة واحدة على جحافل الصليبيين وردوهم خائبين مهزومين ولم يتمكنوا من دخول دمشق.


صورة من صور سلسلة الكيد العالمي والتكالب الدولي التي شهدتها دمشق في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وبعد قرن تقريباً غزت دمشق جحافل المغول ومن بعدهم التتار، وحصل من الأهوال ما حصل، وهكذا توالت المكائد على دمشق وما زالت تتوالى .. حملات صليبية، وجيوش طغاة، وجحافل بغاة، وقوات احتلال .. قدموا إلى الديار غزاةً، فمنهم من قضى نحبه على أسوارها، ومنهم من عاد أدراجه من حيث أتى؛ يجر أذيال الخيبة والخسران، والتاريخ ما زال يعيد نفسه.


حبائل ومخططات ومكائد لو صبت على بلد آخر لأحالته بما فيه من شجر وحجر وبشر للأحالتهاحالتها إلى ذكريات وأطلال، ولغدا أثراً بعد عين .. وفي كل مرة تظهر الشام وأهلُها ومن يذودون عن حياضها على أعدائهم، والسر في ذلك عناية الله، وكفالة الله عز وجل.


أخرج أبو داود وابن حبان والحاكم بأسانيد صحيحة من حديث عبد الله بن حوالة والعرباض بن سارية رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ستصير إلى أن تكونوا أجناداً مجندة؛ جندٌ باليمن وجندٌ بالشام وجندٌ بالعراق، قال عبد الله بن حوالة اختر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، قال: عليك بالشام إنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده وإن الله تكفَّلَ لي بالشام وأهله). كما أخرج الترمذي وابن حبان والطبراني من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (طوبى للشام، إن ملائكة الرحمة تبسط أجنحتها عليه).


ولقد شهدنا منذ أمد قريب، كم من أموال بذلت، وكم من مخططات رسمت، وكم من حبائل قد حيكت، كم من جسور قد نسفت، وكم من أنابيب غاز ومحولات كهرباء ومضخات وطرقات قد دمرت، بل كم من مرتزقة الآفاق قد استجلبت .. ومع ذلك لم يظفر الكائدون بمراد، بل غدا نارهم رماداً تذروه الرياح على رؤوسهم. وخابوا كما خاب أسلافهم، وحاشا أن يسقط الله تعالى بلداً هو كفيلها.


واليوم .. لعل معترضاً يقول: عن أي فرج تتحدث، ألا تلاحظ أنك تلبس علينا الحقائق، وتسف في وجوهنا كلاماً لا يمت للواقع بصلة، ألا ترى أننا ما زالنا نرزح تحت نير صعوبات المعيشة الخانق، أزمة في القوت ونقص في الوقود وفي الكهرباء .. غلاء يأخذ بالخناق .. كيف تفسر لنا المصاعب والمصائب التي صبت علينا صباً، حتى بتنا مادة دسمة للتندر والتهكم، وهاهم الذين وجدوا لأنفسهم موطئ قدم في بلاد الكفر يتقلبون هناك برغد عيش ونعيم مقيم. ألا تسمع عبارات الشماتة والتشفي، ألا تسمع عبارات المشفقين الذين يرثون حالنا وما صرنا إليه. كيف نجمع بين ما تذكره وهذا الواقع المشاهد رأي العين؟


أقول نعم، إن الشدائد التي نشهدها قد فتنت الكثيرين حتى باتوا في شك من وعد الله. ترى أيهما كان أشد وقعاً على النفوس؟ هذه الأيام العصيبة أم الأيام التي شهدت الشام فيها جحافل الصليبيين وقد أحاطوا بالشام إحاطة السوار بالمعصم؟ قد سيطر الصليبيون على الماء وعلى البساتين التي تحيط بدمشق، ومع ذلك لم يكن من أهل الشام أحد يفكر بالهجرة إلى بلاد الكفر بحثاً عن النعيم ورغد العيش المفقود، كان واقعهم صورة دقيقة لقوله تعالى: )إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا...(، فثبتوا وصبروا ولم يجبنوا عن مواجهة الشدائد إلى أن طهر الله تعالى الشام وتنفس أهلها الصعداء. وأما واقعنا اليوم في الشام فهو مصداق لقوله سبحانه وتعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(. سنرابط في الشام كما رابطوا، وسنثبت كما ثبتوا لأن هذه البلد بلدنا وليس للغرباء فيها مكان، أنتركها لغيرنا ونقلب لها ظهر المجن؟!!. ومن يتنكر لها اليوم ستتنكر له هي غدا.. وهيهات أن يعود إليها ليدفن فيها أو يشرب من مائها أو يشم رائحة تربها.


هذه الشدائد التي تصب على الشام إنما هي نخل وتمحيص، بل هي فتنة ثبات، واختبار عزيمة، ومن مظاهر هذه الفتنة ما يتراءى من قلة ونقص في العديد من المواد الأساسية، كما أن من مظاهر هذه الفتنة ما يتناهى إلى الأسماع من عبارات الشفقة أو الشماتة.


