مميز
الكاتب: مخلص حميد الدين
التاريخ: 10/09/2020

لامية العجم

مشاركات الزوار

لاميةُ العجم


سميت هذه القصيدة بـ (لامية العجم) تشبيهاً لها بـ (لامية العرب) لأنها تضاهيها في حكَمها وأمثالها، و(لامية العرب) هي التي قالها الشنفرى وأما (لامية العجم) فهي للطغرائي .


الشاعر : الطُّغرائي (455 – 513 هــ = 1063 – 1120 م)


الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد أبو اسماعيل مؤيد الدين الأصبهاني الطغرائي: شاعر من الوزراء الكتّاب، كان يُنعت بالأستاذ، وُلد بأصبهان واتصل بالسلطان مسعود بن محمد السلجوقي (صاحب الموصل) فولّاه وزارته _ ثم اقتتل السلطان مسعود وأخ له اسمه السلطان محمود فظفر محمود وقبص على رجال مسعود وفي جملتهم الطغرائي، فأراد قتله، ثم خاف عاقبة النقمة عليه لما كان الظغرائي مشهوراً به من العلم والفضل، فأوعز إلى من أشاع اتهامه بالإلحاد والزندقة، فتناقل الناس ذلك، فاتخذه السلطان محمود حجة فقتله.


ونسبة الطغرائي إلى كتابة الطغراء [1] ، له ديوان شعر وأشهر شعره (لامية العجم) وله كتب منها: (الإرشاد للأولاد)، (مختصر الإكسير) وللمؤرخين ثناء عليه كثير.


