مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 07/05/2011

السلطان نور الدين زنكي

أعيان الشام

نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي


الملك العادل  511 – 569 هجري


قد أكرمه الله تعالى فسطّر سطوراً وضاءة في صفحات التاريخ ولم تتجاوز سنين عمره على الأرض ثمانية وخمسون عاماً، وُلد 11 من شوال سنة  511 هـ، مكث في الحكم 28 عاماً.


فمن هو نور الدين زنكي؟


هو نور الدين محمود؛ من أبرز شخصيات الدولة الزنكية، إذ تحفل سيرته بجهاد طويل ضد الصليبيين.


نور الدين محمود، الذي تولَّى إمارة حلب بعد وفاة والده (عماد الدين زنكي)؛ فوضع نصب عينيه السير على منهاج أبيه في جهاد الصليبيين، الذين كانوا قد بدأوا في احتلال إمارات الشام، وتمكَّن من التغلُّب عليهم في بعض المناطق، وتمكن من فرض سيطرته على عددٍ من قلاع الشام، كما استطاع - كذلك - أن يضم إنطاكية لإمارته، ثم دمشق بعد ذلك، ثم استطاع أن يضم إليه مصر، ودخلت تحت سيطرته.


 كان نور الدين محمود وهو في الثلاثين من عمره عندما أخذ على عاتقه واجب تحرير الأرض من الصليبيين المعتدين وتحرير بيت المقدس، وتوفير الأمان للناس، وأدرك أن الانتصار على الصليبيين لا يتحقق إلا بعد كفاح طويل ومرير حافل بالتضحيات، وكان ذلك المجاهد طالباً للعلم وساعياً لعملية البناء الحضاري بتألق روحي رائع، فأنصت أيها القارئ لوصف العلماء له:


قال ابن عساكر في حديثه عن نور الدين محمود:


"كان حريصاً على تحصيل الكتب الصحاح والسنن، كثير المطالعة للفقه والحديث، اعتنى نور الدين بمصالح الرعية، فأسقط ما كان يؤخذ من المكوس، وأعطى عرب البادية إقطاعيات لئلا يتعرضوا للحجاج، وقام بتحصين بلاد الشام وبنى الأسوار على مدنها، وبنى مدارس كثيرة منها النورية ودار الحديث، ويعتبر نور الدين أول من بنى مدرسة للحديث الشريف في دمشق، وقام نور الدين ببناء الجامع النوري بالموصل، وبنى الخانات في الطرق، وكان متواضعاً مهيباً وقوراً، يكرم العلماء، وكان فقيهاً على المذهب الحنفي، فكان يجلس في كل أسبوع أربعة أيام يحضر الفقهاء عنده، ويأمر بإزالة الحجاب حتى يصل إليه من يشاء، ويسأل الفقهاء عمّا يُشكل عليه، ووقف نور الدين كتباً كثيرة ليقرأها الناس.


ويصف ابن الأثير السلطان نور الدين قائلاً:


كان قائداً ربانياً عرف بتقواه وورعه، فقد كان حريصاً على أداء السنن، وقيام الليل بالأسحار،كما كان كثير الصيام، وتميز بفقهه وعلمه الواسع فلقد تشبه بالعلماء، واقتدى بسيرة السلف الصالح، وكان عالماً بالمذهب الحنفي وألف كتاباً عن الجهاد، ولم يُسمع منه كلمة فحش قط في غضب ولا رضى، صموتاً وقوراً، ومجلسه لا يذكر فيه إلا العلم والدين والمشورة في الجهاد.


 كان متواضعاً محبوباً، فعندما اتسعت دائرة سلطانه جاءه تشريف من الخلافة العباسية تضمن قائمة طويلة جليلة بالألقاب التي يُذكر بها عندما يدعى له على منابر بغداد ليعممها على بقية البلدان، فأوقفها واكتفى بدعاء واحد: اللهم أصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي.


 كان حريصاً على تطبيق أحكام الشرع، وقد ألغى جميع الضرائب التي تزيد عن الحد الشرعي بالرغم من الدخل الكبير التي تُدرّه والحاجة الماسة إليه لأغراض الجهاد، وكان يقول: "نحن نحفظ الطريق من لص وقاطع طريق، أفلا نحفظ الدين ونمنع ما يناقضه!."


