مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 30/03/2012

جامع تنكز

مساجد الشام

جامع تنكز


 714هجري/  1314ميلادي


نسبة للأمير تنكز ، من أشهر حكام المماليك بدمشق




إخوتي القراء :


تفخر مدينة دمشق بدعوتكم في جولة سياحية بين أرجائها، مرتدية حلّة من أبهى الحلل، لِما وصفها سيد الخلق بأنها ستكون أكثر المدن مساجداً وأكثرها أبدالاً، صلى الله عليه وسلم ... 


جولتنا ستكون في العصر المملوكي المميز بالنشاط والازدهار العمراني، ففي هذا العصر كان التنافس شديداً في المجال العمراني، ازداد عدد المباني العمرانية وانتشرت، من مدارس ومساجد وقصور .. فقد وُضعت البذور الأولى لهذه النهضة العمرانية على يد نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي رحمهما الله .


 وفي عهد الأمير المملوكي تنكز الذي قام ببناء مساجد ومدارس مع تجديد القديم من الأبنية وبسيرة حسنة شهد له أهل الشام بذلك، فمن آثاره التي ترك له فيها بصمة على الرغم من تغيير الملامح الأصلية فيه، إنه جامع تنكز.  


جامع تنكز ...


موقعه :


خارج أسوار دمشق في شارع النصر، حكر السماق على نهر بانياس، واجهته الرئيسية من الجهة الجنوبية على شارع النصر، ومئذنته المملوكية من الجهة الشمالية تطل على ساحة المرجة.


وقال ابن كثير، في تاريخه سنة 717 هجري وفي صفر: شرع نائب السلطنة المشهور سيف الدين تنكز سنة 717 هجري في بناء الجامع الذي أنشأه في ظاهر باب النصر تجاه حكر السماق على نهر بانياس بدمشق، وقد تردد القضاة والعلماء في تحرير قبلته، فاستقر الحال في أمرها.


وقال ابن كثير في شعبان تكامل البناء: وأقيمت الجمعة فيه يوم العاشر من شعبان، وخطب فيه الشيخ نجم الدين علي بن داود بن يحيى الحنفي، المعروف بالقحفازي، من مشاهير الفضلاء بدمشق.


وحضر نائب السلطان والقضاة والأعيان والقراء والمنشدون، وكان يوماً مشهوداً.


التربة التنكزية :


بجانب الجامع وبجوار الخانقاه العصمية، مدفن الأمير سيف الدين تنكز حيث قتل بمصر سنة 744 عجري، وجيئ به بتابوت ودفن بتربته جوار جامعه.


من هو سيف الدين تنكز ؟


قال الصفدي:


تنكز الأمير الكبير المهيب سيف الدين أبو سعيد نائب السلطنة بالشام، كان من خواص الملك الناصر محمد بن قلاوون، الذي عينه نائباً لدمشق سنة 712 هجري، قبل أن يتدرج في المناصب، وقد أقام في دمشق ثمانية وعشرين عاماً، سمع صحيح البخاري ومسلم عدة مرات، ولُقّب بمعز الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء، له في سائر الشام آثار وممالك وعمائر، وقد جدد المساجد والمدارس ووسع الطرقات واعتنى بها، أنشأ بالقدس رباطاً وساق إليه الماء وأدخله الحرم مع باب المسجد الأقصى وعمر به حمامين وقيسارية. وبنى في صفد بيمارستان وخان، وبالقاهرة حمام وحوانيت وغير ذلك.


كانت علاقته بالناصر تشبه علاقة البرامكة بهارون الرشيد، ونهايته مثلهم، وعندما قتل على يد الناصر في الإسكندرية عام 741 هجري، دفن فيها ثم نقل إلى دمشق عام 744 للهجرة، ودفن في تربته اللصيقة بجامع تنكز، تأسف أهل دمشق عليه، وقد رثاه أهل دمشق والصفدي بأبيات طويلة.


وقد أجمع المؤرخون الذين عاصروه على الثناء عليه وعلى عدله وورعه وحزمه ونشره للأمن مع الازدهار العمراني في ربوع الشام. 


