مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ:

سر ليلة القدر

مقالات

سر ليلة القدر


كامن في تجلياتها .. لا في زمانها


في الناس من يستشكلون، تكلّفاً أو بصدق، ثبوت المزايا التي حدّث بها القرآن لليلةٍ بخصوصها من ليالي السنة، سواء قلنا إنها ثابتة أو متنقّلة، ألا وهي التي سماها القرآن ليلة القدر. إنّ هذا يعني أنها ذات ميقات واحد في العالم كله. ولكن يُشكِلُ عليه أنّ مما هو ثابت بداهة أن مواقيت الليالي والأيام دائرةٌ متواليةُ على الكرة الأرضية .. فساعات النهار هنا هي ساعات الليل في الجهة المقابلة، أليس في هذا ما يدل على أن كلام القرآن شارد عن كثير من الحقائق الأولية للعلم؟


وأقول لهؤلاء المستشكلين، مفترضاً أنهم صادقون في استشكالهم، عاجزون عن معرفة الحل: أما الأزمنة فليس ثمة اختلاف في جوهرها، وليس بينها أي تفاوت في فضلها. بل هي من حيث القيمة الذاتية واحدة، سواء كان مرادنا بالزمن هنا حركة الفلك، أو المعنى الفلسفي له، والزمن بمعناه الفلسفي أو (العلمي) وهْمٌ لا وجود له. إذ هو فيما قرره العلماء قديماً وحديثاً البعد الرابع لأي شيء له ثلاثة أبعاد، أي البعد المتحرك لشيء ما، فحركته هي التي ترصد ما يسمى بالزمن.


وسواء قصدنا بكلمة (الزمن) المعنى الأول أو الثاني، فليس له وجود ذاتي مستقل بنفسه، إذ هو ليس أكثر من مقياس للحركة، سواء قصدنا حركة الأفلاك، أو حركة جرم ما ذي ثلاثة أبعاد. إذ لا وجود للحركة وميقاتها إلا بوجود الشيء المتحرك. فهو إذن مقياس افتراضي لحركة الموجودات.


إذن فليلة القدر، وليلة الجمعة، ويوم عرفة، وأيام رمضان، ذات قيمة واحدة من حيث الجوهر الذاتي، ومن حيث الحقيقة الزمنية، لو كانت لها حقيقة.


كذلكم الأمكنة .. ليس بين مكان ومكان آخر أي تفاوت في القيمة أو الأفضلية، فأرض عرفة وأرض مكة، ومثوى رسول الله، والأراضي الأخرى من حيث جوهر التربة شيء واحد، بقطع النظر عن عوارض المزايا التي تتمثل في صلاحية التربة أو عدم صلاحيتها للاستنبات، أو ما قد يوجد أو لا يوجد فيها من المعادن والأشياء المفيدة.


إذن فمن أين تنبعث أفضلية ليلة القدر على غيرها؟


إن أفضليتها جاءت من تجليات الله فيها على عباده بالصفح والرحمة واستجابة الدعاء وتفريج الكروب، فاكتست لذلك هذه المزيّةَ العارضةَ التي لم تتحقق في سواها.


ومن الثابت يقيناً فيما أنبأ به رسول الله أن ليلة القدر هذه تنتقل بين ليالي رمضان ما بين كل عام وآخر. وفي ذلك ما يقطع بأن الفضل الذي نوّه الله به لها ليس كامناً في طبيعة ليلة بذاتها، إذن لبقيت هي ذاتها ليلة القدر إلى قيام الساعة.


فكما أن ليلة القدر تنتقل بين ليالي رمضان ما بين عام وآخر، فإنها تختلف كذلك ما بين بقعة وأخرى من الأرض، حسب ما يتقاسمها توالي الليل والنهار.


إن الشأن في ليلة القدر وفضلها، ليس إلا كالشأن ذاته في فضل الهزيع الأخير من كل ليلة، فقد ثبت بأحاديث كثيرة صحيحة أن الله يُقبل على عباده فيه، أياً كانوا، وأينما كانوا، فيقول: ألا هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له؟.. إن هذا يعني أنه ما من ساعة في ليل أو نهار إلا ويقبل الله فيها على طائفة من عباده بهذه الألطاف الجاذبة .. إذ ما من ساعة إلا وهي ساعة الهزيع الأخير من الليل في مكان ما من أرض الله الواسعة.


وإنها لرحمة من الله عجيبة تنتشر موزعةً بالتوالي في بقاع الأرض، تنتقل من زمن إلى آخر، وتزور الناس في بقاعهم بقعة إثر أخرى، وتُقبل عليهم في مواقيتهم المتوالية المحددة. وبذلك يشترك الناس جميعاً في فُرَصِ التعرض للألطاف والتجليات الإلهية، من حيث الأزمنة المتوالية، دون أن يستدعي ذلك منهم تعطيلَ أوقاتهم والإعراضَ عن أسباب معايشهم.


