مميز
الكاتب: الشيخ محمد الفحام
التاريخ: 17/02/2011

الشيخ عبد الرحمن الشاغوري

تراجم وأعلام

ترجمة لسيدي العارف الشيخ


عبد الرحمن عابدين الشاغوري


رحمه الله تعالى


هو العلامةٌ العارفُ الشيخُ عبد الرحمن عابدين الشاغوري الحسيب النسيب , شيخُ الطريقة الشاذلية في بلاد الشام.


ولد رحمه الله بحمص سنة 1910 ونشا يتيماً في كفالة أخيه الأكبر سيدي محمد . ثم قضى الله تعالى بالرعاية والعناية له منذ مطالع الطفولة بأن جعله يألف مجالس الطريق والذكر في حمص , وتمَّم عليه الفضلَ بأن توجَّه به أخوه إلى دِمشق الشَّام وله من العمر اثنتا عشرة سنة فشَبَّ فيها على هِمَّةٍ وجِدٍّ في سبيلي الدنيا للمعاش , والآخرة للمعاد.


فتردَّد على العديد من علمائها الكبار , وحضر مجالس الشيخِ المحدث الأكبر بدر الدين الحسني , والشيخ المربي الجليل علي الدقر وغيرِهم[1], ثم تلقى علومَ الفقه الشافعي وعلوم العربية في مرحلة واسعة من مراحل الطلب على يد الشيخ الفقيه العلَّامة حسني البغَّال , وهذا الأخير كان له الفضل الأكبر في تأسيس الشيخ العلمي , ثم تعريفِه بالشيخ الهاشمي الذي حطَّ رحاله عنده في نهاية المطاف فغَنِم عنده إكسيرَ العلوم وخلاصة الفهوم عبر بيعةٍ مباركة وعَهْدٍ ميمون وطلب لأصول العلوم فريد.


فَنَهَلَ من مَعينه وعبَّ من حِياضه , ثم ترقَّى في معراج معارفه ليغدوَ بعد ذلك من أبرزِ مريديه لاسيما في علم التوحيد الذي كان الهاشميُّ رحمه الله متفرداً فيه بين شيوخ زمانه.


وبقي في حقل السلوك والطلب عنده إلى أجله وكم حزن عليه , وقد بقي متشوقاً إليه يذكر فضله وأثره في السالكين حتى أبرز خلاصةً من ذلك في مرثيّته له بقوله :


وأضِفْ لهم عَلَم الطريقةِ والهدى


                                   ذاك الجليل محـمـد بــن الهاشمي


عبدٌ لـقـد عــرف الإلــهُ فـخـافَــهُ


                                   وعــلـيـه أقـبـل بالـفــؤاد الـسالــم


حَـبــْرٌ تُعَظِّمُه الـقـلـوبُ بأسـرِهـا


                                   وتُــجِــلُّـــهُ إذ لــيــس بالمتعاظِـمِ


ثم قال: قد كان غوّاصـاً بـحــور حــقـائــقٍ


                                   لينال مــا لا يُســتــبــاح لـعـائـــــم


بـقـراءة الإِحـــيـاء أحـيـى أنـفـسـاً


                                   وكذا فتوحات الــولـي الـحـاتـمـي


وقــراءةُ الـــتــوحـيـدِ ديـدنُـه لـنــا


                                   والفقه والنحــو المفــيــد لــفـاهـــم


لاسيما علـــمُ الأصـــولِ ومـثـلــه


                                   فنُّ القريضِ وعلــمُــه بـمـعـاجــمِ


علــم المعـانـي والبديـع مع الـبـيا


                                   ن هــــــو مِــعـــولٌ لـمُـخـاصـــم


من أجل هَدْم صروح كلِّ ضلالـةٍ


                                   أو شُبــهــةٍ مــن فـاسـقٍ او غـاشمِ


وبـمـا تبقَّـى مـِـن عــلـــومٍ عــنده


                                   جـُـلُّ الــدرايــة وهو أمثل حــازِم


حــاشـــا بــأن نـلـقـاه يوماً فارغـاً


                                   عَمَرَ الحياةَ بذكر بـاري الـعـالـَمِ[2]


حمل الشيخ عبد الرحمن رحمه الله أعباءَ الدعوة وتسليك السالكين وتربية المريدين بعد وفاة شيخه, وتكبَّد ثقلها فملأ أوقاته الصباحية والمسائية بدروس العلم والتوحيد والتزكية في المساجد وداره المباركة وبعض المعاهد الشرعية وكان دؤوباً لا يفتر, ومستقيماً لا يلوي على شيء سوى أداءِ ما حُمِّل من أمانة الطريق والتعليم.