ولم يكن اهتمامه منصبّاً على علوم الدين فحسب، بل كان يقدر لعلوم الحياة قدرها؛ فقد كان شديد الاهتمام بالابتكار في سائر المجالات كالفلك وعلم النجوم، وكان يحثُّ العلماءَ على الابتكار؛ من ذلك ما فعله مع رضوان بن رستم الساعاتي، الذي صنع الساعاتِ التي عند باب الجامع الأموي بدمشق، حيث كان يخصُّه بالكثير من المال والعطايا، حتى يتقدم في صناعته ويتقنها.


كذلك اهتمَّ نور الدين محمود بإنشاء المستشفيات (البيمارستانات)، وجعلها تقدم الخدمة الطبية المجانية للناس، وقد انتشرت هذه الخدمة في أغلب مدن الدولة الزنكية، وتُعتَبَر البيمارستانات من مفاخر الحضارة الإسلامية التي سبقت غيرها من الحضارات.


وكان الملك العادل نور الدين محمود وخلفاؤه من البيت الأيوبي هم أول من استكثر منها من الملوك والسلاطين، كما اهتموا بدراسة الطب وممارسته اهتماماً بالغاً وقايةً لبلادهم من الأوبئة والأمراض، وكانت حلب في عهد الملك نور الدين محمود إحدى مراكز تدريس الطب في بلاد الشام، وكان ميدان ذلك البيمارستان النوري الذي كان يؤدي رسالة علمية لها أهميتها في تدريس الطب إضافة إلى قيامه بوظيفته الأساسية علاج المرضى ومتابعتهم.


  البيمارستان النوري في دمشق:


يُنسَبُ هذا البيمارستان إلى الملك نور الدين محمود زنكي، وقد قال عنه ابن الأثير: وبنى البيمارستانات في البلاد، ومن أعظمها البيمارستان الذي بناه بدمشق؛ بلغني أنه لم يجعله وقفًا على الفقراء فحسب، بل على كافَّة المسلمين من غني وفقير .


وقد اشتهر البيمارستان النوري في دمشق في عهد نور الدين محمود زنكي بتدريس الطب، وأشار إلى ذلك ابن أبي أصيبعة وهو يُترجم لشيخه الطبيب أبي المجد بن أبي الحكم المتوفي سنة 570ﻫ-1174م؛ فالبيمارستان كان في ذلك العهد هو المكان الرئيسي لمهنة الطب والصيدلة من حيث التدريس والتطبيق، كما شاركه في ذلك مجالس العلم التي كان يعقدها الموصوفون بصناعة الطب وتدريسه لطلابهم، ولم تُشِر المصادر إلى وجود مدارس مستقلة بتدريس الطب في العهد الزنكي كما هو الشأن في العهد الأيوبي بعد ذلك، عندما أُنشِئت أول مدرسة خاصَّة لتدريس الطب سنة (621ﻫ= 1224م) وهي المدرسة قبلي الجامع الأموي بدمشق .


وأنصت لما روى أبو شامة قائلاً: وبلغني من شدة اهتمام نور الدين رحمه الله بأمر المسلمين حين نزل الفرنج على دمياط أنه قُرء عليه جزء من حديث كان له به رواية، فجاء في جملة تلك الأحاديث حديث مسلسل بالتبسم فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يبتسم لتتم السلسلة على ما عرف من عادة أهل الحديث، فغضب من ذلك وقال: إني لأستحي من الله تعالى أن يراني مبتسماً والمسلمون محاصرون بالفرنج .
ومع أن نور الدين رحمه الله حنفيّ المذهب إلا أنه نشر مذاهب أهل السنة الأربعة، وبنى المدارس، ووقف الأوقاف، وأظهر العدل والإنصاف والتسامح.


وحكى أبو شامة قائلاً:


"وبلغني أن إماماً لنور الدين رأى ليلة رحيل الفرنج عن دمياط في منامه النبي ﷺ وقال له: أَعْلِمْ نور الدين أن الفرنج قد رحلوا عن دمياط في هذه الليلة، فقال: يا رسول الله، ربما لا يصدقني، فأذكر لي علامة يعرفها، فقال : قل له بعلامة ما سجدت على تل حارم وقلت : يا رب انصر دينك ولا تنصر محموداً، من هو محمود الكلب حتى ينصر؟".


