مميز
الكاتب: مجموعة مؤلفين
التاريخ: 25/01/2011

الشيخ بدر الدين الحسني (محدث الشام الأكبر)

تراجم وأعلام

الشيخ بدر الدين الحسني (محدث الشام الأكبر)

ولد مولانا الأستاذ بدمشق 1267 هـ كما أخبر هو بذلك، وولادته كانت بداره قرب دار الحديث الأشرفية مقر المترجم، ومقر أئمة الحديث من سبعمائة سنة إلى الآن، من أبوين فاضلين تقيين ورعين، ولما وضعته أمة الطاهرة الصالحة كريمة الشيخ إبراهيم الكزبري أرسله والده على سيدي الجد المرحوم الشيخ محمد ظبيان الكيلاني لكي يرقيه ويؤذن له الأذان الوارد شرعاً فحنكه ورقاه بما تيسر من القرآن الكريم وتفرس فيه الخير، وقال لأهله: إنه سيكون لهذا الولد شأن عظيم وقد صدقت فيه فراسته، وقد أخبرني بهذا سيدي الوالد المرحوم.

فوالدته السيدة عائشة من أعرق عائلة في دمشق بالعلم والفضل والحسب والنسب وخصوصاً علم الحديث الذي انتهت رئاسته إليها، وهي عائلة بني الكزبري، وكانت تقية ورعة كفلت المترجم بعد وفاة والده واعتنت به أشد الاعتناء وسلمته لشيوخ العصر.

أما والده، فهو العلامة الكبير والإمام الشهير السيد الشيخ يوسف ابن العلامة الشيخ بدر الدين المغربي السبتي المراكشي الحسني المالكي([1]) الدمشقي وفاة، من محلة ورياد العروس في مراكش وينتهي نسبه إلى الولي الكير مولانا الشيخ الجزولي صاحب ((دلائل الخيرات))، نشأ في حجر والده، وتعلم القرآن الكريم، وقرأ مبادئ العلوم حفظاً وفهماً على والده، وكان يقول له حينما أشرف على الموت: تركتك لله يا بدر الدين، وكان له شغف عظيم به ومحبة شديدة، وكانت –أي والدته- من العابدات الصالحات قلَّ أن يوجد مثلها في زمنها، ولما بلغ أستاذنا المرحوم من العمر سبع سنين سلَّمه والده إلى المعلم، فتعلّم القرآن الكريم وحفظه عن ظهر قلب، وتعلّم شيئاً من مبادئ علم الحساب والكتابة، ثم بعد ذلك توفي والده الشيخ يوسف إلى رحمة الله تعالى، ثم إنها أخذت الأستاذ حفظه الله تعالى، وذهبت به إلى العلامة الشيخ أبي الخير الخطيب في دمشق، وأوصته به خيراً فعامله الشيخ المذكور معاملة ولده لما رأى عليه من سيما النجابة والذكاء مع خلق كريم وورع عظيم، وأشغله بحفظ المتون في سائر الفنون المختلفة فحفظ الألفية والشاطبية وألفية الحديث للعراقي وغيرها، وقد أخبرني المرحوم الشيخ مصطفى الشطي مفتي دوما أنه ذهب مع والده لزيارة الشيخ أبي الخير الخطيب في العقد لأجل معايدته فرأى شاباً متجهاً نحو القبلة، فقال لهم الشيخ أبو الخير الخطيب: أتعرفون هذا الشاب؟ هو الشيخ محمد بدر الدين ابن الشيخ يوسف المغربي لقد أدهش عقلي فإن سنه اثنتا عشرة سنة، وقد حفظ القرآن الكريم واثني عشر ألف بيت في فنون مختلفة، ثم أشغله الشيخ أبي الخير بقراءة شروحها بفهم وإتقان، ولم يكمل الثامنة عشر من عمره حتى نبغ نبوغاً باهراً استلفتت إليه أنظار مشايخه فأجازوه إجازة عامة وأذنوا له بالتدريس، وشرح ((غرامي صحيح)) في مصطلح الحديث، ولم يكمل العشرين من عمره، وطبعت هذه سنة 1286هـ، ثم أقبل على المطالعة بنفسه بهمة شماء وعزيمة صحيحة.