المنظومة


1

أصالةُ الرأيِّ صانتني عن الخَطَلِ

وحِليةُ الفَضلِ زانتني لدى العَطَلِ

2

مجدي أخيراً ومجدي أولاً شَرَعٌ

والشمسُ رأدَ الضحى كالشمس في الطَفَلِ

3

فيمَ الإقامةُ بالزوراء لا سكني

بها ولا ناقتي فيها ولا جملي

4

ناءٍ عن الأهلِ صِفرُ الكفِّ منفردٌ

كالسيفِ عُرّيَ متناه من الخِلَل

5

فلا صديقَ إليه مشتكى حزَني

ولا أنيسَ إليهِ منتهى جذَلِي

6

طال اغترابي حتى حنَّ راحِلتي

ورَحْلُها وقَرَى العسَّالة الذُبُلِ

7

وضَجَّ من لَغَبٍ نضوي وعجَّ لما

ألقى رِكابي ولجَّ الركبُ في عَذَلي

8

أُريدُ بسطةَ كَفٍ أستعينُ بها

على قضاءِ حُقوقٍ للعُلَا قِبَلي

9

والدهرُ يعكِسُ آمالِي ويُقْنعُني

من الغنيمةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ

10

وذِي شِطاطٍ كصدرِ الرُّمْحِ معتقلٍ

بمثلهِ غيرَ هيَّابٍ ولا وَكِلِ

11

حلوُ الفُكاهِةِ مُرُّ الجِدِّ قد مُزِجتْ

بشدةِ البأسِ منه رِقَّةُ الغَزَلِ

12

طردتُ سرَح الكرى عن وِرْدِ مُقْلتِه

والليلُ أغرَى سوامَ النومِ بالمُقَلِ

13

والركبُ مِيلٌ على الأكوارِ من طَرِبٍ

صاحٍ وآخرَ من خمر الكرى ثَمِلِ

14

فقلتُ أدعوكَ للجُلَّى لتنصُرَنِي

وأنت تخذِلُني في الحادثِ الجَلَلِ

15

تنام عيني وعينُ النجمِ ساهرةٌ

وتستحيلُ وصَبغُ الليلِ لم يَحُلِ

16

فهل تُعِيُن على غَيٍّ هممتُ بهِ

والغيُّ يزجُرُ أحياناً عن الفَشَلِ

17

إني أُريدُ طروقَ الحَيِّ من إضَمٍ

وقد حماهُ رُماةٌ من بني ثُعَلِ

18

يحمونَ بالبِيض والسُّمْرِ اللدانِ به

سودَ الغدائرِ حُمْرَ الحَلْي والحُلَلِ

19

فسِرْ بنا في ذِمامِ الليلِ مُعتسفاً

فنفحةُ الطِيب تَهدِينَا إِلى الحِلَلِ

20

فالحِبُّ حيثُ العِدَى والأُسدُ رابضَةٌ

حول الكناس لها غاب من الأسل

21

نؤم ناشئةً بالجزع قد سقيت

نِصَاُلها بمياه الغُنجِ والكَحَلِ

22

قد زادَ طيبَ أحاديثِ الكرامِ بها

ما بالكرائمِ من جُبنٍ ومن بَخَلِ

23

تبيتُ نارُ الهَوى منهنَّ في كَبِدٍ

حرَّى ونار القِرى منهم على القُلَلِ

24

يقتُلنَ أنضاءَ حبٍّ لا حَراكَ بهم

وينحرونَ كرامَ الخيلِ والإِبِلِ

25

يُشفَى لديغُ العوالي في بُيوتهِمُ

بنهلةٍ من غديرِ الخَمْرِ والعَسَلِ

26

لعلَّ إِلمامةً بالجِزعِ ثانيةً

يدِبُّ منها نسيمُ البُرْءِ في عللي

27

لا أكرهُ الطعنةَ النجلاءَ قد شُفِعَتْ

برشقةٍ من نِبالِ الأعيُنِ النُّجُلِ

28

ولا أهابُ الصِفاح البِيض تُسعِدُني

باللمحِ من خللِ الأستار والكِللِ

29

ولا أخِلُّ بغِزلان أغازِلُها

ولو دهتني أسودُ الغِيل بالغيَلِ

30

حبُّ السلامةِ يُثْني همَّ صاحِبه

عن المعالي ويُغرِي المرءَ بالكَسلِ

31

فإن جنحتَ إليه فاتَّخِذْ نَفَقاً

في الأرضِ أو سلَّماً في الجوِّ فاعتزلِ

32

ودَعْ غمارَ العُلا للمقديمن على

ركوبِها واقتنِعْ منهن بالبَلَلِ

33

رضَا الذليلِ بخفضِ العيشِ مسكنةٌ

والعِزُّ عندَ رسيمِ الأينُقِ الذُلُلِ

34

فادرأْ بها في نحورِ البِيد جافلةً

معارضاتٍ مثانى اللُّجمِ بالجُدُلِ

35

إن العُلَا حدَّثتِني وهي صادقةٌ

فيما تُحدِّثُ أنَّ العزَّ في النُقَلِ

36

لو أنَّ في شرفِ المأوى بلوغَ مُنَىً

لم تبرحِ الشمسُ يوماً دارةَ الحَمَلِ

37

أهبتُ بالحظِ لو ناديتُ مستمِعاً

والحظُّ عنِّيَ بالجُهَّالِ في شَغَلِ

38

لعلَّهُ إنْ بَدا فضلي ونقصُهُمُ

لعينهِ نامَ عنهمْ أو تنبَّهَ لي

39

أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها

ما أضيقَ الدهرَ لولا فسحةُ الأمَلِ

40

لم أرتضِ العيشَ والأيامُ مقبلةٌ

فكيف أرضَى وقد ولَّتْ على عَجَلِ

41

غالى بنفسيَ عِرفاني بقيمتِها

فصُنْتُها عن رخيصِ القَدْرِ مبتَذَلِ

42

وعادةُ النصلِ أن يُزْهَى بجوهرِه

وليس يعملُ إلّا في يدَيْ بَطَلِ

43

ما كنتُ أُوثِرُ أن يمتدَّ بي زمني

حتى أرى دولةَ الأوغادِ والسّفَلِ

44

تقدَّمتني أناسٌ كان شَوطُهُمُ

وراءَ خطويَ لو أمشي على مَهَلِ

45

هذا جَزاءُ امرئٍ أقرانُه درَجُوا

من قَبْلهِ فتمنَّى فُسحةَ الأجلِ

46

وإنْ عَلانِيَ مَنْ دُونِي فلا عَجَبٌ

لي أُسوةٌ بانحطاطِ الشمس عن زُحَلِ

47

فاصبرْ لها غيرَ محتالٍ ولا ضَجِرٍ

في حادثِ الدهرِ ما يُغني عن الحِيَلِ

48

أعدى عدوِّكَ أدنى من وَثِقْتَ به

فحاذرِ الناسَ واصحبهمْ على دَخَلِ

49

فإنّما رجلُ الدُّنيا وواحِدُها

من لا يعوِّلُ في الدُّنيا على رَجُلِ

50

وحسنُ ظَنِّكَ بالأيام مَعْجَزَةٌ

فظُنَّ شَرّاً وكنْ منها على وَجَلِ

51

غاضَ الوفاءُ وفاضَ الغدرُ وانفرجتْ

مسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعَمَلِ

52

وشانَ صدقَك عند الناس كِذبُهمُ

وهل يُطابَقُ معوَجٌّ بمعتَدِلِ

53

إن كان ينجعُ شيءٌ في ثباتِهم

على العُهودِ فسبَقُ السيفِ للعَذَلِ

54

يا وارداً سؤْرَ عيشٍ كلُّه كَدَرٌ

أنفقتَ عُمرَكَ في أيامِكَ الأُوَلِ

55

فيمَ اقتحامكَ لُجَّ البحرِ تركَبُهُ

وأنتَ تكفيك منه مصّةُ الوَشَلِ

56

مِلْكُ القناعةِ لا يُخْشَى عليه ولا

يُحتاجُ فيه إِلى الأنصار والخَوَلِ

57

ترجو البَقاءَ بدارِ لا ثَباتَ لها

فهل سَمِعْتَ بظلٍّ غيرِ منتقلِ

58

ويا خبيراً على الأسرار مُطّلِعاً

أُصْمُتْ ففي الصَّمْتِ مَنْجاةٌ من الزَّلَلِ

59

قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ

فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ


[1] الطرة تكتب في أعلى الكتب والرسائل غالباً تتضمن نعوت الحاكم وألقابه وأصلها (طُرغاي) وهي كلمة تترية استعملها الروم والفرس ثم أخذها العرب عنهم

تحميل