مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 13/10/2020

هكذا تشوّهت معالم الحشمة والحياء

مقالات

يقول سيدنا الحسن البصري: "والله لقد أدركت سبعين بدرياً  .. لو رأوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق - أي ما لهم نصيب من الخير - ولو رأوا شراركم لقالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب - أي حالهم لا يشبه حال من يؤمن بيوم الحساب". فلإن كان خيار أصحاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيقولون لأهل القرن الثاني - وهو من القرون الخيرية - هذا الكلام. فما المأمول لو نظروا إلى أحوالنا اليوم.


*     *     *


سنوات إثر سنوات ونحن نشهد تهاوناً بالثوابت والقيم، ما بين جيل وجيل تجد التغيير والتبديل، ما بين جيل وجيل تستشعر هبوطاً في ضوابط الحشمة، واضمحلالاً في مشاعر الحياء، والحياء كما هو معلوم فطرة موجودة في الإنسان منذ ولادته ..


ولو عدتم بالذاكرة إلى الأمس الدابر لوجدتم كم من فرق بين جيل اليوم وجيل من أدركتموهن من جداتكم، حيث كن يلبسن ما يسمى (الملائة) والنساء يلبسن الجلباب، مما يستر الجسد وشكله ولونه، وكانت النفوس آنذاك تنكر وتشمئز من البنت التي تلبس البنطال، ثم ظهر البانطو السابل الساتر؛ لكنه المرصوص على الجسد، ثم بدأوا بتلوين البانطو للبنات، مع الإنقاص من طوله شيئاً فشيئاً، ومع مرور الأيام بدأ البانطو الملون القصير يغيب عن الوجود مع تغييب الألبسة المحتشمة من الأسواق، ليتكشّف المستور من ضيق الثياب أو واسعها، وهكذا إلى أن غدت الكثيرات من المسلمات يلبسن ثياباً يحار العقل كيف ينزل الجسد فيها، يلبسن دون أن يلبسن، كما وصف سيدنا رسول الله، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: (كاسيات عاريات) تستر ما أمكن من شعرها، وتفضح ما أمكن من جسدها تحت مسمى ثياب. ومثل هذه الألبسة اليوم قد باتت عرفاً شائعاً، التنبيه إليها تزمت، والنهي عنها وقوف ضد التيار.


خلال عقدين أو ثلاث من الزمن حصل تحولٌ مريعٌ - بل تشوه فظيع، وما زالت هذه المراحل تتسلل رويداً رويداً لتفعل فعلها في ما تبقى من أطلال الحشمة والحياء، وتخرب ما أمكن من طهر وحياء وعفة ونقاء، حتى غدت اليوم - ويا للأسف - الفتيات الثابتات على ما يرضي الله ورسوله من ذوات اللباس السابغ الساتر ندرة في بعض المجتمعات، وأنعم بهن.


لقد شاع لبس الضيق، وشاع كشف الصدور والنحور، وشاع لبس القصير من الثياب. وسلوا اللواتي يحضرن حفلات الزفاف لتسمعوا ما يصدِّع الرؤوس ويدمي القلوب مما يتناهى إلى أسماع أرباب الغيرة والحرقة على المسلمين والمسلمات.


مسلمون ومسلمات يلبسن ثياباً مخرقة وممزقة لا عن فقر، ثياب تزري بلابسها ولابستها، ويخجل ذو المروءة من النظر إليها، ومع ذلك قد ارتضوها لأنفسهم وبناتهم، تحت اسم موضة وماركة وموديل، صدر أعداء الله لنا تفاهاتهم، ونحن قلنا مرحباً بما عندكم من تفاهات، فإن كانوا قد ضحكوا على عقول البنات والأمهات، فأين ذوو العقول والمروءات؟ أين الأب أين الأخ أين الزوج؟ أين الناصحون والناصحات؟ أين المربون والمربيات؟


حتى مفهوم الغيرة قد تشوهه من النفوس. والغيرة على الأهل والمحارم ليست ظاهرة مرضية ولا أمراً طرأ على حين غرة، الغيرة خلق محمود وأمر مطلوب شرعاً وعقلاً، الغيرة هي الصيانة عن التبذل والحرصُ على ألا يطلع سوى المحارم على ما لا يجوز له أن يطلع عليه. الغيرة خلق يحبه الله ورسوله، شعور رعاه الإسلام وعززه في نفوس المسلمين.


وفي البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة: "أتعجبين من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني". والله تعالى من غيرته وضع القيود وفرض الحجاب، ليسد على أصحاب النفوس المريضة الباب، فقال سبحانه: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ)، وفي سبيل ذلك صان الله عرض المؤمنات عن التهتك من خلال آية الحجاب. فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).


فما بالها يبلغ بها استهزاؤها بعرضها وزينتها أن تعرض نفسها في الطرقات لكل ناظر وخائب؟


كم من أم .. بدلاً من أن تشجع ابنتها على الحشمة، تمنعها من لبس الحجاب، بحجة أنها صغيرة؛ تنزع ما تبقى في قلبها من خلق الحياء.


كم من أم محتشمة .. بدلاً من أن تحبب إلى ابنتها لباس الصالحات، تلبسها لباس الساقطات، وبعد أن تكبر البنت وتشب عن الطوق، تشكو الأم تمرد ابنتها وأنها فقدت السلطة عليها، وتتساءل بكل سذاجة. لماذا تكره بنتي الحجاب؟ لماذا تكره الحشمة؟ وأنت أيتها الأم اليوم تجنين ما غرست في ابنتك بالأمس. هل حببت إليها الحشمة من الثياب، هل حدثتيها عن لباس السيدة فاطمة الزهراء؟ أم هل حدثتيها عن عفة وطهر السيدة عائشة الحميراء؟ أم هل ذكرت لها ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للسيدة أسماء، إذ قال لها: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا-  وأشار إلى وجهه وكفيه"؟ أم أنك فتحت عيني ابنتك على ما يبث من عري في الشاشات.


ماذا دهى المسلمين والمسلمات؟ من غش هذه الأمة فقلب لها المفاهيم؟ هل يمكن أن ينسخ الحياء؟ أم هل يمكن أن تتغير الضوابط والأحكام؟! هل يمكن أن يغدوا الصدق قبيحاً والكذب حسناً في يوم من الأيام؟ فكذلكم الحياء يبقى حسناً، ويبقى التهتك والعري قبيحاً مهما تعاقبت السنون والأيام؛ تنكره النفوس السليمة وتلفظه القلوب المستقيمة، ذلك لأن القيم الإنسانية ثابتة لا تتغير. والله تعالى يقول: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) فأين مظاهر تقوى الله في اللباس والحشمة؟


واحسرتاه على الحياء كيف تشوه بل مسخ من النفوس وضاعت معالمه؟


سقا الله أياماً كان كشف الرجل ساقه منكراً مستهجناً، وفي المسلمين اليوم من أظهر ساقه وما فوقه للناظرين دون خجل أو وجل في الطرقات. ماذا بقي لنا من الآداب المحمدية والأخلاق النبوية؟ ولا خير فيمن قطع صلته بخير البرية، وإذا قطع المسلمون رابط التبعية بخير البرية فإن النتيجة باتت حتمية، تسلط الأعداء وحصول البلاء والغلاء، والله تعالى يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

تحميل