كل هذا مع صحبته الهادية وأسلوبه الهادئ في التبليغ بِلِين ِالقولِ وحكمة ِالأداء ما يكشفُ بيقين أنه كان بحقٍّ بقية السلف ربانيّاً عُلويّاً  في أموره كلِّها بعيداً عن سفاسفها فأثَّر في قلب كلِّ من كان يلقاه حتى قوّم الكثيرَ من التائهين وصَحَّح المفاهيم لشريحةٍ كبرى من منكري الطريق.


لقد كان الشيخ يتمتع بجماليّة الوضوح وقوة الحجة وأدب الحوار, بالمقابل كانت حَرْبُه معلنةً على كل أدعياء الطريق ومنتحلي حِليته فكان –عليه الرحمة- يؤكِّد في دروسه ومجالسه أن هذا الطريق مشيَّدٌ بالكتاب والسنة , وأنَّ تزكيةَ النفوس من نبع التوجيه النبوي وأنها أصلٌ من أصوله , وعليه فلقد كان يتمثّل قول الإمام مالك:{من تفقّه ولم يتصوّف فقد تفسق-أي لتغلغله في ظلمة الكبائر من باطن الإثم - ومن تصوّف ولم يتفقه فقد تزندق- لبعده عن ضوابط الشرع التي هي المعيار الأصل - ومن جمع بينهما فقد تَحقَّق}


كان رحمه الله عظيمَ التواضع حليماً ذا سكينة ووقار وتأمُّل وتدبر يضع الأمور مواضعَها والحقوق في نصابها والشؤون في وعائها.


- ما كان رحمه الله يحب التقدمَ على أحدٍ - حَسَنَ الظَنِّ صافيَ القلب سامي المراد غيرياً, كريم الطبيعة.


يشحنُ الدعاةَ وطلابَ العلم بأنوارِ حالِه, ويستَقْطِبُ قلوبَهم بحميد خصالِه, ويجمع شملهم بمجيد فِعاله.


إذا أقيمت الصلاة قدّم أقرأَهم, وبعدها يطلب الدعاء من صالحيهم.


يفترق مع إخوانه على الخير والتناغُمِ العلوي وكذا يجتمعون لا يردُّ دعوةً, ولا يوئس طالباً.


كان إذا ألحّ عليهُ ملحٌّ في طلب لا يردُّه خائباّ, فإذا ازداد في الإلحاح لا يزداد عندها الشيخ إلا حِلماً بل ربما أجابه متلطفاً مداعباً-لإدخال السرور على قلبه {أشتريها بعمامتي} .


أجل, فلقد كان مظهراً لجوهر التفاعل مع هدي النبوة في كلِّ شيء لاسيما شأن التعامل مع الخلق فما كان يحب كَسْرَ الخاطر بل كان يأباه حتى لو اقتضاه إظهار ذلك علناً من أجل ردِّ من يخالف في هذا الشأن.


لقد كان للشيخ حالٌ مع الله تَسْرِي أنواره في أوصال كلِّ من يَراه أو يُجالسه. وما ذلك إلا لكمال معرفته رحمه الله.


لذا بقي يتقلَّب في جنة المعارف ارتقاءً طيلة حياته حتى بعد المرض الذي ابتلاه الله به لإِبراز مكنون صبره ورضاه , شَهِدْتُّ منه هذا الحالَ يوماً في زيارةٍ لأجل مرض نزل بي آنذاك - وكان قد أقعدَه مرضُه - فقال لي واعظاً و مستنهضاً ما علمت أن الألم والسُّرور يجتمعان حتى ذقتهما, وما ذلك إلا لكمال رضاه عن الله في كلِّ ما ابتلاه.