وصف الجامع :


ويصف الجامع من كتاب ثمار المقاصد في ذكر المساجد / لابن عبد الهادي، ت: 909هجري:


للجامع جبيهة حجرية فيها أربعة أبواب، اثنان يؤديان إلى القبلية واثنان إلى الصحن الذي فيه بركة كبيرة يجري بها مياه نهر بانياس، وإلى يمين الداخل من الباب الأول ضريح الواقف وولده، المحراب حجري والمنبر من الحجر وفوق موقف الخطيب قبة صغيرة، وفي الجهتين الشرقية والغربية غرف أرضية وعلوية، وفي الجهة الشمالية تقوم المأذنة العالية التي تعد من أروع المآذن اتقاناً وبساطة وقد جددتها دائرة الأوقاف الإسلامية، وبقي من آثاره : بوابته الفخمة والتربة والمئذنة.


ثم يصف البدري من علماء القرن التاسع للهجرة جامع تنكز ، فأنصتْ لوصفه من كتابه "محاسن الشام" :


(أما جامع تنكز فإنه في الشرف الأدنى وهو من الغايات هندسة، بناء فيه عشرون شباكاً على خط الإستواء يشرف على الأنهار ومرجة الميدان وما حوى، وبوسط صحنه يمر نهر بانياس يتوضأ منه الناس وبه ناعورتان يملآن ويفرغان إلى حوضين بهما سائر الأشجار وجميع الرياحين والأزهار، وبينهما بركة مربعة بها كأس في غاية التدوير، يجري الماء إليها من النواعير، فهو متنزه يقصد، وللمصلي معبد، وفي كل شرف منهما عدة المدارس والمساجد، ولكل واحد ما يكفيه من الأوقاف، استولت عليها أيدي المفسدين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم).


وتخبرنا المصادر: في سنة 795 هجري، أجرى الأمير صلاح الدين بن محمد بن تنكز إصلاحات على المسجد، فعاد أجمل مما كان واحتفل بذلك، وبقي محافظاً على بهائه حتى أواسط القرن الثالث عشر.


وفي القرنين الأخيرين، جرى عليه تعديلات كبيرة: ففي عام 1247 للهجرة اتخذه ابراهيم باشا المصري ثكنة عسكرية، وكذلك في العهد العثماني، وفي العهد الفرنسي أصبح مدرسة حربية، ولقد أُحرق الجامع في عدوان 29 أيار 1945 ميلادي، ثم جُدّد، وقامت إدارة الأوقاف سنة 1371 للهجرة، بهدم واجهته الجميلة، ثم المسجد كله وأقامت مكانه محلات تجارية، بني فوقها المسجد بالأسمنت والحجر الأبيض، وشتان بينهما، و قد اقتُطع قسم من صحن الجامع الشمالي، و جعل مدرسة شرعية للبنات فتقلصت مساحته الإجمالية من 6177 مترا إلى 5416 متراً.


قال الريحاوي يصف مآذن دمشق في العصر المملوكي قائلاً:


(طرأ تغيير على المآذن في العهد المملوكي، فبعد أن حافظت على شكلها المربع وبساطتها قروناً عديدة، تعددت أشكالها في العصر المملوكي وغدت أكثر رشاقة وحفلت بأنواع الحلى المعمارية، كالمقرنصات والحشوات الهندسية والأشرطة الكتابية وشتى أنواع النقش، كمتذنة جامع الأقصاب ومئذنة جامع تنكز).


في الختام أيها السائح الدمشقي، نترك لك الوصف التصويري لهذا الجامع المملوكي والذي بالرغم من تغيير ملامحه، فإن عنوانه سيظل يدلنا على بصمة إنسان ترك أثراً مقدساً يذكر فيه الله عز وجل، ولا زالت تقام فيه الصلوات والجمعة، والدروس العلمية الدينية، ذلك كله في ميزان حسنات صاحب ذاك الجامع.


و ماذا بعد أيها الساكنُ دمشقَ ؟


دمشق تنتظر منك حسن التأمل والتدبر أثناء السير في أرضها التي بوركت على لسان سيد الخلق، و بركتها من حسن التدبر لأقواله صلى الله عليه و سلم، فهل نستجيب و نناجي المولى بصدق لأن نكون من خيرة العباد؟


المصادر و المراجع :


ـ ثمار المقاصد في ذكر المساجد / لابن عبد الهادي


ـ  الدارس في تاريخ المدارس / النعيمي


ـ العمارة العربية الإسلامية / الريحاوي


ـ  خطط دمشق / أكرم حسن العلبي


ـ الحوليات الأثرية / مديرية الآثار و المتاحف، مجلد 35