مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 18/05/2020

هكذا تجلى اسم (الغني)

مقالات

من المخجل أن تتابع علينا النذر والنعم ونحن عن مرسل الأولى وعن المتفضل بالثانية ساهون غافلون، وأعيذ نفسي وأعيذكم أن نكون ممن قال الله عز وجل عنهم: )وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ(.


وإذا علمنا في المقال السابق كيف تجلى اسم الله القهار في هذه المحنة، فينبغي أن نتأمل اليوم كيف تجلى اسم الله الغني أيضاً، عسى أن نقتطف عبرة من هذا التأمل، فنزداد قرباً من الله، ومعرفة بأسماء الله.


إن فيما جرى من إغلاق للحرمين الشريفين في وجوه الطائفين العاكفين الركع السجود في موسم الطاعات، ثم في إغلاق المساجد بعد ذلك في وجوه المصلين بل والمواظبين من الأتقياء والصلحاء، إن في هذا الأمر الجلل عبرة وأي عبرة، عبرةٌ تحمل في طيها من معاني اسم الله الغني سبحانه وتعالى ما تحمل، فهو الغني وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو سبحانه لا يحتاج إلى أحد ويحتاج إليه كل أحد، وهذا هو الغنى المطلق الذي لا يشارك الله تعالى فيه غيره. غني حتى عن الملايين من عباده الذين كانوا يطّوفوا بالبيت العتيق على مدار الساعات واللحظات، فكم هي الدنيا بما فيها تافهة على الله عز وجل ... لا تعدل عنده جناح بعوضة.


فإذا علمنا هذه الحقيقة ندرك أن الله عز وجل قد تفضل على عباده عندما أذن لهم أن يعبدوه، بل هيأهم أن يخاطبوه، فشرفهم بمظهر العبودية والخضوع المتمثل بالصلاة أو بالانكسار عند الدعاء، أو بالانصياع لأي أمر من أوامره. فقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). فالدخول في حظيرة العبودية والانصياع لرب البرية تشريف قبل أن يكون تكليف.


وإذا استشعر المسلم هذا المعنى، التذ بكل ما يظهر فيه بمظهر العبد؛ التذ بصلاته، وبدعائه، التذ بتلاوة كلام الله عز وجل، بل يطرب كلما تكرر على مسمعه أو بصره خطاب الله في كتابه: يا عبادي.. نبئ عبادي.. إن عبادي.. أي شرف قد نلتُه عندما علمت أن الغني سبحانه يخاطبني، بل أي رفعة قد سموتُ إليها عندما أذن لي أن أناجيه .. وهو الغني عني وعن عبادتي.. ولو شاء لأهلكني ولأهلك من في الأرض كلهم جميعاً ..


خلقني من العدم، وجعل لي شأناً وذكراً. وذكرني بهذه الحقيقة في قوله: (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، ثم أذن لي أن أعبده، وجعلني عنده مذكوراً. فقال في الحديث القدسي المتفق عليه: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعهُ إِذَا ذَكَرَني، فَإن ذَكرَني في نَفْسهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفسي، وإنْ ذَكَرَني في ملأ، ذكَرتُهُ في ملأ خَيْرٍ منْهُمْ).


فإذا كان الإنسان من شأنه أن يطرب عندما يذكر بخير على ألسنة أرباب الغنى والجاه من أهل الدنيا، فكيف إذا كان الذاكر هو الغني سبحانه خالق الأغنياء ومعطيهم ورازقهم، والمذكور هو أنت يا أيها العبد؟!.


والإنسان الذي يستشعر هذا المعنى لا يمكن أن ينخلع من شرف وصف العبودية والتلذذ على أعتاب رب البرية، سواء أغلقت المساجد أم فتحت، لن يخرج عن هذا الوصف ولن يتكاسل عن أداء ما يستوجبه هذا الشرف.


وبالمقابل .. أي شرف قد طرد منه أولئك الذين يأبون أن يخضعوا لله ولأمره، وتوهموا أنهم بغنى عن الله أو أنهم منفكين عن قدره، أعني الذين لم ييمموا وجوههم شطر القبلة يوماً، ولم تعرف وجوهم المساجد، أولئك الذين تراهم اليوم يشرعون دخينتهم بكل عنجهية واستكبار على أوامر الله في بياض النهار، يتراءى له أنه مستغن عن الله، والحقيقة أنه مطرود من حظيرة العبودية لله بل من رحمة الله، وسيدرك المسكين قريباً الحقيقة الكبرى، عندما يأتيه ملك الموت ويأخذ منه بالغلاصم ليستل روحه، لكن بعد فوات الأوان. ترى ماذا سيبقى من عنجهيته في تلك الساعة؟! كلنا يعلم الجواب.


وأختم بحديث قدسي - رواه مسلم في صحيحه - يتجلى فيه من معاني اسم الله الغني ما يتجلى، وذلك فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربِه عز وجل أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديتُه فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر .. )


فلنتحقق بمعنى الافتقار إلى الغني القهار سبحانه، ولنضاعف الهمة فيما تبقى لنا من شهر المغفرة والرحمة، فإنا لا ندري هل سنكون ممن سيشهدون هذا الموسم من قابل؟!

تحميل