مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 30/01/2012

جامع التوبة

مساجد الشام

(جامع التوبة) في عقيبة دمشق


ثاني جامع يُبنى على نسق الأموي بعد الحنابلة


     الباحثة نبيلة القوصي


  إخوتي القراء:


قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( من بنى لله مسجداً بنى الله له مثله في الجنة)


بنسائم حديث المصطفى نمضي معاً ، و من بين أزقة دمشق المباركة نسير خارج السور جنوب مقبرة الفراديس، و من حي العقيبة الأصيل بتاريخه ، و الذي اشتهر بتخريجه خيرة العباد لأرض الشام التي امتدحها سيد الكون، نمضي و إياكم بين أزقة قديمة تنبعث منها نسمات روحانية رائعة تلامس شغاف القلب ، تحرك ألستنا داعية لمن سار و مضى و أصبح من السلف الصالح و ذكره و أثره ما يزال يدل عليه بأعماله الطيبة، فتعالوا نصغي لقصة جامع عُرف باسم (جامع التوبة)، نتسائل عن سبب التسمية و من الذي بناه ؟ و خير إجابة نبدؤها من أقوال المؤرخين الدمشقيين، فماذا قال السلف عنه ؟


 قال النعيمي في كتابه (الدارس في تاريخ المدارس):


"بالعقيبة": قال ابن شداد أنشأه الملك الأشرف أبو الفتح موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب في سنة 632 هجري، و كان يُعرف قديماً بخان الزنجاري، وكان به كل مكروه من القيان وغيره، وولي خطابته علماء أجلاء، والذين أنشدوا الملك الأشرف منهم من قائلاً :


 يا مليكا قد أقام           العدل فينا و أبانه


قال قل للملك الأشرف     اعلا الله شأنه


كم إلى كم أنا في           ذل و بؤس و إهانة


و الذي قد كان من        قبل يغني بجفانه


ثم قال ابن شداد: ثم ولي خطابته و نظره الشيخ بدر الدين يحيى ابن الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، و جدّد قبلته و محرابه و ذهبه، و بيّض اساطينه البرانية و أورقته الشمالية، و صانه أتم صيانة، و جدد له ربعاً و وقفه عليه، و فوض إليه ذلك الامام فخر الدين بن حمويه في الأيام الصالحية النجمية، و تولاه بعده اخوته ، و هو بأيديهم إلى الآن. انتهى".


و قال ابن عبد الهادي في كتابه ( ثمار المقاصد في ذكر المساجد):


"مسجد التوبة خارج باب الفراديس"، وذكر في حاشية الكتاب أن الملك الأشرف خرب الخان الزنجاري الذي كان فيه خواطئ وخمور، وأمر ببناء جامع مكانه سمي بالتوبة، وكذلك قال ابن خلكان في ترجمة الملك الأشرف موسى رحمه الله.


و قال الريحاوي رحمه الله:


جامع التوبة يقع في محلة العقيبة، وهو الجامع الثاني الذي بني على نسق الجامع الأموي، شيده الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر سنة 631 هجري / 1233 ميلادي.


وهكذا كان من سبب التسمية ب (جامع التوبة) لأن مكانه كان خانا للمنكرات، وقد جعل الأشرف من هيكله شبيه بالأموي تيمنا به ليكون كمركز علمي ديني يواكب النهضة العلمية في دمشق، و قد كان ولا زال متألقا يسمو بالرغم من تعرض الجامع لعوارض الزمان من هدم على يد التتر أو حرق ، لكنه لا يزال قائماً بجدرانه و لتبقى آثاره القديمة الأيوبية المملوكية تذكرنا بتوالي العصور عليه و لا زالت الصلوات المفروضة و الجمعة معقودة قائمة لم تتوقف منذ ذاك الزمان ! فقد تعاهد الطيبون الصالحون على إرساء معالم منهج النبوة المحمدي، فجزاك الله عنا خيراً أيها الملك الأشرف موسى، و كذاك أجرك عند الله عز و جل ما زال يصلك إلى أن تقوم الساعة.


و هذه هي مدينة دمشق المباركة ، توقظ الغافل و تُرشد الضّال بدفء أرواح عشقت أحاديث المصطفى عن الشام ، فتفاعلت نفوسهم و قلوبهم بجهادٍ مقدّس ، يطمح لعمارة الأرض بما يحب المولى و يرضى، ليكونوا ممن قال عنهم خير أمة أُخرجت للناس، هلّا أبصرنا ؟


اللهم اجعلنا خير خلف لخير سلف، نتجول بين أروقة هذا الجامع و نتأمل كيف يكاد يواكب الأموي في مخططه، و أنِ الحمد لله أنّ حلقات العلم الشرعي تنشط باستمرار في الجامع ، بهمة و إرادة لا تفتر ، ولا زال يؤمّه علماء أجلاء يرسخون معالم المنهج المحمدي، فجزاهم المولى عنا خير جزاء. 


المصادر و المراجع: 


ـ الدارس في تاريخ المدارس / لعبد القادر النعيمي


ـ ثمار المقاصد في ذكر المساجد / ليوسف ابن عبد الهادي


ـ العمارة العربية الإسلامية / لعبد القادر الريحاوي