لا يفتر عن ذلك أناء الليل ولا أطراف النهار، وحفظ من الأحاديث بأسانيدها ما شاء الله أن يحفظ، ومما حفظه البخاري ومسلم بأسانيدهما بحيث لا يغيب عليه حيث قط من الكتب الستة، ومن رأى الأستاذ في درسه العام وهو يسرد الأحاديث بأسانيدها، ويتكلم عليها بأنواع العلوم علم أن الله تعالى اختصه بقوة حافظة خارقة للعادة لم يسمع بمثلها، ثم بدأ بالتأليف فألّف نحوا ًمن أربعين تأليفاً ذكر معظمها تلميذه العلامة الشيخ طاهر الأتاسي مفتي حمص، ثم رجع إلى حجرته في المدرسة حتى تجاوز الثلاثين من عمره فقرأ درساً عاماً في جامع السادات عن ظهر قلبه من صحيح البخاري وقد بهرت الناس فصاحته وتكلمه على الحديث الواحد من علوم شتى ولم تعرف بديار الشام مثل الحكمة والطب والرياضيات وغيرها، فلما كثر الخلق عليه وضاق بهم الجامع انتقل إلى جامع سنان باشا، فكان يقرأ ليلة الجمعة والاثنين من بعد المغرب إلى العشاء ويجتمع عليه الألوف من الناس حتى إنهم كانوا يأتون إلى الجامع من قبل المغرب فيصلُّون فيه، ويمكثون في أماكنهم من شدة الزحام وامتلاء المسجد حتى السدّة العليا والسفلى والرواق وصحن المسجد الخارجي.

فإن صحت إجازة الشيخ عبد القادر الخطيب له فيكون الشيخ حصل على ذخيرة عظمى بين أهل الرواية والإسناد، لأن المذكور روى عن طبقة عالية من أهل الحجاز ومصر والشام، وآخر من كان بقي من تلاميذه المجازين منه مات من ثلاثين سنة، وهو ولده القاضي أبو النصر الخطيب رحمه الله تعالى، فيكون انفراد الأستاذ المترجم بالرواية عنه مدة ثلاثين سنة في الدنيا، وهذا عجيب في عرف أهل الرواية والإسناد، ومن كبار المعمرين الذين فاز بالرواية عنهم الشيخ عبد القادر الخطيب جده الشيخ عبد الرحيم الدمشقي والشمس محمد بن الشيخ مصطفى الرحمتي، يروي الأخير عالياً عن الشيخ عبد الغني النابلسي عارف الشام ونادرتها.

ومن كبار مجيزي الشيخ عبد القادر الخطيب: البرهان الباجوري والشيخ عبد اللطيف حمزة البيروتي، والشيخ عبد القادر الميداني والبرهان إبراهيم باشا الإسكندري وغيرهم.

من كبار من أجاز لولده الشيخ أبي الخير الخطيب: إبراهيم ماراد الحموي، وهو يروي عن الوجيه عبد الرحمن الكزبري، والشيخ حامد العطار، والشيخ عبد الرحمن الطيبي، والشيخ سعيد الحلبي والشيخ أحمد الحجاز، والشيخ محمود الحلبي، والشيخ حسين التونسي المغربي، والشيخ الباجوري والشيخ خالد العقاد والشهاب حامد الأورادي، والشيخ علي العزيزي وغيرهم.

ومن كبار من جاز للشيخ أبي الخير الخطيب: محمد خضر الجمالي، وابن الدباغ أمين فتوى حماة، وابراهيم الحنفي، ومحمد زهير الحموي، واسماعيل حافظ الطرابلسي الشامي، ومحمود عبد الدايم نشابة، وحسين الدجاني.

ومن كبار المجيزين للشيخ أبي الخير: مسند بغداد ومحدثها داود بن سليمان النقشبندي البغاددي، ووالده الشيخ عبد القادر.

من مآثره: أذكر أن رؤوف باشا والي دمشق في زمن الحكومة العثمانية كان من العلماء الذين نالوا حظاً وافراً من العلم الديني، وكان يحب العلماء والصلحاء، وكان يحب أستاذنا المرحوم حباً شديداً لعلمه وورعه، ولما جاء شهر رمضان المبارك دعاه مع زمرة من العلماء للإفطار عنده، ولما كان أستاذنا لا يجيب دعوة أحد من الولاة والأمراء، ولكن بالنظر لفضل الوالي المومى إليه وصلاحه أجاب دعوته، وبعد الإفطار أخذ الحاضرون يتذاكرون في المسائل العلمية، فأخذ الوالي يقع في غيبة بعض العلماء ويذكر أنه ليس أهلا للتدريس، بل كانت الوظيفة وجهت عليه حسب القاعدة الممقوتة: خبر الآباء للأبناء.