هذا, ولقد ترجم ذلك الرضى بأنه كان يأبى الانقطاع عن المجالس ويُصِرُّ على من حولَه بأن يحملوه إلى كلِّ دروسه المعتادة ومجالسه المستطابة . وبذلك لم ينقطع عن طُلَّابه ومريديه ولا عن تزكيتيهم وتسليكهم فكان في هذا رفعُ هِمَّتِهم وتعليمهم بحالِه وقالِه وفِعاله دَعَوْتُه يوماً وهو على حالِه ذاك إلى مولد عامّ فرحَّب وهو يبتسم بأنه سيشارك المحبِّين للحبيب r  مَجلسَهم فلبَّى الدعوة ودخل به أحبابُه محمولاً على كرسيِّه وهو ينظر بمحيَّاً يتهلَّلُ مشرقاً ثم حرَّك مشاعِرَ الحاضرين بذكر الله وجعل يشير بأصبُعِه الرقيقة وكفِّه الناعمة فيا بروحي تلك اليد الحانية التي جسَّدت بين الذاكرين مقام التكامل في الذكر الخالص لله , وصورةَ الوحدة على صراط الله المستقيم بين عباد الله السالكين.


بقي الشيخ على مقامه الرفيع ذاك رُغم المرض وآلامه يُزكِّي النُفوس ويُسلِّك ويعلِّم مستنفِذاً ما تبقَّى من طاقاته الجسدية حتى خارت قُواه ورقَّ عُودُه ونَحُل جسده إلى مستوى ضعفِ الحركة وخفضِ الصوت , فلم يعُد يُسمع إلا بصعوبة بالغة.


ومع ذلك فقد كان يأبى التخلُّف عن المجالس وبقي يُحمل راضياً إليها وقد أوكل عرض الدروس إلى خليفته من بعده سيدي الشيخ مصطفى التركماني , لكن ما كان أحدٌ من الحاضرين يَشْعُر بتكامُل الأجواء إلا بحُضورِه رحمه الله . وذلك لعظيم قُربِه وصلته ومعرفته , تلك الصفات السامية التي كانت مع النظر إليه تُذكِّر بمنظومة آداب الطريق لسيدي الغوث أبي مدين شعيب والتي يقول فيها:


مـــا لــذة العيش إلا صـحبـة الـفُـقــرا


                                   هـــم السلاطـيـن والـسـادات والأمــرا


فاصحبهموا وتــأدب فــي مـجـالـسـهم


                                   وخـــــلِّ حــظَّــك مهـما قـدَّمـوك ورا


واستغنم الوقت واحضر دائماً مـعـهـم


                                   واعلم بأن الرِّضا يختصُّ من حضرا


ويقول أيضاً :


هم بالتفضُّلِ أولى وهو شيمتهم


                                   فلا تَخَفْ درَكاً منهم ولا ضررا


ويقول أيضاً:


وراقبِ الشيخَ في أحوالِـه فعسى


                                   يرى عليك من استحسانه أثـرا


ويقول أيضاً:


قــومٌ كـِـرامُ السَّجايا حيثما جـلـسـوا


                                   يبقى المكان على آثارهم عَطِرا


أطراه - رحمه الله – الكثيرُ من علماءِ عصره وأجمعوا بأنه تفرَّد في شأن الطريق بمنهجٍ قلَّ نظيرُه في زمانِه لأنه كان ينهض بالناس مع تجرُّدٍ كامل عن حظوظه ومطالبِه الذَّاتية مع قوة المحجَّة ووضوح الدّليل وتمكُّنه مما يقول ويفعل، وكانوا يعلِّلون ذلك بكمال معرفته بالله أي لأن همَّته كلَّها كانت بالله.


