مميز
الكاتب: د. لقمان بن عبد الله
التاريخ: 18/04/2020

موقف المؤمن من فيروس كورونا COVID19

مقالات

رئيس قسم الفقه وأصوله - جامعة ملايا [ كولالامبور – ماليزيا]                    


العالم كله الآن منشغل بتفشى جائحة فيروس كورونا المسمى ب covid-19 وقد بلغ عدد المصابين في العالم كلها حتى الآن  قريباً من مليونين، وعدد الوفيات اكثر من مائة ألف وهذه مصيبة عظيمة لم يشهد مثلها تاريخ الانسانية منذ قرون بمثل هذه الشدة  وقد قدر الله ما شاء لخلقه ولا يحدث شئ الا بقدر وقضاء منه جل وعلا  فالكل  تحت علمه أزليا وهو تعالى يقول: (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (سورة الأنعام: 59) والقدر خيره وشره منه  كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم  (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49) وفي تفسير هذه الآية قال ابن عباس رضي الله عنه إن الله خلق الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر بقدر فخير الخير السعادة وشر الشر الشقاء.


وهذا هي الرؤية العقَدية لفيروس كورونا ولذلك يجب التعامل معه من هذا البعد . فتعالوا نرجع الى عقيدتنا السليمة ونأخذ الخطوة الصحيحة في مواجهته من حيث الأخذ باسباب المعالجة والقبض عليها والاعتماد على رب هذه الاسباب مع التوكل واليقين بأنه سيرفع عنا هذا الوباء.


فلنبدأ أولاً بما رسخه علماؤنا سلفاً وخلفاً أن الإيمان بالقضاء والقدر يوجب المرء أن يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى علم أزلياً بجميع أفعال العباد وما يتعلق بالمخلوقات كما يوجب أن يؤمن بأنه سبحانه وتعالى إنما أوجدها على القدر المخصوص الذي سبق العلم به وقد ذكر في هذا مثلا ابن حجر في شرحه على حديث ابن عمر عن الايمان بقوله (والقضاء علم الله أولاً بالأشياء على ما هي عليه والقدر إيجاده اياها على ما يطابق العلم) . وكذلك يوجب على المرء أن يثبت عقيدة أن كل شئ قد كتبه الله في اللوح المحفوظ كما ثبت في الحديث الذي رواه مسلم : (... ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم نطوي الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص).  


فإذا كانت هذه هي عقيدتنا فما هو دور الإنسان في حياته بعد أن يؤمن بيقين أن الأمر كله من الله وقد قدره أزلياً تحت علمه وارادته وقدرته ولماذا يؤمر الإنسان بالعمل بما تنتظم به حياته في هذه الدنيا من المعالجة والإصلاح والتربية وبما يرضيه من العبادات والأعمال الصالحة. ففي هذه المصيبة فيروس كورونا ما الذي على الإنسان أن يفعله إذا كان من قدر الله أن يموت الانسان بسببها فهل يبقى شئ عند الإنسان بعد هذا القدر الذي قدره الله للفرار منها ويسلك كل الخطوات العلاجية في مواجهتها؟


حقيقة مهمة يجب الالتفات إليها هي: أن الأخذ بالأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر بل الأسباب نفسها من جملة قدر الله للإنسان فالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته كان يأخذ بكل الاسباب في إبلاغ دعوته من التخطيط والمشاورة من أول يوم أن يبدأ رسالته للناس من مرحلة السر إلى الجهر وإلى الهجرات وإلى الغزوات وبناء المجتمع كلها تدل على أن الرسول أخذ الوسائل والأسباب ليؤدي الى ما فيه الخير والنجاح في عمله وفي نفس الوقت يؤمن بقدر الله خيره وشره فهذا التلازم بين الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب لا ينفك في العقيدة الإسلامية.


وبخصوص مسألة الوباء مثل فيروس كورونا المستجد هذه  فقد جاء في الحديث الصحيح  فيما رواه البخارى عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه في الطاعون أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقَدُمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ).  فهذا الحديث يرشدنا جلياً أنه إذا وقع الطاعون وهو من الوباء في أرض فلا يجوز لمن في خارجها القدوم عليها لأنه القاء بالنفس إلى التهلكة، ولا يجوز لمن في داخلها الخروج منها، لأنه سبب لانتشاره خارجها ولأن قدر الله مكتوب ومسجل لا مفر منه. كما يفهم منه أيضاً أنه من باب الإرشاد بكيفية التعامل مع الوباء من المحاصرة له ومنع الانتشار لدى الناس إذا فالقدر شيء والأخذ بالأسباب شيء آخر. فالأول يجب الإيمان به والثاني يجب العمل به وهو (الكسب) الواجب على العبد. وهو من ثمرة الايمان به فهذا عمر رضي الله عنه يعلمنا النطبيق العملي للإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب حينما امتنع من أن يدخل الشام وقت انتشار الوباء فقيل له: أنفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. إذاً فما تفعله الدول في العالم الآن من إغلاق الحدود وتوقيف الرحلات وتعطيل الدراسة والحجر الصحي ومنع التجمعات وحتى إغلاق المساجد ومنع كل موجبات تفشي العدوى هو من باب الأخذ بالأسباب بما بيّن الأطباء أن هذه الخطوات ضرورية لمنع انتشار هذا الوباء.  


