مميز
الكاتب: أ. د. حسان الطيان
التاريخ: 12/03/2011

أثر وسائل الإعلام في اكتساب ملكة الفصاحة اللغوية

مقالات
أثر وسائل الإعلام في اكتساب هذه الملكة
د. حسان الطيان
تغزو وسائل الإعلام مرئيةً ومسموعة ومقروءة كل بيت، فتصل إلى الصغير والكبير، ويتأثر بها كل إنسان شاء أو أبى، طوعًا وكرهًا، وهي بلا شك تشتمل على الصالح والطالح، والنافع والضار، والمصلح والمفسد، فإن نحن أحسنَّا توجيهها في خدمة موضوع الفصاحة واكتسابها، كان لها الأثر الكبير في ذلك.
ولقد أثبت البرنامج التلفازي المشهور (افتح يا سمسم) صدق هذه المقولة، إذ كان له الأثر الناجع في لسان الأطفال، فالتفوا حوله على اختلاف لهجاتهم وأقطارهم ومنازعهم ومشاربهم ليفهموا أوَّلاً كل كلمة فيه لأنه استعمل العربية الفصيحة المألوفة المأنوسة، وليحاكوا ثانيًا أسلوبه في استعمال هذه اللغة، مما مهد لظهور الكثير من أفلام الأطفال المتحدثة بالعربية، وهو أمر دفع إليه رغبةُ المنتج في بيع هذه الأفلام وتسويقها في كل أرجاء الوطن العربي الكبير، فكانت العربية خير ملاذٍ يلجأ إليه، إذ بها يستطيع أن يدخل كل بيت عربي على امتداد الوطن العربية الكبير، فإذا كان الدافع الرغبة في الربح والتجارة فلِمَ لا يكون أيضًا الرغبة في نشر العربية السليمة في كل صقع عربي؟ بل لم لا يجتمع الأمران فنخضع هذه البرامج لرقابة لغوية تنفي عنها آثار الركاكة والخطأ الشائع واللحن وما إلى ذلك مما يضير بالفصاحة، وتكسوها ثوبًا قشيبًا من الفصاحة والبلاغة والبيان.
إن مثل هذا العمل العظيم واجب ديني وقومي ووطني، ينبغي أن يحظى بالقرار السياسي الحكيم الذي يفرض هذه الرقابة اللغوية على كل ما تنتجه وسائل الإعلام ليصل نتاجها إلى أبناء العربية بريئًا من كل ما يشوب اللغة من أوضار العجمة واللهجات المحكية واللحن... وينبغي أن تناط مهمة الرقابة هذه بالمجامع العربية التي تضم صفوة المختصين بالعربية الذائدين عن حماها الحاملين لواءها في كل محفل. ولن يكون ذلك بدعًا من القرارات السياسية، فقد سبق أن اهتمت كثير من الهيئات العربية بمسألة الإعلان وأسماء المحالّ التجارية فمنعت أن يستعمل فيها اللفظ الأجنبي مهما كان، واستمر ذلك مدة عام من الزمن ثم تراخت القبضة، وخَبَت العزيمة، وفترت الهمة، فبدأت الأسماء الأعجمية تظهر ثانية!.
وما زالت مجامع اللغة العربية تدعو في كل ندواتها ومؤتمراتها إلى وجوب استعمال اللغة العربية في الإعلام والإعلان، بل إن مجمع اللغة العربية بدمشق خصَّ هذه القضية بندوة مفردة دعاها "ندوة اللغة العربية والإعلام" عقدت في رحاب المجمع (21 - 23/11، عام 1998)، وخرجت بتوصيات جليلة تدعو إلى التزام العربية في وسائل الإعلام، ووجوب التعاون مع مجمع اللغة العربية لتتجنب هذه الوسائل كثيرًا من أغلاطها وأخطائها في اللغة، ولتنفي عنها غوائل ألمت بها وطال العهد عليها وآنَ لها أن تعود إلى رشدها.
ونحن نقول: ما أجملها من توصيات، وما أروعها من قرارات، لو أنها تخرج من حيِّز القول إلى الفعل، ومن حيز الورق إلى التطبيق والعمل!!