وحيث أن أستاذنا المرحوم قد آل على نفسه أن لا يغتاب أحداً ولا يسمع غيبة قال مخاطباً للوالي: ما لنا ولغيبة الناس، ولكن الوالي لم يقطع حديثه بل ظل متابعاً له، فلما علم أستاذنا أن الوالي لم ينته قام من المجلس، ولم يخش غضب الوالي عليه لأن الحق أكبر من كل إنسان ويجب على العالم أن يقوم الحق ولا يخشى فيه لومة لائم فاستغراب الوالي قيام المرحوم فقال العلماء الحاضرون:

إن الشيخ بدر الدين لم يسمع غيبة أحد قط، وقد حفظ الله تعالى سمعه كما حفظ سائر جوارحه من الآثام، فقام الوالي يسترضي أستاذنا، ويعتذر له ورجاه أن يعود على أن يغلق باب الغيبة بحضوره فرجع فأخذ العلماء يثنون على صلابة أستاذنا في دينه، وكان من جملة الحاضرين أستاذه المرحوم الشيخ أبو الخير الخطيب، فقال للوالي: إن الشيخ بدر الدين هو تلميذي، ولكنه قد فاق علي كثيراً في العلم فلما سمع الوالي ذلك أخذ يعتذر لأستاذنا ويطلب منه الصفح.

وإني بالمناسبة أذكر أنني حينما ابتدأت بالقراءة على أستاذنا المرحوم جرى في بعض الأيام ذكر رجل، فذكرت بعض مساوئه بحضرة الأستاذ فالتفت إلي قائلاً: لا تعود لسانك يا ولدي على مثل هذا الكلام فأثَّرت هذه الموعظة في نفسي تأثيراً شديداً، وقد بقي رحمه الله تعالى ثابتاً على هذا الخلُق الكريم، حتى توفاه الله تعالى، فكان إذا اغتاب أحد شخصاً آخر ينهاه أولاً، فإن لم يرتدع قام عن المجلس وتركه.

كان لسانه لا يفتر عن ذكر الله تعالى، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم والغريب أن المسبحة تكون في يده يسبح فيها وهو يطالع بعض الكتب.

أخلاقه الكريمة:

هي أخلاق الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم. كان كريم النفس لا يٍسأله أحد شيئاً إلا أعطاه، حتى أني كنت أراه إذا أحس بأحد حاجة لم يذكرها له تركه حتى يخرج من الغرفة فيتبعه ويعطيه ما تيسر له حتى لا يجرح قلبه أمام الناس.

كان لا يذكر أحداً بسوء فو الله لم أسمعه مدة حياتي انتقص أحداً أو ذم طعام أحد من الذين يدعونه، بل كان حينما يخرج من دار المضيف يدعو له بالبركة.

كان يجيب دعوة من دعاه إذا لم تكن له معذرة شرعية سواء من أهالي دمشق أو من أهالي القرى، لاسيما الفقراء منهم جبراً لخواطرهم، وكان لا يحضر كثيراً من الولائم التي يقصد أصحابها الفخر والمباهاة بل يعتذر لهم.

كان قد حفظ لسانه من الكذب فلم يعهد عليه أحد كذبة قط.

كان متواضعاً لكل إنسان فإذا أراد أحد أن يقبل يده لا يمكنه من ذلك إلا إذا أخذها بشدة، وربما قبل يد ذلك الرجل قبل أن يقبل يده.

كان لا يخوض فيما لا يعنيه، دائم الحزن على المسلمين، وعلى ما أصابهم من التهاون بأمر دينهم، لاسيما الصلاة، وعلى ما أصابهم من الضعف بسبب تفرق كلمتهم.

كان إذا شاهد أحداً متمسكاً بدينه يتهلل وجهه فرحاً.

كان بعيداً عن المداهنة والملق.

كان إذا أراد أحد أن يمدحه في وجهه ينهاه ويقول له: لا تقل هذا الكلام أصلحك الله، ويعد نفسه من الخاطئين، وأنه أحوج الناس إلى عفو ربه.

المرائي الحسنة التي كان يراها له تلامذته وأحبابه

كثرت المرائي الصالحة له في بعض السنين. فكان تلامذته وأحبابه يرون له المرائي الصالحة الدالّة على علوّ قدره ومنزلته عند ربه، وكانوا يقصونها عليه فيفرح بها.

