مميز
الكاتب: الدكتور عبد الإله الحوري
التاريخ: 06/03/2011

قرآنية البسملة في أوائل السور

بحوث ودراسات

أجمع المسلمون على أن البسملة جزء آية من سورة النمل في قوله تعالى: ] إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[ [النمل 30]، وأجمعوا أيضا على أنها ليست آية من أول سورة التوبة، واختلفوا فيما وراء ذلك على أقوال:

أولاً: مذهب الشافعية ([1]): البسملة آية كاملة في أول الفاتحة بلا خلاف في المذهب الشافعي، أما في باقي السور عدا براءة ففي المذهب ثلاثة أقوال :

الأول: أنها آية كاملة في أول كل سورة. وهو مذهب الإمامية والزيدية والإباضية([2]).

الثاني:أنها بعض آية في أول كل سورة.

الثالث: أنها ليست بقرآن في أوائل السور عدا الفاتحة .

وقد ذكر النووي أن الراجح في المذهب هو الأول ([3]).

ثانياً: مذهب الحنفية: لم ينقل عن أبي حنيفة شيء في كون البسملة آية من القرآن أم لا، وإنما نقل عنه أنه يسر بها في الصلاة، وسئل محمد بن الحسن عنها فقال: ما بين الدفتين كلام الله تعالى([4]). والمختار عند علماء الحنفية أنها آية تامة مستقلة أنزلت للفصل بين السور، فهي من القرآن وليست من الفاتحة ولا من غيرها([5]).

ثالثاً: مذهب الحنابلة: قال ابن قدامة: واختلفت الرواية عن أحمد هل هي آية من الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة أو لا ؟ فعنه أنها من الفاتحة وذهب إليه أبو عبد الله ابن بطة وأبو حفص، وروي عن أحمد أنها ليست من الفاتحة ولا آية من غيرها، ولا يجب قراءتها في الصلاة، وهي المنصورة عند أصحابه. قال ابن قدامة: واختلف عن أحمد فيها –أي في هذه الرواية– فقيل عنه هي آية مفردة كانت تنـزل بين سورتين فصلاً بين السور، وعنه هي آية من سورة النمل ([6]). أي وليست من غيرها.

وقال ابن تيمية معلقا على هذه الرواية عن أحمد: "ويحكى هذا رواية عن أحمد ولا يصح عنه وإن كان قولا في مذهبه" ([7]). وقد نصر ابن تيمية القول بأنها من القرآن حيث كتبت من أول كل سورة وليست من السورة، وقال: وهذا أعدل الأقوال ([8]).

رابعاً: مذهب المالكية: البسملة ليست من القرآن في غير سورة النمل ([9]).

وهذه المذاهب تدور بين النفي والإثبات، فهناك من نفاها مطلقا كالمالكية ورواية عن أحمد، وهناك من أثبتها في كل المواضع، أو أثبتها في موضع دون آخر .

وقد استدل من أثبتها بأدلة منها:

1- أن الصحابة قد أثبتوها في المصاحف مع حرصهم الشديد على تجريد القرآن وعدم كتابة شيء معه([10]).

2- روى مسلم عن أنس رضي الله عنه أنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال: "أنزلت علي آنفا سورة" فقرأ :

]بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ[ "([11]).

3- سئل أنس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم([12]).

4- عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم([13])

5- عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنـزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم([14]).

6- عن أم سلمة أنها ذكرت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين ، يقطع قراءته آية آية([15]).

7- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها ([16]).

أما من نفاها فقد استدل بما يلي ([17]):

1- حصول الاختلاف فيها ولو كانت قرآنا لما اختلف فيها.

2- قوله تعالى في الحديث القدسي: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي، وقال مرة فوض إلي عبدي، فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" ([18]).

قال القرطبي بعد أن ذكر الحديث: "قسمت الصلاة" يريد الفاتحة وسماها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، فجعل الثلاث الآيات الأول لنفسه واختص بها تبارك اسمه، ولم يختلف المسلمون فيها، ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده، لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه وذلك يتضمن تعظيم الله تعال، ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات، ومما يدل على أنها ثلاث قوله "هؤلاء لعبدي"، أخرجه مالك([19])، ولم يقل هاتان فهذا يدل على أن أنعمت عليهم آية، قال ابن بكير قال مالك: "أنعمت عليهم آية ثم الآية السابعة إلى آخرها "([20]).

3- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبيّ: " كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ قال فقرأت الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي هذه السورة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت" ([21]).

4- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة ب‍ "الحمد لله رب العالمين" ([22])

5- عن أنس قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ([23])

6- عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال لي: أي بني محدث إياك والحدث، قال: ولم أر أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني منه، قال وقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل الحمد لله رب العالمين" ([24])

7- الاستدلال بعمل أهل المدينة، قال القرطبي: "ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم وهو المعقول ، وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور ومرت عليه الأزمنة والدهور من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زمان مالك ولم يقرأ أحد فيه قط بسم الله الرحمن الرحيم اتباعا للسنة وهذا يرد أحاديثكم" ([25]) .

هذه هي أدلة الطرفين فيما ذهبوا إليه من الإثبات والنفي، وأقوى هذه الأدلة فيما أرى هو ما استدل به أصحاب القول الأول من كتابة الصحابة لها في المصاحف مع حرصهم الشديد على تجريد المصاحف، والأدلة الأخرى معظمها في مسألة قراءة البسملة في الصلاة، والذي أراه أن هناك انفصالا تاما بين ثبوت قرآنية البسملة وقراءتها في الصلاة، وذلك لأن القرآنية لا تثبت إلا بالتواتر أما قراءة شيء في الصلاة سواء أكان قرآنا أم غيره فلا يحتاج لأكثر من صحة النقل فيه، أي إن الظن يكفي فيه. نجد -مثلا- أن المسلمين اتفقوا على مشروعية قراءة التشهد في الصلاة –على خلاف بينهم في وجوبه– مع إجماعهم على أن التشهد ليس من القرآن، وكذلك الحال في الاستعاذة، حيث ذهب الجمهور إلى سنيتها مع اتفاقهم على أنها ليست من القرآن .

وإذا غضضنا النظر عن كون معظم هذه الأدلة في قراءة البسملة في الصلاة، وأن هناك انفصالا بين قراءة شيء في الصلاة وثبوت قرآنيته، فإن هذه الأدلة أخبار آحاد لا ترقى إلى مستوى إثبات قرآنية شيء أو نفيها لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر. ومن جهة أخرى فإننا نجد أن القراء اختلفوا في قرآنية البسملة في أوائل السور، فقراء مكة والكوفة على أنها قرآن، وقراء المدينة والشام والبصرة على أنها ليست من القرآن([26]). ومن المعلوم أن هذه القراءات متواترة، لذلك يمكن القول بأن البسملة من القرآن يقينا في قراءة متواترة وليست منه يقينا في قراءة أخرى متواترة أيضا.

ومعلوم أن التواتر قد يثبت عند قوم، ولا يثبت عند آخرين وخاصة المتقدمين منهم، فيحمل عليه اختلافهم في البسملة الذي سيزول عند اطلاعهم على تواترها في قراءة، وعدم تواترها في أخرى.

فإذا كان ذلك كذلك فلا يبعد أن يكون الإمام مالك لم تصله البسملة بطريق متواتر والذي ثبت عنده متواترا عدم قرآنيتها، وكذلك الحال بالنسبة للأئمة المتقدمين، من أثبتها منهم وصلته متواترة، ومن نفاها لم تصله كذلك. وهذا الذي أشرت إليه هو ما فهمه ابن الجزري من صنيع الشافعي حيث يقول: "ومما يحقق لك أن قراءة أهل كل بلد متواترة بالنسبة إليهم أن الشافعي رضي الله عنه جعل البسملة من القرآن مع أن روايته عن شيخه مالك تقتضي عدم كونها من القرآن، لأنه من أهل مكة وهم يثبتون البسملة بين السورتين ويعدونها من أول الفاتحة آية ، وهو قرأ قراءة ابن كثير على إسماعيل القسط عن ابن كثير فلم يعتمد في روايته عن مالك في عدم البسملة لأنها آحاد واعتمد قراءة ابن كثير لأنها متواترة "([27]).

وقد بين ابن حزم رحمه الله تعالى مسألة قراءة البسملة في الصلاة أحسن بيان، وهو في جملته يؤيد ما ذهبت إليه حيث يقول: "مسألة: ومن كان يقرأ برواية من عد من القراء بسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن لم تجزه الصلاة إلا بالبسملة وهم: عاصم بن أبي النجود وحمزة والكسائي وعبد الله بن كثير وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من أم القرآن فهو مخير بين أن يبسمل وبين أن لا يبسمل، وهم: ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وفي بعض الروايات عن نافع. وقال مالك لا يبسمل المصلي إلا في صلاة التراويح في أول ليلة من الشهر، وقال الشافعي لا تجزيء صلاة إلا ببسم الله الرحمن الرحيم.

قال علي –يعني ابن حزم نفسه- وأكثروا من الاحتجاج بما لا يصح من الآثار مما لا حجة لأي الطائفتين فيه. مثل الرواية عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا قبلها ولا بعدها . وعن أبي هريرة مثل هذا .