دور وسائل الإعلام في خدمة اللغة العربية
كان هذا هو عنوان الندوة التي شاركت فيها في منتصف الشهر الثاني من هذا العام بدبي (15-17/2/2010) بدعوة كريمة من وزارة التربية في دولة الإمارات العربية، والمركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج, وبحضور ممثلين وخبراء تربويين وإعلاميين من الدول الخليجية ، وكنت واحدا من فريق عمل ضم كلا من د. خالد القحص من قسم الإعلام ود.محمد نشمي من قسم اللغة العربية بجامعة الكويت. ود.عبدالله بدران من وكالة الأنباء الكويتية.
وفي محاضرتي التي ألقيتها في مستهل هذه الندوة حاولت أن أبين واقع لغة الإعلام المسموع والمرئي متتبعا ما فيها من ظواهر سلبية أهمها:
1- شيوع العامية في كثير من البرامج.
2- فشو المفردات الأجنبية في ثنايا الخطاب الموجه إلى المتلقي العربي، بل لقد غدت هذه المفردات عناوين لبرامج مشهورة وأسماء لمحطات واسعة الانتشار في دنيا العرب.
3- كثرة الأخطاء اللغوية والنحوية والصرفية في العربية الفصحى التي تستخدم في بعض البرامج.
والحق أن آخر هذه الظواهر لا يقل عن أولها خطورة إن لم يزد، ذلك أن المتلقي يتوقع أن يسمع في هذه البرامج لغة فصحى لا تشوبها شائبة من لحن أو خطأ، فيرعيها سمعه، ويأخذ عنها لغته بسلامة نية وحسن طوية، دون أن يخطر في باله ما تحمله من أذى على لغته وسليقته، ويبدو الأمر أكثر حرجا وخطورة في نوعين من أنواع البرامج الإعلامية هما:
أ- الأغاني والأناشيد التي تنشد بالفصحى وتشتمل على أخطاء نحوية ولغوية، إذ إنها سرعان ما تجد طريقها إلى ذاكرة الناشئة فتحفظ، ويكون من وراء ذلك بلاء عظيم، وكروب جسام، تتمثل في فساد الذائقة اللغوية لديهم، وفساد القياس الفطري الذي حباهم الله به، فالطفل يحاكي ما يسمع ويقيس على ما يحفظ،فإذا سمع الصواب نشأ وشب عليه، وإذا سمع الخطأ تلقفه وقاس عليه. يقول الأستاذ الدكتور مازن المبارك عضو مجمع اللغة العربية بدمشق:" وما دامت اللغة تكتسب بالسليقة والممارسة فلا بدّ اليوم من العودة إلى سليقة النص القرآني والنص الأدبي الرفيع؛ يكثر المتعلّم من مطالعته وحفظه لتصبح لديه سليقة يقلّد بها اللغة التي سمعها وحفظها.. إن التقليل من ساعات القرآن في المرحلة الابتدائية وما قبلها خطأ لغوي وتربوي وقومي،لأن المتعلّم في تلك المرحلة الابتدائية وإن لم يكن مدركاً للمعاني التي تعبّر عنها الآيات القرآنية يستقرّ في أعماقه أنموذج من الصياغة اللغوية يصبح أشبه بالمثال الذي يقتفيه أو يصبح السليقة التي يقيس عليها ويولّد لغته على مثالها وبذلك تقوى لغته وهي اللغة الأم التي تربطه بقومه".
2- بعض البرامج الدينية التي يقدمها دعاة لا يتقنون العربية: إذ إن كثيرا من نصوص الكتاب والسنة تشوه على ألسنتهم، ويعتريها اللحن والخطأ، وهنا تكمن الطامة الكبرى، لأن المتلقي يُرعيهم سمعه وقلبه، ويتلقف عنهم كل ما ينطقون به، حبا بهم، وتقديرا لهم،دون أن يدري أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويفسدون النصوص المقدسة جهلا لا قصدا، فمعاذ الله أن نشكك بمقاصدهم، ونطعن في نواياهم، فغاياتهم نبيلة ومقاصدهم لاشك خالصة _ ولا نزكي على الله أحدا- ولكن الغاية لاتسوّغ الوسيلة، ولا ينبغي لأمثالهم أن يجهلوا لغة القرآن، وأن يستهينوا بالنصوص المقدسة التي هي قوام لغتنا، وصمام أمانها، بل هي التي حفظت لنا أمر هذه اللغة على الرغم من كل الأخطار المحدقة.