قال فبُهتّ ونزلت إلى المسجد، وكان من عادة نور الدين أنه كان ينزل إليه بغَلَسٍ، ولا يزال يتركع فيه حتى يصلي الصبح، قال فتعرضت له فسألني عن أمري، فأخبرته بالمنام وذكرت له العلامة، إلا أنني لم أذكر لفظة الكلب، فقال نور الدين: أذكر العلامة كلها وألح علي في ذلك، فقلتها، فبكى ـ رحمه الله ـ وصدق الرؤيا، فأرخت تلك الليلة، فجاء الخبر برحيل الفرنج بعد ذلك في تلك الليلة.


صلاحه وتقواه:


كان نور الدين رحمه الله صالحاً.. صادق الرؤيا.. "رأى النبي ﷺ في ليلة واحدة ثلاث مرات، وهو يقول له في كل واحدة منها: يا محمود أنقذني من هذين الشخصين، لشخصين أشقرين تجاهه، فاستحضر وزيره قبل الصبح فأخبره، فقال له: هذا أمر حدث في مدينة النبي ﷺ ليس له غيرك، فتجهز نور الدين وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك، حتى دخل المدينة على غفلة، فلما زار طلب الناس عامة للصدقة، وقال: لا يبقى بالمدينة أحد إلا جاء، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية التي قبلة حجرة النبي ﷺ من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب، قالا: نحن في كفاية، فجدّ في طلبهما حتى جئ بهما فلما رآهما قال للوزير هما هذان، فسألهما عن حالهما وما جاء بهما، فقالا لمجاورة النبي ﷺ فكرر السؤال عليهما حتى أفضى إلى العقوبة، فأقرا أنهما من النصارى ووصلا لكي ينقلا النبي ﷺ من هذه الحجرة الشريفة، ووجدهما قد حفرا نقباً تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي يجعلان التراب في بئر عنهما في البيت.


فضرب أعناقهما عند الشباك الذي شرقي حجرة النبي ﷺ خارج المسجد وركب متوجهاً إلى الشام راجعاً، فصاح به من كان نازلاً تحت السور واستغاثوا وطلبوا أن يبني لهم سوراً يحفظهم فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم"


وكان الفرنج يقولون: إن نور الدين له مع الله سر!! فإنه ما يظفر علينا بكثرة جنده وعسكره وإنما يظفر علينا بالدعاء وصلاة الليل، والله يستجيب دعاءه ويعطيه سؤله وما يرد يده خائبة، فيظفر علينا"، فقد "كان من عادة نور الدين أنه كان ينزل إلى المسجد بغلس، ولا يزال يركع حتى يصلي الصبح" .


كان نور الدين كثير الصيام، وله أوراد في الليل والنهار، وكان يقدم أشغال المسلمين عليها ثم يتم أوراده .


وكان يخصص في بيته مكاناً للعبادة، فقد روي أنه ألحق ببيته صُفّة يخلو فيها للعبادة، فلما ضربت الزلازل دمشق، بنى بإزاء تلك الصفة بيتاً من الأخشاب: فهو يبيت فيه ويصبح ويخلو بعبادته ولا يبرح، ولما توفي دُفن في البيت البسيط المقام من الأخشاب .


عندما فتح صلاح الدين بيت المقدس، أمر بالوفاء بالنذر النوري ـ أي نذر نور الدين ـ ونقل المنبر الذي بناه نور الدين ليضعه في المسجد الأقصى إلى موضعه القدسي، فعُرفت بذلك كرامات نور الدين التي أشرق نورها بعده .


