مميز

السلسلة: وقفات خالدات

الكاتب: الشيخ محمد ياسر القضماني
التاريخ: 25/06/2020

لعل الله يُهدي لي شهادة

مقالات

عن أم ورقة بنت نوفل : أن رسول الله ﷺ لما غزا بدراً قالت له : ائذن لي فأخرج معك فأمرِّض مرضاكم، لعل الله أن يرزقني الشهادة. قال: قرِّي في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة. قال : فكانت تسمَّى الشهيدة.


وفي رواية: تأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة . قال: إن الله مُهْدٍ لك شهادة . فكان يسميها الشهيدة.


***


رجالٌ لا كالرجال


ونساء لا كالنساء


إنه جيل فريد حقاً في تاريخ البشر !


كم درج على هذه الأرض ودبَّ من أناسيَّ ؟ ولكنَّ صحابة رسول الله طراز خاص من الناس !


المرأة تعتبر القتل في سبيل الله هدية ورزقاً من واهب هذه النفوس، أرأيت إلى الهدية كيف يهشُّ لها المهدى إليه، وكيف يأنس بها ويغتبط، ولربما كانت حديث مجلسه، وتحفة ناديه.


وكيف سيكون الظن إن كانت هذه الهدية من مالك السماوات والأرض، واهب كل شيئ، ورب كل شيئ ؟!


كلٌّ يعطي على قَدْره! فأنعم بهذه العطية!


(لعل الله أن يرزقني الشهادة)


أَلِف الناسُ أن الرزق مال أو متاع أو شيئ مما تستهويه النفوس فتعيش في بحبوحته ورغده.


ولربما تقاصر معنى (الرزق) في حسِّ أهل الدنيا إلى أن يكون وقفاً على دراهم ودنانير، لا يُعرف للرزق معنى سواه.


أما (الرزق) في حسِّ هذا الجيل الفريد فهو الانعتاق من أَسْر هذه الدنيا، والرحيل من هذه الفانيات إلى جنة عرضها الأرض والسماوات.


رزْقُهم أن يرتضيك الله لنصرة دينه، ورفعة شأنه.


رزقهم أن يصطفيك الله لخدمة الملّة، وإعزاز الأمة.


رزقهم أن تُتْحَفَ بالموت إن كان فيه حياة القرآن.


رزقهم أن تُكرم ولو بالرَّدى إن كان فيه الهُدى على المَدَى.


أناسٌ ما خُلقوا للشهوات ولكن للباقيات الصالحات !


نساؤهم والرجال على تلكم الخلال والفعال.


*****


وأيُّ شهادة نالتها أم ورقة الأنصارية التي جَمَعَت القرآن، والتي كانت تؤمُّ أهل دارها، والتي كان يزورها سيد الأولين والآخرين، والتي تدعى الشهيدة ؟


روى الرواة: أنها كانت قد دبَّرت غلاماً لها وجارية - أي علَّقت عتقهما بموتها - فقاما إليها بالليل فغمَّاها – غطَّياها - بقطيفة لها حتى ماتت، وإنهما هربا ، فأُتي بهما فصلبهما عمر - رضي الله عنه - وكان ذلك في إمارته؛ فكانا أوَّلَ مصلوبين بالمدينة، وقال عمر: صدق رسول الله كان يقول : انطلقوا بنا نزور الشهيدة.


****


أَوَ تظنون الشهادة مقصورة على ساحات الوغى - وإن كانت هي أسمى أنواعها وأغلاها وأرفعها - ؟!


لا ، إذن كان الشهداء والشهيدات قليلاً ونزراً ضئيلاً.


الشهادة أن تشهدك الملائكة حين حِمامُ موتك، وأنت على حال يُرضي خالق الحياة والممات. فَتزفَّ إلى كرامات خالدات، وروضات وجنات.


بخٍ بخٍ يا أم ورقة هديتك السَّنيَّة، ورزقك الكريم !!

تحميل