والشيء الثاني:  لماذا قدر الله الشر من المكروبات والمكروهات من مثل هذه فيروس كورونا  المستجد مع أنه تعالى لا يظلم خلقه كما في قوله تعالى : (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ) (آل عمران :108) وكذلك في الحديث القدسي : (يا عبادي أني حرمت الظلم على نفسي ....) . فالمكروهات والمصائب واقعة ومشاهدة، وتتناقض فيما يبدو مع لطف الله ورحمته على عباده. ففي هذا الإشكال ينبغي أي يعرف بأن الخير والشر انما بالنسبة الي العباد أما بالنسبة الى الله عز وجل فالقدر كله خير. لأنه تعالى لم يخلق شيئا الا لحكمة ورحمة، ومظهر عدل بين الخلق، فأحيانا يرى الناس أنه من المكاره ولكن في الحقيقة أنه من لطف الله عليهم إما لاختبارهم وابتلائهم حتى يكونوا من الصابرين فيرفع الله درجاتهم وإما لتأديبهم حتى يدفع بهم الى الله بالتوبة والاستغفار، والعمل بما يرضى الله بهم وهذا معنى قوله تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكم) (البقرة: 216).


فالابتلاء والاختبار من سنة الله في هذا الكون وأن ما يراه الانسان مكروهاً وقد يكون في الحقيقة سبباً لرحمة الله بالخلق، عند تعاملهم مع مثل هذا الابتلاء تعاملاً حسناً من الصبر والعمل الصالح، فإذا ابتلى الله الانسان بشئ من المكاره فتح الله مع هذا الابتلاء أبوابا ًكثيرة للحصول على رحمته وفضله.  ففي قضية فيروس كورونا فتح الله للمصابيين  أجر الصبر وللوفيات أجر الشهادة وللعاملين في التعاطي بهذا الوباء أجر الصدقة والتعاون علي البر والتقوى وللناس جميعاً أجر الدعاء والحرص على صحة النفس والعائلة والغير. فهذه معنى ضروري في عقيدتنا (القدر خيره وشره من الله) . ومن هذا المعنى يفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رواه مسلم من حديث أبي يحيى صهيب بن سنان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له). فهذا أيضاً معنى الرضا بما قدر الله وهو الصبر والشكر بما يصيب الإنسان وإليكم ما قاله العلامة الشيخ سعيد رمضان البوطي (فإذا قضى الله بظهور أسباب للهلاك والدمار كالزلازل والخسوف والأوبئة فلحكمة قضى جل جلاله بذلك، ليس في ذلك من ريب. إذا فيجب الرضا بقضائه هذا الذي فيه كل الحكمة عرفنا وجه الحكمة فيه أم لم نعرف) (البوطي: الإنسان مسير أم مخير ص 224)


والأمر الآخر أن المصيبة في الحقيقة نتيجة عمل الناس الإفسادي في الحياة كما في قوله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) (الروم :41) فهي ثانيا لإرشاد الناس الى التوبة والإنابة اليه تعالى وهي نوع من الجزاء المعجل حتى يرجع المؤمن الى ربه ويقر بخطئه ويستيقظ من غفلته كما قال الله في كتابه الكريم (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون) (الأنعام : 42) .


فالمؤمن إذا ابتلي فصبر وتنبه إلى ما قد عمل من الذنوب، فتاب إلى الله متضرعاً راجياً المغفرة من الله وتقرب إليه فإن هذا سيكون سبباً لإنقاذ الله له من هذه المصيبة وسبباً لتكفير السيئات من عند نفسه ولرفع درجاته عند الله سبحانه وتعالى كما في الحديث عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته) (رواه مسلم)


هذا هو موقف المؤمن من وباء فيروس كورونا المستجد COVID-19 من الايمان بأنه قدر من الله تعالى أولاً، ثم وجوب الأخذ بالأسباب الوقائية والعلاجية. ثم الثقة بأن لله تعالى حكمة بالغة بهذه المصيبة، فشأن المؤمن في هذا الرضا بما قدر الله له. إذا استقر هذا في عقيدة المؤمن فإنه علي المنهج السليم  للتعامل مع هذا الوباء ويترتب عليه الفهم السديد والتصرف الصحيح نحو ما يجده من مثل هذا الابتلاء في حياته .




21 شعبان 1441 هجرية

تحميل