 روى ابن الأثير عن عدل نور الدين بعد موته ـ وهو من أعجب ما يحكى ـ أن إنساناً كان بدمشق غريباً استوطنها وأقام بها لما رأى من عدل نور الدين ـ رحمه الله ـ فلما توفى تعدى بعض الأجناد على هذا الرجل فشكاه فلم ينصف، فنزل من القلعة وهو يستغيث ويبكي، وقد شق ثوبه وهو يقول: "يا نور الدين لو رأيتنا وما نحن فيه من الظلم لرحمتنا، أين عدلك؟ وقصد تربة نور الدين ومعه من الخلق ما لا يحصى وكلهم يبكي ويصيح فوصل الخبر إلى صلاح الدين فقيل له: احفظ البلد والرعية وإلا خرج عن يدك، فأرسل إلى ذلك الرجل وهو عند تربة نور الدين يبكي والناس معه وطيب قلبه ووهبه شيئاً وأنصفه، فبكى أشدّ من الأول، فقال له صلاح الدين: لم تبكي؟ قال: أبكي على سلطان عَدَل فينا بعد موته فقال صلاح الدين: هذا هو الحق، وكل ما ترى فينا من عدل فمنه تعلمناه.


لماذا لُقّب بالشهيد؟!


كان “نور الدين محمود” في الحرب ثابتَ القدم، حَسَن الرمي، صليب الضَّرب، يتقدم أصحابَه، ويتعرض للشهادة، وكان يسأل الله -تعالى- أن يحشره في بطون السِّباع وحواصل الطير، فأعطاه الله هذا اللقب وإن لم يمت في ميدان المعركة، ومات على فراشه ولازمه هذا اللقب في زمانه وإلى زمننا هذا يسجل في كتب التاريخ بنور الدين محمود الشهيد.


ويُقال أنه لُقّب بالشهيد لأنه شهد على طراوة يدي النبي ﷺ، عندما قبلها بعد أن أنقذه من سرقة جثمانه الشريف، فأي كرامة أنعم بها من كرامة سجلتها كتب التاريخ له؟


 آخر عهده ووفاته


استطاع نور الدين خلال 28 سنة - هي مدة حكمه - أن يحرر حوالي 50 مدينة وقلعة، وفي عام 569هـ، كان نور الدين قد أعد عدته للهجوم النهائي على بيت المقدس وتحريره، حتى إنه قد جهز منبراً جديداً رائعاً للمسجد الأقصى ليوضع فيه بعد النصر والتحرير، وراسل في ذلك “صلاح الدين الأيوبي”، الذي تلكأ بسبب الظروف الخاصة التي تواجهه في مصر، ولم يَرْضَ نور الدين بذلك التأخر، فقرر الذهاب إلى مصر وترتيب أمورها بنفسه، إلا أن المنية عاجلته، فتوفي -رحمه الله- في 11 شوال 570هـ، فأكمل بعده المهمة صلاح الدين، وحررالأقصى في 27 رجب 583هـ.


دفن في دمشق، في الحي القديم (في آخر منطقة الحريقة)، وبني بجواره مسجد سمي باسمه، والذي ما زال يقام فيه مجلس الصلاة على النبي ﷺ بعد ظهر يوم الجمعة، والذي أسسه فضيلة الشيخ محمد الهاشمي رحمه الله تعالى منذ أكثر من سبعين سنة، وتابع رعايته فضيلة الشيخ شكري اللحفي رحمه الله تعالى، إلى أن توفاه الله ودفن إلى جوار السلطان نور الدين الشهيد في مقامه...


ملاحظة: لم يشكر الله من لم يشكر الناس


"لكن وللأسف فإن هذا الصرح الذي يحوي على رفات هذا الرجل العظيم، قد نال منه الإهمال والزمان كل منال فمثل هذا الرجل لا يستحق ذلك، فنسأل الله سبحانه أن يكرمنا برؤية هذا المكان وقد أعطي حقه"


بعد نشر الكلام السابق بأربع سنوات تقريباً وتلبية لنداءٍ أطلقه الإمام الشهيد البوطي في دروسه فقام أحد المحسنين بإعادة ترميم المقام والمسجد، وبفضل الله سبحانه وتعالى تم افتتاح مسجد ومقام الإمام نور الدين الزنكي وذلك بتاريخ 15/06/2015م.


ألا رحم الله الإمام العادل نور الدين، وجعلنا خير خلف لخير سلف صالح.. آمين.


ولنا في سيرته موعظة تأسر القلب والروح في فضاء محبة وتعظيم سيد الخلق، محمد ﷺ .


المصادر و المراجع:


الكامل في التاريخ / لابن الاثير


تاريخ دمشق / ابن عساكر


الذيل على الروضتين / ابو شامة


البداية و النهاية / ابن كثير