مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 11/04/2020

حي الميدان (البوابة الجنوبية لدمشق)

معالم الشام

(حي الميدان)


البوابة الجنوبية لدمشق


متحف بإرث حضاري متنوع


إخوتي القراء:


شهدت مدينة دمشق القديمة توسعات كبيرة على مر العصور، لأن الوافدين إليها من جنسيات مختلفة كانوا في تزايد مستمر، أفئدتهم قد عشقت أحاديث المصطفى في فضل الشام دمشق، قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالشام فإنها صفوة الله من بلاده، يجتبي إليها صفوته من عباده)، وقال: (ينزل عيسى بن مريم عليهما السلام، عند المنارة البيضاء شرقي دمشق).


فجاءت التوسعات خارج سورها القديم، وظهر في البداية (حي الصالحية) بسفح قاسيون شمالي دمشق، كنموذج لحاضرة دينية ثقافية اقتصادية رائعة، وليبدأ فيما بعد ظهور بقية الأحياء الدمشقية بروعة نافست (حي الصالحية)، برمزية العلم والدين والأخلاق المحمدية.
 ندعوكم للتعرف على حي جنوبي دمشق، رمزيته ليس فقط العلم والدين بل وخدمة الحجيج الوافد والخارج من دمشق، هيا نستمع للحكاية معاً .... 


نشأت مدينة دمشق القديمة وسط غوطة واسعة يرويها نهر بردى وفرعاه تورا وبانياس، وتوزعت في أطرافها القرى والمزارع، وكانت أزقتها وحاراتها ومساكنها موزعة بغير نظام، حيث شغل موقع المدينة الجانب الغربي من دمشق القديمة، والسائح المتجول يلحظ ذلك وهو يتجول بين أزقتها وحاراتها ....  ومنذ منتصف القرن السادس للهجرة أخذت الحياة تدب في الضواحي شيئاً فشيئاً، (كحي الصالحية) الذي امتد من سفح قاسيون شمال دمشق القديمة، واتصل بأسوارها باتجاه الجنوب ثم نشأت محلة (حكر السماق)، الذي يمتد فيه اليوم شارع النصر، و(حي العقيبة) شمالي سور دمشق، وبدأت الجوامع التي تقام فيها خطبة الجمعة تظهر خارج سور دمشق -حيث كانت محصورة بالأموي - ... فاتساع المدينة وظهور الأرباض النامية حديثاً مهّد لذلك رويداً رويداً، كمسجد الحنابلة في الصالحية، والماردانية في الجسر الأبيض والجراح في الشاغور والتوبة في العقيبة وجامع المصلى في الميدان، وبدأت عملية إعمار المناطق خارج السور نتيجة ازدياد عدد السكان والازدهار الاقتصادي، واتحدت المدينة القديمة بأرباضها وضواحيها من الشمال والجنوب والغرب، الصالحية في الشمال امتدت حتى الجنوب لتتصل بالسور، أما في الجهة الجنوبية لدمشق كان يتفرع من باب الجابية طريقان للقوافل:


ـ أحدهما يتجه للجنوب إلى حوران والحجاز، وهو طريق الحج، وكان يعرف في الماضي بالطريق العظمى، نشأ على طرفيه حي الميدان ومحلة القيبيات وينتهي الطريق في دمشق عند الموقع المعروف (ببوابة الله)، ثم يتجه إلى الكسوة فحوران.


 والطريق الثاني: يتجه نحو الجنوب الغربي طريق فلسطين ومصر، ويمر أوله بقرية داريا.


ومن الجنوب الغربي لدمشق القديمة، ننطلق عبر سطور التاريخ ونتأمل كيف نشأ وازداد اتساعاً حي عرف ب (حي الميدان) ليصبح ميدان تنافس علمي ديني، ثقافي، عمراني، اقتصادي بامتياز.


تعود بداياته الأولى إلى العصر الأموي..


حين كانت أرضه ميداناً لسباقات الخيل والفروسية، وكان الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك يحضر سباقات الخيل التي كانت تقام في أرض هذا الميدان الفسيح، كما كان يخيم بأرض الميدان منذ ذاك العصر زوار المدينة كالقوافل التجارية والقادة والأمراء ممن تضيق المدينة القديمة داخل السور عن استيعابهم، وقد شكَّلت هذه المخيمات النواة الأولى لبناء هذا الحي العريق، في  هذا العصر كان لدمشق  ميدانان عامان:


 ـ أحدهما في الغرب ويُعرف بالمرج الأخضر، حيث أقيمت مدينة المعرض الدولي القديم.


 ـ والآخر في الجنوب، وهو ميدان الحصى (حالياً باب مصلى)، حيث كانت حفلات السباق للفروسية تقام فيهما منذ العهد الأموي، خاصة عهدي عبد الملك والوليد بن عبد الملك.