ب - سبل الارتقاء بلغة الإعلام
هل يدرك الذين يقومون على وسائل الإعلام خطورة الساحة التي يتقدمون للعمل فيها وضخامة الأثر الذي يخلفونه؟
أيدركون أنهم حين يتصدون لمثل هذا العمل الفكري العظيم إنما يتحكمون في غذاء الملايين من الناس، وأن في أعناقهم أمانة الوفاء لهذه الملايين وإيثارها بكل نافع ومفيد؟.
أيفكر الذين يقرعون آذاننا بلغة ملوثة يشيع فيها الخطأ واللحن والركاكة والضعف والعامي والأجنبي بخطورة بل بجريرة ما يصنعون على أمننا اللغوي والثقافي؟.
إن الارتقاء بلغة الإعلام ليس أمرا سهلا، ولكنه ليس بالمستحيل. وإذا أيقنا أننا أمام معركة تبدو في ظاهرها دفاعا عن العربية، ولكنها في عمقها وجوهرها دفاع عن الهوية والانتماء، ودفاع عن الوجود العربي والإسلامي ذاته في مواجهة التغريب والاندثار، علمنا مقدار المسؤولية الملقاة على عواتقنا، فهان في سبيل تحقيقها كل صعب، وتيسر كل عسير.
وسنحاول فيما يأتي أن نقترح خطة ذات شعبتين، تخص الأولى سبل النهوض بلغة وسائل الإعلام، وتخص الثانية سبل خدمة هذه الوسائل للعربية.
أما سبل النهوض بلغة وسائل الإعلام فهي:
1- انتقاء المذيعين ومقدمي البرامج: يجب أن يشترط فيمن يرشح للعمل مذيعا أو مقدما، أن يكون حاصلا على الإجازة في اللغة العربية وآدابها بدرجة جيدة على الأقل، فضلا عن مؤهلاته الإعلامية. وأن يخوض مسابقة ينتقى من خلالها الأكفأ لغويا.
2- أن يخضع المذيعون والمقدمون لدورات لغوية تأهيلية، يجري فيها التركيز على المهارات الآتية:
أ- النحو الإعلامي الوظيفي: ويندرج تحته كل ما يعين على إقامة اللسان من بحوث النحو، ولاسيما علامات الإعراب الفرعية (كرفع المثنى بالألف ونصبه وجره بالياء...).
ب- الإلقاء والأداء: ويندرج تحته كل ما يسهم في تحسين الإلقاء وتجويده، من معرفة مخارج الأصوات وصفاتها،و مواضع الوقف والوصل والفصل، وما أشبه ذلك من نبر وتنغيم .
ج- الأخطاء الشائعة: وهي تلك المفردات والتعابير التي تخالف النظام اللغوي العربي نحواً أو صرفاً أو إملاءً أو لغةً أو تركيباً، وقد انتشرت على ألسنة الناس وحلت محل الصواب، ورسخها عند الكثيرين المقولة الفاسدة : خطأ شائع خير من صواب ضائع. وقد تصدى لهذه الظاهرة كثير من اللغويين، كالعدناني في معجم الأخطاء الشائعة والزعبلاوي في معجم أخطاء الكتاب، ولعل من أهم ما صدر في هذا المجال كتاب "أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكتاب والإذاعيين" للدكتور أحمد مختار عمر لأن له عناية خاصة بأخطاء المذيعين.
3- تطوير الإمكانات اللغوية باستمرار:
وذلك بعقد دورات تقوية دورية، يتبعها المذيع والمقدم كل مدة، ليجدد اطلاعه اللغوي، وينمي مهاراته الأدائية، ويكتسب المزيد في مجال التذوق الأدبي والمعرفة اللغوية.
