مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 30/11/2011

جامع الدرويشية

مساجد الشام

بناه درويش باشا 982 هـ


شواهد ومباني أثرية كثيرة في دمشق، تدعونا للوقوف عندها بحسن تأمل وتفكر وإنصات للذات بصدق ينبع من روحك -أيها السائح الدمشقي- فهيا معاً باتجاه الشارع الرئيسي للحريقة بدمشق، وعلى الجهة اليمينية، جامع كبير متناوب اللونين أسود وأبيض، يدعى جامع الدرويشية، فما حكايته؟


ذكر عبد القادر الريحاوي في كتابه العمارة العربية الإسلامية:


شيدت أهم المباني الدمشقية العامة في القرن الأول من العهد العثماني، وكان يقع أغلبها خارج السور في أطراف المدينة القديمة، وذكر المجموعة الرابعة هي الدرويشية، قائلاً:


شيدها والي دمشق درويش باشا سنة  982 هجري / 1574 ميلادي، وتتألف من جامع ومكتب ومدفن وسبيل، بنيت وفق العمارة العثمانية من حيث التخطيط والعناصر المعمارية والزخرفية.


إذن جامع درويش باشا أو جامع الدرويشية، هو جامع عثماني ويقع في الطريق المستقيم وهو الشارع الواقع في قلب مدينة دمشق الممتد ما بين باب الجابية وباب شرقي.


  والذي بناه الرومان طوله 1570 متر داخل السور يمتد من غرب المدينة القديمة، إلى شرقها قاطعاً إياها إلى قسمين وعرضه 26 متر.  


 يتألف هذا الجامع من: حرم الجامع – فتحة سماوية تتوسطها بحرة وسبيل ملاصق للجامع من الخارج بالإضافة إلى تربة ملاصقة للجامع تضم رفاة الوالي درويش باشا، قد أوقف درويش باشا بعد بنائه أوقاف كثيرة منها: حمام القيشاني – خان الحرير وغير ذلك.


وقد بدأ في إنشائها والي الشام العثماني درويش باشا رستم في نفس العام الذي تم تعيينه والياً على الشام سنة 979 هجرية 1571 للميلاد وانتهى من بنائها في سنة 982 هجريةـ 1574 للميلاد، زمن السلطان العثماني مراد خان الثالث ابن السلطان سليم الثاني كما هو محفور على اللوحة الرخامية عند باب الجامع.


ويوجد فوق اسفكة الباب كتابة تاريخية منقوشة ومحفورة، وهي عبارة عن أبيات شعر ما نصها:


في دولة السلطان بالعدل مراد

من قام بالغرض وأحيا السنة

درويـش باشـا قد أقام معبدا

وكـم لـه أجـر بـه ومنه

بنـاه خيـر جامـع تاريخـه

فـاســجد واقترب بجنـه


قد كان هذا الوالي من خيار الولاة العثمانيين، دخل دمشق سنة 979 هجري، فسار بأهلها سيرة حسنة، ونشر الأمن وتعقب المجرمين ثم نقل سنة 982 هجري. و توفي سنة 987، ثم نقل جثمانه إلى تربته التي بناها بجوار جامعه من القبلة، وقد توفي باسطنبول وطلبت زوجته حسب وصيته بنقل رفاته إلى دمشق من شدة عشقه للشام ليدفن فيها، وبجوار ضريحه يوجد ضريح آخر يمكن أن يكون لزوجته.

قال يوسف ابن عبد الهادي في ثمار المقاصد:


(وقال بدران في منادمة الأطلال: بناه درويش باشا بالمحلة المنسوبة إليه، وكان قبلاً تسمى بالاخصاصية قبلي دار السعادة، كانت بين حمام الراس وجامع عيسى باشا حيث يقوم الآن جزء من سوق الخجا). و كان محله مسجداً صغيراً فعمره جامعاً نزهاً ورتب فيه الوظائف وجعل به مدرسين حنفياً وشافعياً .


وأقول: وهذا الجامع أعظم جوامع دمشق وأبهاها منظراً وأغناها نقوشاً وزخارف وقاشاني أما محرابه ومنبره فهي آيتان من آيات الفن، وهو على النمط التركي في طراز صحنه وقبته ومنارته الجميلة، وفي يسار المحراب لوحة قديمة يرجع عهدها إلى سنة 988 (و لا شك أنها منقولة عن موضع آخر).


  كما يحتوي المسجد غرفاً للتدريس وللمدرسة التي تعلوها قبة، وأول من درّس في هذه المدرسة الشيخ إسماعيل النابلسي، ثم خلفه الحسن البوريني.  


أما السبيل: فهو موجود بالواجهة الشمالية من الجامع الواقع في الحي المنسوب إليه (الدرويشية) والجدير بالذكر أن معظم المنشآت الدينية والنفعية مثل المساجد والمدارس والخوانق والتكايا والزوايا والرباطات والبيمارستانات والخانات كانت تقام على ضفاف الأنهر ومصبات المياه في مدينة دمشق الشام للاستفادة قدر الإمكان من هذا العنصر الحيوي الهام للحياة.


وهذا السبيل من السُبل العثمانية المسجلة مع الجامع في عداد الأبنية الأثرية في دمشق، هو سبيل جميل جداً تزين واجهته ألواح القيشاني.


قال ابن العماد في شذرات الذهب:


(وفي سنة سبع وثمانين وتسعمائة توفي درويش باشا ابن رستم باشا الرومي تولى أيالة دمشق وعمر بها الجامع خارج باب الجابية لصيق المغيربية وعمر القيسارية والسوق والقهوة، وعمر خان الحرمين والحمام داخل المدينة بالقرب من الأموي ويعرف الآن بحمام القيشاني علماً بأن البناءين يعودان إلى عهد السلاجقة، وكان الخان معروفاً باسم خان القوسين، ووقف ذلك فيما وقفه على جامعه وشرط تدريسه للشيخ إسماعيل النابلسي وكان خصيصاً به وعمر الجسر على نهر بردى عند عين القصارين بالمرجة ومات ببلاد قرمان ونقل تابوته إلى دمشق فدفن بها انتهى). 


رحلة مضينا فيها، بدأناها بمعلومة، لننتهي عند قول ابن عطاء الله السكندري:


(الأعمال قائمة و أرواحها سر الإخلاص فيها)


فما نحن إلا أحوال نفوس تحيا فوق هذه الأرض، والنفوس تتغير وتتبدل، وتعتريها ألوان من الكدر والصفاء، وما يفهمه هذا قد لا يفهمه ذاك، فاثبت أيها الإنسان على الإخلاص لله، فذلك هو سر الحياة، والإخلاص لله عز وجل يطالبنا باستمرارية استنطاق العبر والعظات من هنا وهناك.


فما أعظم وأجمل شعور العبودية لله الواحد القائل:


(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) 


المصادر و المراجع:


ـ ثمار المقاصد في ذكر المساجد / ابن عبد الهادي

ـ العمارة العربية الإسلامية / عبد القادر الريحاوي