وقد جرى لي في هذا الشأن مسألة غريبة لأني حينما كنت قاضياً في قضاء النبك كنت أقرأ لأمّ الأولاد بعض الدروس من نحو وعبارات فرأيت أن أقرأ لها كتاباً في الجغرافيا لتقف على هذا الفن المفيد، وبعد أن قرأت لها عدة دروس رأيت أستاذنا المرحوم في المنام فقال: يا ولدي أصلحك الله تعالى اقرأ لها كتاب ((قوت القلوب)) خير من أن تقرأ لها كتاب ((الجغرافيا)) فانتبهت من نومي وقصصت الرؤيا على عائلتي وصرفنا النظر عن قراءة الجغرافيا.

ولما حضرت إلى دمشق بعد مدة قصصت الرؤيا على أستاذنا المرحوم فتعجب غاية العجب وسر لهذه الرؤيا، ثم اشتريت يومئذ كتاب ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي، وهو من رجال القرن الرابع، وقد كان أستاذنا يحبه ويثني عليه لأنه كان من كبار العارفين.

وقد أخذ الإمام حجة الإسلام الغزالي من ذلك الكتاب أكثر النساء هن أحوج إلى تهذيب النفس وتنمية العقل وتوسيع المدارك بقراءة مثل هذا الكتاب من الكتب المادية.

تآليفه:

ألّف أستاذنا المرحوم ما ينوف عن أربعين مؤلفاً، ولو كانت له رغبة في التأليف لبلغت المئات، ولكنه وجه كل عنايته لتعليم الناس وتهذيبهم فألّف من تلامذته مجموعة صالحة. وهي:

1- ((حاشية على تفسير الجلالين)).

2-((معرب القرآن)).

3-((شرح على صحيح البخاري)).

4-((شرح على الشمائل)).

5-((شرح على الشفاء في السيرة النبوية)).

6-((شرح على البيقونية)).

7-((حاشية على نخبة الفكر)) في مصطلح الحديث.

8-((شرح على سيرة العراقي)).

9-((حاشية على أصول محمد نصر بن الحاجب)).

10-(( حاشية على عقائد النسفي)).

11-((حاشية على شرح السنوسية)).

12-((حاشية على شرح السنوسية الكبرى)).

13-((شرح على الشيبانية)).

14-((حاشية على عقائد العضد)).

15-((شرح الطوالع)).

16-((شرح الهياكل )).

17-((حاشية على الشنشوري)).

18-((شرح على السراجية)).

19-((شرح على الخلاصة في الحساب)).

20-((شرح على مقنع الأفكار)).

21-((شرح على النزهة)).

22-((شرح على الشذور)).

23-((شرح على المنلاجامي)).

24-((شرح على القطر)).

25-((شرح على مغني اللبيب)).

26-((شرح على الشافية)).

27-((شرح على لامية الأفعال)).

28-((حاشية على الفناري)).

29-((حاشية على الشمسية في المنطق)).

30-((شرح على نظم السلم)).

31-((شرح على رسالة القوتنجي)).

32-((شرح رسالة الوضع)).

33-((حاشية على شرح الحفني في الوضع)).

34-((شرح رسالة العصام)).

35-((حاشية على كتاب المطول في علم البلاغة)).

36-((شرح على نظام التلخيص)).

37-((حاشية على شرح آداب البحث والمناظرة)).

38-((شرح على رسالة الوليدية)).

وقد بلغني أنه كان يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب ومن الأراجيز.

تلامذته النابغون:

أما تلامذته النابغون، والذين تبحروا في العلوم فهم كثيرون وبالطبع إنهم درجات لكل منهم مقام معلوم.

فمن تلامذتهم حفظهم الله تعالى ووفقهم للسير على منهاجه القويم: سماحة العلامة الشيخ عبد المحسن أفندي الأسطواني قاضي دمشق، وشقيقه العلامة الشيخ عبد الرزاق أفندي الأسطواني، والعلامة المفضال الشيخ عبد القادر أفندي المغربي رئيس المجمع العلمي بدمشق، والعلامة الجليل الشيخ طاهر أفندي الأتاسي مفتي حمص وشيخنا العلامة الشيخ أمين سويد.