4- الرقابة اللغوية المستمرة:
لابد من وجود رقابة لغوية دقيقة وصارمة على ما يبث من برامج، لاسيما تلك التي تعنى بالثقافة والأخبار والأدب والدين، وقد ثبت أن الإذاعات والقنوات التي تعنى بهذه الرقابة هي الأرقى لغويا،والأعظم انتشارا،والأبعد عن الوقوع في الغثاثة والتفاهة.
ج - سبل خدمة وسائل الإعلام للعربية
ثمة سبل كثيرة تستطيع وسائل الإعلام أن تخدم من خلالها اللغة العربية، والحق أن أولى هذه السبل وأهمها صلاح لغة الإعلام وخلوها من الخلل اللغوي، إذ بصلاحها صلاح ألسنة الأمة وبفسادها فساد ألسنة الأمة.
ومما يمكن أن يسهم في صلاح هذه اللغة من جهة وفي خدمتها من جانب آخر الأمور الآتية:
1- اعتماد لغة إعلامية فصيحة تتوفر فيها: السلامة، والسهولة، والوضوح، والدقة.ويستكثر فيها من العامي الفصيح ، ويجتنب الغريب والحوشي والمتقعر.
2- الإكثار من المسلسلات التي تعتمد العربية الفصيحة لغةً للحوار فيها، وقد ثبت نجاح الكثير منها شعبياً وجماهيرياً، حتى تلك التي ترجمت إلى العربية من لغات أخرى.
3- إعداد برامج لتحبيب العربية ونشر لطائفها الأدبية، وقد أثبتت هذه البرامج فاعليتها، وكان لها أعظم الأثر في نفوس الناس ولغتهم.
4- التعاون مع مجامع اللغة العربية وأقسام اللغة العربية في الجامعات واتحادات الكتاب وما شاكلها من المؤسسات اللغوية والأدبية على إنتاج برامج مشتركة تعمل على إحياء اللغة ونشرها وتعليمها وتذوقها ورفع رايتها.
5- الإفادة من تقنيات الحاسوب والشابكة (الإنترنت) في إعداد برامج تعليمية تسهل معرفة علوم العربية، كالمعجم الحاسوبي، وتعلم النحو بالحاسوب ، وكذا العروض..وغير ذلك من علوم العربية.
6- تخصيص برامج لإكساب الأطفال اللغة الفطرية السليمة.
ولقد أثبت البرنامج التلفزيوني (افتح يا سمسم) صدق هذه المقولة، إذ كان له الأثر الناجع في لسان الأطفال، فالتفوا حوله على اختلاف لهجاتهم وأقطارهم ومنازعهم ومشاربهم ليفهموا أوَّلاً كل كلمة فيه لأنه استعمل العربية الفصيحة المألوفة المأنوسة، وليحاكوا ثانيًا أسلوبه في استعمال هذه اللغة، مما مهد لظهور الكثير من أفلام الأطفال المتحدثة بالعربية، وهو أمر دفع إليه رغبةُ المنتجين في بيع هذه الأفلام وتسويقها في كل أرجاء الوطن العربي ، فكانت العربية خير ملاذٍ يلجؤون إليه، إذ بها يستطيعون أن يدخلوا كل بيت عربي على امتداد الوطن العربي الكبير، فإذا كان الدافع الرغبة في الربح والتجارة فلِمَ لا يكون أيضًا الرغبة في نشر العربية السليمة في كل صقع عربي؟ بل لم لا يجتمع الأمران فنخضع هذه البرامج لرقابة لغوية تنفي عنها آثار الركاكة والخطأ الشائع واللحن وما إلى ذلك مما يضير بالعربية وفصاحتها، وتكسوها ثوبًا قشيبًا من الفصاحة والبلاغة والبيان.
إن مثل هذا العمل العظيم واجب ديني وقومي ووطني، ينبغي أن يحظى بالقرار السياسي الحكيم الذي يفرض هذه الرقابة اللغوية على كل ما تنتجه وسائل الإعلام ، ليصل نتاجها إلى أبناء العربية بريئًا من كل ما يشوب اللغة من أوضار العجمة واللهجات المحكية واللحن. وينبغي أن تناط مهمة الرقابة هذه بالمجامع العربية التي تضم صفوة المختصين بالعربية ، الذائدين عن حماها ، الحاملين لواءها في كل محفل.

تحميل



تشغيل