قال علي: وهذا كله لا حجة فيه لأنه ليس في شيء من هذه الأخبار نهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم وإنما فيها أنه عليه السلام كان لا يقرؤها، وقد عارضت هذه الأخبار أخبار أخر، منها: ما روينا من طريق أحمد بن حنبل حدثنا وكيع ثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. وروينا أيضا: "فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم" فهذا يوجب أنهم كانوا يقرءونها ويسرون بها وهذا أيضا لا إيجاب فيه لقراءتها وكذلك سائر الأخبار.

قال علي: والحق من هذا أن النص قد صح بوجوب قراءة أم القرآن فرضا، ولا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أن هذه القراءات حق كلها مقطوع به، مبلغة كلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله عز وجل … فقد وجب -إذ كلها حق- أن يفعل الإنسان في قراءته أي ذلك شاء وصارت بسم الله الرحمن الرحيم في قراءة صحيحة آية من أم القرآن، وفي قراءة صحيحة ليست آية من أم القرآن، مثل لفظة "هو" في قوله تعالى في سورة الحديد "هو الغني الحميد" وكلفظة "من" في قوله تعالى "من تحتها الأنهار" في سورة براءة على رأس المائة آية هما من السورتين في قراءة من قرأ بهما، وليستا من السورتين في قراءة من لم يقرأ بهما، ومثل هذا في القرآن وارد في ثمانية مواضع ذكرناها في كتاب القراءات، وآيات كثيرة وسائر ذلك من الحروف يطول ذكرها . ثم قال: "والقرآن أنزل على سبعة أحرف كلها حق وهذا كله حق وهذا كله من تلك الأحرف بصحة الإجماع المتيقن على ذلك وبالله تعالى التوفيق" ([28]).

هذا وقد أشار بعض المفسرين لهذا الرأي ولكني لم أجد من تبناه ودافع عنه غير ابن حزم في النقل السابق عنه، فهذا ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول بخطأ الباقلاني في قطعه بنفي كون البسملة من أوائل السور وذكر أن المعتمد عنده هو أن البسملة أية من كتاب الله حيث أثبتت ثم يقول: بل قد يقال ما قاله طائفة من العلماء: إن كل واحد من القولين حق وإنها آية من القرآن في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين، وليست آية في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يصلون ولا يفصلون بها بين السورتين ([29]).

وذكر ذلك أيضا الشهاب الخفاجي حيث عد هذا القول قولا من الأقوال في مسألة: هل البسملة من الفاتحة؟ فقال: السادس: أنه يجوز جعلها آية منها، وجعلها ليست منها بناء على أنها نزلت بعضا منها مرة ولم تنـزل أخرى لتكرر النـزول استقلالا أو لمدارسة جبريل عليه الصلاة والسلام في كل عام، وهكذا سائر القراءات، وهو المشار إليه في حديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف" وهذا أغربها –أي أغرب الأقوال التي ذكرها في المسألة –وكان ابن حجر يرتضيه ويقرره في دروسه ويدفع به الاعتراض بأن القرآن قطعي التواتر فكيف يصح إثباته أو نفيه بدونه؟ فيقول: إثباتها ونفيها متواتران كسائر القراءات. وقد نقله القراء كأبي شامة وغيره وأطنب في تحسينه السيوطي في حواشيه "([30]) .

وقال السيوطي في مسألة اشتراط تواتر القرآن في أصله وأجزائه: "وقد بنى المالكية وغيرهم ممن قال بإنكار البسملة قولهم على هذا الأصل وقرروه بأنها لم تتواتر في أوائل السور وما لم يتواتر فليس بقرآن. وأجيب من قبلنا بمنع كونها لم تتواتر فرب متواتر عند قوم دون آخرين وفي وقت دون آخر" ([31]) . وقال في موضع آخر: "البسملة نزلت مع السورة في بعض الأحرف السبعة، من قرأ بحرف نزلت فيه عدها آية ، ومن قرأ بغير ذلك لم يعدها" ([32]

لتحميل البحث كاملاً مع الحواشي اضغط على الملف أدناه

([1]) المجموع (3/289)

([2]) شرائع الإسلام (1/71) ، مجمع البيان (1/ ) ، البحر الزخار (2/244-245) ، شرح النيل (2/135)

([3]) المجموع (3/289)

([4])حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (1/ 29)

([5]) أحكام القرآن للجصاص (1/17) ، حاشية الشهاب (1/29)

([6]) المغني (1/285)

([7]) الفتاوى الكبر

تحميل