مميز

السلسلة: وقفات خالدات

الكاتب: الشيخ محمد ياسر القضماني
التاريخ: 11/06/2020

حياء امرأة

مقالات

أخرج أحمد والبزّار -ورجاله رجال الصحيح- عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءت فاطمةُ بنت عتبة بن ربيعة -رضي الله عنها- تبايع رسول الله ﷺ ؛ فأخذ عليها: (ألاّ يشركن، ولا يزنين) الآية. قالت: فوضعتْ يدها على رأسها حياءً، فأعجب رسولَ الله ﷺ ما رأى منها؛ فقالت عائشة رضي الله عنها: أقِرّي أيّتها المرأة! فو الله ما بايَعنا إلاّ على هذا. قالت: فنعم إذاً، فبايعها بالآية.


                                             *****



ما يأسِرُ النّاس من النّساء إلاّ الحَياء!



إي والله هو الحلية لمن لا حلية لهنّ، والشَّوهاء بحقّ من قلَّ فيها ماؤه، أو انكشف عنها رُوَاؤه!



ألم تُمتحنْ مرَّة بامرأة خَلعت دِثَارَه، وخرَّقت شِعاره فصارت أثقل شيء عليك، وأسمجَ مخلوق لديك!



فاطمةُ هذه العبشميّة خالة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهم- كانت فيمن وفد مع أختها هند مهاجرات مبايعات، فكان ﷺ يمتحنهنّ بهذه الآية، {يا أيّها النبيّ إذا جاءك المؤمناتُ يبايعنكَ على أن لَّا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقنَ ولا يزنينَ ولا يقتلنَ أولادهنّ ولا يأتين ببهتانٍ يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينكَ في معروف فبايعهنّ واستغفر لهنّ الله إن الله غفورٌ رحيم} (12 الممتحنة).



ما إن سمعتْ فاطمة (ولايزنين) حتى وضعتْ يدها على رأسها حياء!



وكأنّي بها تداري وجهها وتلمُّ نفسها مستعظمة، متعجّبة، حَييَّة، خَفِرَة، تكاد تذوب لفرط خجِلها عند هذا الشّرط!



وكأنّي بها تهتفُ في أثناء ذلك مخاطبة بناتِ جنسها في سِرّها : ويحكنَّ كيف تتجرّأ حُرَّة على هذا!؟



أتعقل إحداكنَّ ما معنى هذه الفَعْلة، وشؤم هذه السَّقْطة!؟



أتُبْلين جِدَّةَ نفسك؟ أتكدّرين رونقَ وجهك وأُنس روحك!؟



أتدنّسين ثوبَ طهرك؟  أتعكّرين صفاءَ عيشتك!؟



ألا تدري إحداكنّ أنّها بذلك أرْكَسَتْ كرامتها، ولوَّثت شَرَف عنصرها، ومعدِن عزّها؟!



ويحكنّ أين يذهب بعقولكنّ، وكيف تتهوَّكْنَ في هذه المَهْواة، وتتسفَّلن إلى هذه الدَّرَكَة، وفيكنَّ من أسباب الانزجار حاجزٌ عن ذلك!



صورةُ فاطمة وهي تضع يدها على رأسها حياء وإعجابُ رسول الله ﷺ بصنيعها صورةٌ ماثلة في كلّ امرأة مسلمة حييَّة، تحثُّها لتنأى دائماً عن أسباب الرّيب وتتنزَّه عن مسالك التُّهم وتستنكف عن الخنا والعُهْر بل ممّا يقرّب منهما من قريب أو بعيد!



ألا تعجبون من هذه المرأة النّاشئة في بيئة جاهليّة كيف تستهجنَّ هذا السُّوء، وتتقبَّض من ذِكْره وعاقبة أمره!؟



و(هند) أختها داخلتْها الغرابةُ حين شُرط (ولا يزنين)! فقالت: وهل تزني امرأةٌ حُرَّة؟!



قال عليه الصّلاة والسّلام: لا والله ما تزني الحرَّة!!



إن هذا الجيل كان مؤهّلاً برجاله ونسائه بما أوتي من بقايا الخِلال الرّضيَّة والصّفات السّنيَّة؛ أن يحمل أعباء رسالة جديدة؛ فلا غرو (الله أعلم حيث يجعلُ رسالته)!



الحياء خيرٌ كلّه، وهو لا يأتي إلاّ بخير، وهنا من آثار هذا الخلق أنّ فاطمة رضيت وسارعت للمبايعة بعد أن سمعت أمَّها السيّدة عائشة -رضي الله عنها- تقول لها: أَقِرّي أيّتها المرأة فوالله ما بايَعْنا إلا على هذا.



قالت: فنعم إذاً، فبايعها بالآية.



وإنّه -والله- لا ينقضي عجبي من امرأة جاهلية تخجل من ذِكْر كلمةٍ تُذَكّر بالفحش، إذا رأينا وعاينَّا حال الجاهليّة المعاصرة التي أقامت النوادي للعراة، والتي تعقد مسابقات الجمال، وتتاجر بالأجساد والأعراض!!



لا، لماذا لا نحاسب أنفسنا نحن الذين ننتسبُ إلى الإسلام!؟



فأمسِ شَكَتْ إليَّ فتاةٌ حثَّ والدها المتكرر على أن تترك (الحجاب)



يا هذا أنت مسلم!؟ أليس لك قلب؟!



رزقنا الله الحياء، وباعد بيننا وبين الكبرياء وإباء الشَّريعة الغرّاء، ونسأل الله العافية.


----------------------------


[i] راجع بيعة النساء هذه في: (1) تفسير ابن كثير 4/352-356 ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد 6/36-40



والإصابة في تمييز الصحابة 4/273 وحياة الصحابة للكاندهلوي حياة الصحابة 1/426-433 طبعة دار ابن كثير -دمشق

تحميل