هذه الشدائد وسام شرف يحمله أهل الشام على صدورهم، وما يمارسه أعداء الشام على أهلها من تضييق وخنق وحصار إنما هو شهادة نعتز بها، ومبعث فخار نرفع الرأس بها، إنها ضريبة عدم الخضوع الذي سقط فيه أرباب الصَغَار. وصدق من قال:


وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ ... فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ


)فاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ(، هذا هو لسان حال أهل الشام، لقد عودنا ربنا سبحانه وتعالى على فضله، وأشهدنا عجائب كفالته ورعايته، إن هي إلا أيام قليلة ثم تنقلب المكيدة على رأس حائكيها.


ستبقى الشام أرض البركة كما وصفها الله عز وجل في أكثر من موضع في كتابه الكريم. إذ قال عن سيدنا ابراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: )وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ(، وقال سبحانه وتعالى أيضاً: )سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ( والمراد بالآيتيتن الشام.


وستبقى الشام بلد الصالحين والأبدال كما أخبر بذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد إذ قال: (الأبدال في هذه الأمة ثلاثون رجلاً قلوبهم على قلب ابراهيم خليل الرحمن كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً). وفي رواية الطبراني وأحمد: (الأبدال بالشام وهم أربعون رجلاً كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، يُسقى بهم الغيث ويُنتصَر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب).


وستبقى الشام بلد العلم والعلماء مهما حاول المفسدون أن يطمسوا هويتها ويعكروا صفو ألقها من خلال إبراز مظاهر التهتك والفجور عبر الوسائل المتنوعة.


وستبقى الشام بلد الخيرات والبذل والعطاء، بلد مواساة الفقراء واحتضان المضطهدين والمنكوبين، مهم حاول الجشعون والطامعون أن يظهروها بلد الفساد والرشوة والمحسوبيات.


وإذا ذكرت الشام فاعلموا أن دمشق قلب الشام. ألم تسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى على أرض يُقال لها الغوطة إلى جانبها مدينة اسمها دمشق هي خير منازل المسلمين يومئذ(.


واعلموا أيضاً أن من قصد الشام يبتغي المقام بها صابراً محتسباً فهو في قربة وفضيلة، وكم من عرب وعجم - ومنهم أجداد الكثيرين من أهل الشام اليوم - قد شدوا الرحال إلى (شام شريف) كما كانوا يقولون؛ طمعاً بأن يشملهم قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الطبراني والحاكم بإسناد صحيح: )الشام صفوة الله من بلاده، إليها يجتبي صفوته من عباده. فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطه، ومن دخلها من غيرها فبرحمته(.


وأختم بما أخرجه الحافظ ابن عساكر  في كتابه تاريخ دمشق بتمامه وذكره الإمام الطبراني  في معجمه الكبير مفرقاً .عن عبد اللهِ بن حَوَالة رضي الله عنه أنه قال :يا رسول الله ؛ أُكتب لي بلداً أكونُ فيه ، فلو أعلم أنَّك تبقى لم أخترْ على قُربك .قال: "عليكَ بالشَّام" (ثلاثا) .فلمَّا رأى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَرَاهِيَّتَهُ للشام.. قال: )هل تدرون ما يقولُ الله عز وجل؟ يقول: يا شام يا شام؛ يدي عليك يا شام؛ أنت صَفْوتِي من بلادِي، أُدخلُ إليك خِيرتِي من عبادي، أنت سيفُ نَقْمَتِي وسَوطُ عَذَابِي، أنت الأندرُ وإليك المحشر .ورأيتُ ليلة أسري بي عموداً أبيض؛ كأنه لؤلؤٌ تحملهُ الملائكةُ، قلت: ما تحملون؟ قالوا: نحملُ عَمُودَ الإسلام، أُمِرْنا أنْ نَضَعَهُ بالشَّام.
وبينا أنا نائمٌ رأيت كتاباً اخْتُلِسَ من تحتِ وسادتي، فظننت أن الله تَخَلَّى مِن أهلِ الأرض، فأتْبعتُ بصري؛ فإذا هو نورٌ ساطعٌ بين يدي، حتى وُضِعَ بالشَّام، فمن أبَى أن يلحقَ بالشَّام .. فليلحقْ بِيَمَنِهِ، وليَسْتَقِ من غُدُرِهِ، (ليشرب من ماءه) فإنَّ اللهَ قد تكفَّل لي بالشَّام وأهلهِ(.


فهنئوا يا أهل الشام على هذا الاجتباء، وحاشاكم أن تبيعوه بعرض زائل، وأفلح من مد الله في عمره وكان فيها يوم يظهر شأنها في آخر الزمان، إذ فيها ينزل سيدنا عيسى، وفيها تكون الملحمة الكبرى، وإليها سيكون المحشر.

تحميل