والأساتذة الكرام، العلامة الشيخ بهجت البيطار، والشيخ هاشم الخطيب، والشيخ عبد القادر القصاب رئيس المدرسة العلمية في قرية الدير عطية من أعمال قضاء النبك، والشيخ محمد أبو المواهب الريحاوي الشهير بالباشا من أهالي ريحا التابعة لقضاء إدلب، ورئيس علمائها الأعلام، والعلامة الشيخ محمود العطار، والشيخ علي الدقرو والعلامة أحمد عمر المحمصاني، والشيخ قاسم حرز الله النابلسي، والأستاذ سليم أفندي الجندي، والشيخ عبد القادر شموط والشيخ راشد القوتلي، والشيخ جعفر الرحبي مدرس دير الزور اليوم، وغيرهم مما لم يحضرني أسمائهم الآن.

أما تلامذته الذين توفاهم الله تعالى في حال حياته الذين كانوا نابغة زمانهم فهم: العلامة المرحوم الشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت، والشيخ محمد الكستي قاضيها، والشيخ محمد المبارك الفاضل الشهير، والشيخ توفيق الأيوبي، والشيخ جمال الدين القاسمي صاحب التآليف العديدة، والشيخ عبد القادر بدران الدوماني، صاحب مختصر التاريخ لابن عساكر، والشيخ عارف المحملجي، والشيخ مصطفى الشطي، والشيخ سليم الكزبري، وشقيقه أبو السعود أفندي، والشيخ مصطفى الحلاق، والشيخ حسن المدور أمين الفتوى في بيروت وغيرهم.

قضاؤه لحاجة الخلق على اختلاف مللهم:

كان رحمه الله تعالى ورضي عنه لا يرد من قصده بحاجة إذا كانت له مشكلة عند الحكومة، وكان يكتب كتاباً بأنموذج واحد فكان يبتدئ الكتاب بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ويقول أما بعد: فإني أهديكم جزيل السلام، وأرجو دعائكم على الدوام وأن تعاملوا حامل هذا الكتاب فلان بما يرضي الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، والسلام.

وأذكر أنه جاء إلى المدرسة في زمن الحرب العامة رجل نصراني من أهالي قرى بعلبك فسأل عن أستاذنا المرحوم فقلنا له: إنه يصلي في المسجد، فلما خرج من المسجد أشار إلى الرجل أنه هذا هو الأستاذ فهجم الرجل عليه بلهفة عظيمة، ووقع على قديمه يريد تقبيلهما فنهاه أستاذنا عن هذا العمل وقال له: يا ولدي هذا لا يجوز وسأله عن حاجته. فقال يا مولاي إن ولدي فر من العسكرية فحكم عليه المجلس العسكري بالإعدام أي بالقتل جزاء فراره وهو ابني الوحيد فأرجو من سماحتكم أن تحرروا إل جمال باشا لعله يعفو عنه، فحوقل أستاذنا وقال له: طب نفساً، وعسى أن لا يصاب ولدك بسوء.

وأمرني أن أكتب إلى جمال باشا المذكور، فابتدأت بالكتابة فأخذ أستاذنا كتاب ((الترغيب والترهيب)) في الحديث وأشار إلى حديث فيه. وقال: أكتب له هذا الحديث ضمن الكتاب. وإني لا أحفظ لفظه بل أحفظ معناه، وخلاصته: أن الصحابة الكرام قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم: كم تعفو عن الخادم؟ قال في كل يوم سبعين مرة. ثم ختمت الكتاب بخاتمه وسلمه للرجل، فجعل الرجل يبكي من شدة الفرح. وصار يدعو لأستاذنا بطول العمر، ثم ذهب الرجل إلى القدس حيث يقيم جمال باشا المذكور، فأصدر أمره بالعفو عن جميع المحكومين بالقتل قبل ذلك التاريخ، وقد نشرت ذلك الصحف حينه، وكان ذلك ببركة وإخلاص أستاذنا جزاه الله تعالى خير الجزاء. وتغمده برحمته ورضوانه وأسكنه فسيح جنانه.

لمتابعة المقال تفضل بالضغط على الملف أدناه

هذه الترجمة مستخلصة من عدة تراجم كتبها تلامذة الشيخ رحمهم الله تعالى:


هم: الشيخ محمود العطار


السيد محمد عبد الحي الكتاني


الشيخ محمود ياسين


الشيخ بهجت البيطارالسيد محمد سعيد الحمزاوي


من كتاب العلامة السيد بدر الدين الحسني الذي جمعه: محمد بن عبد الله آل الرشيد 

تحميل