وإن شئت أن تستجليَ تلك النفحات فارجع إلى ديوانه تَجِدْ بَحْراً مِنْ أنوار الفيوضات التي بلغ مقاماتها بعد أن عرفَ مرتقاه وجالَ في واحات قُدسِها حتى أشرقت روحُه في علياء معارفِها, من ذلك قوله رضي الله عنه:


كالشمسِ لاح لعيني من وراء العَلَــمِ


                                   وخاطَبَ السَّمْعَ في مُستعذبِ الـنغــمِ


وشم أنـفـي شــذاهُ مـــن مــظــاهــره


                                   وذاق من صِرْفِه الصافي القديمٍ فَمِي


وفـي رقيق نســيــمِ الــروض لامَسه


                                   شعورُ وجدي بِلُقيا اللُّطْف فـي النَّسَم


فَهِـمْـتُ تِـيـهــاً وَوَجْـداً في حُضَيْرَتِهِ


                                   لما فهمت معـانــي أطلــسِ الــقِــدم


وأصبحَ الجسمُ مَبـهــوتــاً بسجـدتــه


                                   للحُسْنِ حتى غدا فـي نقطــةِ الــعـَدمِ


والنفسُ قد راضَها العِرفانُ تـرقـيــةً


                                   عرَفْتِ يا نفسُ هذا الحُسْـنَ فاعتصمي


والقلبُ قَلـَّبَ هـذا الكـونَ فانبجـسـت


                                   مــن عـيـنـه أعينٌ وِرْدٌ لِـكـُلِّ ظَـمِـي


والـروح في كعبة الإحسان مـشهـدُه


                                   يطوف شوقـاً وللأغــيــار لــم يــرُمِ


والعـقـلُ إنْ كــان معقــولاً بغـفـلـتـه


                                   فـقـد غــدا عـاقــلاً للــوارد الـبَــسـِمِ


هذا الجمال فإن كنتُ الأســيـرَ لـــه


                                   أنا المليكُ عـلــى الأغيـارِ كـلـِّـهـِــمِ


أَطويهــمُ طـَيَّ فـَـانٍ بالـجَـمـال وإنْ


                                   أرجِعْ فإنَّ رجوعي بالرسولِ حُمي[3]


وفي مدح المصطفى r قال :


أوميضُ بَرقٍ بان من ذاك اللِّوى


                                   أم بـدرُ تِـمٍّ لاحَ واللـيـلُ انـطــوى


أم ذاك نــورُ المصطفى طـه الــــذي


                                   حقَّاً على عرشِ الجمال قد اســـتـوى


يا أيُّها المختارُ يا بــــاهي الـســَّــــنـا


                                   مَن ذا الذي لِلْحُسْن مثلك قــد حـــوى


بعضَ المحاسن منك قد مُنح الــورى


                                   أيَصِــحُّ إثـبـات الـمـحاســن للـسِّـوى[4]


توفي رحمه الله يوم الثلاثاء 20 ربيع الثاني 1425هـ الموافق لـ 8/6/2004 وصُلِّي عليه في مسجد الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي في جنازة مشهودة مَهيبة حيث خرج لتشييعه جُلُّ علماء الشام وجميعُ مشايخ الطُّرق فيها , وبعضُ علماء العالَم الإسلامي، وقد صَلَّى عليه الولي العارف الجليل الحسيب النسيب الشريف سيدي الحبيب علي الجَفري , ثم وقف الكثير منهم على قبره لاسيما الشيخ الحبيب فقد بقي إلى نهاية الدفن وإصلاح القبر حتى ختم بالدعاء وطلب الرحمة له وللحاضرين في رحابه رحمه الله.


رحم الله الشيخ وبلَّغَه مَبْلغَ العارفين والعاشقين لربهم وجعلنا على قدمِه نقتفي أثرَه المبارك موروث النور النبوي المُحمدي في سلوك الطريق الحقّ إلى الله تعالى , آمين يا رب العالمين والحمد لله رب العالمين.


[1] كالشيخ محمد بركات والشيخ اسماعيل الطيبي والشيخ أبي الخير الميداني.


[2] ديوان الحدائق الندية للمترجم له ص144 فما بعد


[3] من قصيدةٍ له في الحُب والمعرفة انظر الديوان ص 19 و20


[4] الديوان ص84

تحميل