 ومن ميدان الحصى في الجنوب، أو التي كانت تدعى البوابة الجنوبية لدمشق، حيث كانت طريق الحج والقوافل التجارية، ننطلق وإياكم في رحلة بين أزقة وحارات هذا الحي الذي ظهرت فيه معالم متوزعة هنا وهناك، مساجد وزوايا صوفية وكنائس مثل كنيسة حنانيا، وأسواق تجارية متنوعة الأغراض والاحتياجات، فارتبط (حي الميدان) بدمشق القديمة ارتباط الأصالة بالعلم والدين والتنافس المحمود، ليبدو (حي الميدان) خارج السور من أهم الأحياء الدمشقية.


ومما أعطى هذا الحي أهمية أكثر مرور قافلة الحج الشامي المتجهة نحو الحجاز وسمي (بالطريق السلطاني) بسبب مرور الأمراء والسلاطين منه في طريقهم إلى الحج ومصر وفلسطين.


كما ظهرت الأسواق المتنوعة الأغراض لخدمة الحجيج ، ومن ثم ظهرت الدور السكنية، وأصل تسمية (الميدان) قبل ظهور المنطقة السكنية بسبب أرضه الواسعة المستوية التي تصلح لسباق الخيل، أما الحصى فمصدرها التربة اللحقية المفروشة بالحصى التي كان يحملها الفيضان النهري.  


حي المَيْدان لغوياً:


بفتح الميم وتسكين الياء الميدان، أو تأثير حرف الياء على الميم الميدان.


حي الميدان جغرافياً:


يقع إلى الجنوب الغربي من دمشق القديمة، ويمتد إلى الجنوب على شكل لسان طويل في غوطات دمشق الشرقية الغربية الجنوبية، ومن الشرق بساتين الغوطة التي يطلق عليها المزرعة، ومن الغرب كانت حدود (حي الميدان) تنتهي عند الجانب الشرقي لشارع كورنيش الميدان، الذي يمتد مستقيماً من منطقة الإطفائية حتى ساحة الأشمر بمحاذاة جامع زيد والحسن وجريدة تشرين، ومن الجنوب يحد الميدان بستان كبير يدعى (بستان الزين)، وحدود حي الميدان الشمالي تنتهي عند منطقة السويقة، أي عند جامع (مراد باشا).


حي الميدان تاريخياً:


يقول ابن عساكر في كتابه (تاريخ دمشق):


_ "حارة الميدان المعروفة بالمنية"


والحقيقة سُمي بالميدان لأنه كان ميداناً واسعاً تقام فيه سباقات الخيل وجميع ضروب الفروسية من مبارزة ورماية ومصارعة عهد الوليد بن عبد الملك جنوب غرب المدينة، وكان ينزل ويقيم فيها كل من تضيق المدينة عن إيوائه كموكب الأمراء والوفود والجيوش والقوافل، هذه المخيمات شكلت النواة الأولى لحي الميدان.  وقبل ظهور حي الميدان كمنطقة سكنية، كان يطلق على أرضه «ميدان الحصى»، الذي كان موقعه في مكان منطقة باب مصلى حالياً، والذي يعرف أيضاً الميدان التحتاني، وقد سكنه الناس لقربه من المدينة، فهناك أيضا "الميدان الوسطاني" و "الميدان الفوقاني". 
لكن التسمية شاعت بعد ذلك لتشمل كل المكان الذي احتله (حي الميدان) الذي يقع اليوم إلى الجنوب الغربي من مدينة دمشق القديمة، ويمتد إلى الجنوب ويمتد على شكل لسان طويل في غوطات دمشق الشرقية والغربية والجنوبية. ولم يظهر (حي الميدان) بشكل واضح كمنطقة سكنية إلا في العصر المملوكي الممتد بين 658 ـ 922 هجري، حيث ظهرت في هذا العصر ثلاث تجمعات سكنية ممتدة من الشمال إلى الجنوب: السويقة، منطقة باب المصلى، قرية القيبيبات، سميت بذلك للمنازل التي تعلوها قبب.


 ثم شهد (حي الميدان) توسعاً كبيراً، في العصر العثماني، نتيجة زيادة عدد سكانه بسبب الوافدين الجدد إلى دمشق مع الولاة العثمانيين وحاشيتهم وجنودهم. فاتصلت المناطق السكنية الثلاث التي ظهرت في العصر المملوكي. وفي العصر العثماني ازداد هذا الحي ازدهاراً اقتصادياً كبيراً، منذ بدء انطلاق قافلة الحج ومرورها عبر شارعه الرئيسي. وكان الحي يشهد أربعة مواسمَ تجارية كبيرة في السنة، استلزمت ظهور عدد من المهن التي كانت تقدم خدماتها للحجاج، كما ظهر عدد من الأسواق التجارية التي تبيع مستلزمات الحجاج أثناء ذهابهم للحج، أو تشتري ما يأتي به الحجاج من أشياء على سبيل التجارة بعد عودتهم. وبعض هذه الأسواق كانت موسمية مرتبطة بفترة الحج، ثمَّ تحولت بعد ذلك إلى أسواق دائمة، ليغدو هذا الحي في نهاية العصر العثماني بشكله الحالي تقريباً.


وقد رافق قيام دورالسكن ظهور المساجد والأوابد العمرانية المتنوعة، كالزوايا، والخوانق والأضرحة والمقامات، وظهرت الأسواق المتنوعة التي تبيع الحجاج مستلزماتهم أو تشتري منهم حين عودتهم.


زادت أهمية (حي الميدان) في العهد العثماني، عندما سمي (الطريق السلطاني)، حيث شهد فيما سبق كرنفالاً سنوياً ضخماً للحج، يتقدم الموكب والي دمشق، حيث يبدأ الاحتفال من (الزاوية السعدية) ثم الاحتفال الثاني من (بوابة الله)، سُميت كذلك لأنها أول الطريق إلى الحج، ويتكرر الاحتفال حين عودتهم من الحج.


واليوم (حي الميدان) يتكون من مناطق سكنية توزعت على طرفي شارع الميدان الرئيسي باتجاه الغرب والشرق، تتفرع عنها أزقة بلغت نحو ثلاثين زقاق فيها، والزقاق: هو طريق ضيق منتشر على طرفيه دور السكن، كزقاق القرشي والعسكري والموصلي وأبو حبل وغيرها من الأزقة الضيقة،  أما الحارة: أكبر من الزقاق يكون فيها ساحة صغيرة، مثل القاعة، ساحة الحمام ... وغيرها.


وانتشر عدد كبير من المساجد المشهورة: كجامع الدقاق، ومنجك، جامع الخانقية، جامع التينبية، جامع باب المصلى، النقشبندي، الرفاعي، و غيرها من المساجد الرائعة.. معظمها تعود للعصر المملوكي.


و هناك عدد كبير من الزوايا كالسعدية، القادرية، الرشيدية، و غيرها. و يضم حي الميدان عدد كبير من الأضرحة والمقامات للصالحين من سكان الميدان ومن خارج الميدان.


أما الأسواق التي اشتهر به الميدان كثيرة: سوق تجارة الحبوب، سوق الغنم، سوق الجمال، سوق النحاسيات، سوق الجزماتية، سوق القبيبيات، سوق الخيل، وحالياً ازدادت الأسواق وتنوعت وازينت وبدا الحي بأجمل حلة تجارية.


أما المنازل فلم تكن تختلف عن البيوت الدمشقية من حيث الفتحة السماوية التي تحيط بها غرف البيت اختلفت مستوياتها بحسب الحالة المادية.


والحمّامات تعددت، وظهر ما يسمى بحمام السوق، حمام فتحي، الدرب، عقيل، التويتة، وغيرها من الحمّامات.


وفي الميدان أربع مقابر: مقبرة بوابة الميدان أقدم وأكبر مقبرة، الحقلة، الجورة، الأربعين.


وفي عصرنا الحاضر ازدادت وانتشرت في (حي الميدان) المعالم والمؤسسات الدينية والعلمية، لتصبح حاضرةً هامة رئيسية لمدينة دمشق الأصالة، ويبقى ساكنوها في تنافس شريف تميز بمصدريه القرآن والسنة.  


 
وهكذا وصلنا و إياكم إلى نهاية رحلة سياحية قد اكتسب فيها الروح و الجسد و العقل من زاد الدنيا والآخرة معاً، وخلصنا إلى أن (حي الميدان) إنما هو ميدان للتنافس السامي، بدأ من الإنسان في الأسرة لينتهي مع الآخرين في المجتمع، تجلى أثره في قول الله عز و جل: ((وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)).


و هكذا أخي السائح المتأمل ... ستمضي الأيام و السنون، وسينتهي عمرنا، وستشرق الشمس يوماً ما وقد صرنا تحت التراب، حينها سيفرح الموفقون في تنافسهم، وسيندم المسيئون، فقدم لنفسك خيراً لأنك لن تجد إلا نتيجة ما قدمت يداك. نسأل الله أن يوفقنا للصالح من القول والعمل ويُجنّبنا التسويف في توبة أو زلل يطول . 


المصادر و المراجع:


ـ تاريخ دمشق / ابن عساكر       ـ تاريخ دمشق / ابن القلانسي


ـ دمشق تراثها و معالمها / الريحاوي      ـ حي الميدان الدمشقي / أحمد بوبس