إذن فقد تبين ما كان ينبغي أن يكون مفهوماً دونما حاجة إلى إيضاح ما هو واضح، من أن فضيلة ليلة القدر المنصوص عليها في القرآن، ليست منبثقة من جوهر زمان بعينه، حتى يرد الإشكال الذي يورده المستشكلون، وكيف تكون منبثقة مما يسمى الزمان وقد علمنا أن الزمان وَهْمٌ لا وجود له، إذ هو مقياس تحرك شيء ما لا أكثر. وإنما الفضيلة صفة عارضة لميقات معين محدد في علم الله، وهو ميقاتٌ تتوازعه حركة الأفلاك بما فيها الأرض. ويتكرر مع توالي الليل والنهار. إنها فضيلة هابطة من علياء الربوبية، وليست مزية طبيعية منبثقة مما يسمى الزمن.


وعلى هذا فإن ليلة القدر عندما تصادف ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان في الإمارات مثلاً، يكون ميقاتُها الليلةَ التي تليها أو بياض اليوم الذي يليها في مكان آخر. إن المحور في كل حال إنما هو تجلياتُ الله وألطافُه، وليس طبيعةَ الأزمان التي عرفنا أنها مجرد مقياس ووهم.


*                          *                              *


ولكن المستشكل قد يواصل استشكاله فيقول: ولكن القرآن يقول: إنا أنزلناه في ليلة القدر. وهو يعني أن بداءة نزول القرآن كانت في ليلة بعينها، أي كانت في ليلة معينة من ليالي القدر الكثيرة التي تقاسمتها - كما قلنا - بقاع الأرض، ففي أي ليلة منها كانت بداءة نزول القرآن؟


والجواب أن نزول القرآن إنما كان على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ونظراً إلى أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان آنذاك في مكة، إذن فليلة القدر التي نزل فيها القرآن أول ما نزل، هي تلك التي كانت كامنة في إحدى ليالي شهر رمضان في الجزيرة العربية.


وانطباق ليلة القدر على مواقيت وأماكن أخرى من الأرض في تلك السنة، لا يضير الحقيقة شيئاً، ولا يتناقض أو يتشاكس مع كلام الله القائل"إنا أنزلناه في ليلة القدر".


 


*                          *                              *


 


والآن .. ترى هل سيكون هذا البيان مقنعاً لهؤلاء الإخوة الذين لم يستقبلوا حديث القرآن عن ليلة القدر إلا بروح النقد والاستشكال؟


أليست الثقة بكلام الله خالقِ الكون، مبدعِ نظامه ومسيّر أفلاكه، خيراً من اختباره وعرضه على محكّ البحث والنظر، حتى ولو كان السائل أو المستشكل غير بصير بما يهديه إلى الحلّ والجواب؟


إن رسول الله يقول: - من خلال روايات وأسانيد متعددة - (إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها)، أي إن في الطريق التي تجتازونها إلى وقفة آتية لا محيد عنها بين يدي الله، معالمَ من الصفح والعفو الإلهي، تدعوكم إلى التخفيف من أثقالكم، بالاصطلاح مع الله وتجديد البيعة له، وإذا السيئات الماضية قد تحولت إلى حسنات، وإذا السجل الذي سودته الآثام قد عاد أبيض ناصعاً.


أليس التعامل الإيجابي مع هذه المعالم  أولى، فيما يقرره العقل والمنطق، من الوقوف عندها بالطريقة الاستكشافية الناقدة التي يجنح إليها السائح المتجول عندما يقف على بُنى ومعالم لم يكن قد رآها، ولا علم له بها؟


هل يصدق علينا أننا غرباء عن قصة رحلتنا في فجاج هذه الحياة أو أنها غريبة عنا، كغربة السائح عن البلاد التي يجوبها متعرفاً على معالمها؟ هل يَصْدُق علينا أننا لا نعلم شيئاً عن معالم الصفح التي يعلنها لنا الله تفضلاً منه وإحساناً في طريق سيرنا إليه عندما تزلّ بنا الأقدام في أودية المعاصي والآثام، وها هي ذي تنادينا أن انتهزوا الفرصة السانحة للعفو عن كل ما مضى، ولبدء مرحلة جديدة نقية من كل الانحرافات والآثام؟


أجل .. إنها معالم زمانية ومكانية من العفو المعلَن لكل من يودّ أن يضع أثقاله ويفوز بالصفح الجميل من الله، دون كفارة يؤديها أو رسوم يدفعها، أللهم إلا صدق الالتفات إليه والدينونة بذل العبودية له.


وها هي ذي ليلة القدر مخبوءة في تضاعيف هذا الشهر القدسي المبارك، يهيب بك رسول الله أن تلتمسها في كل ليلة، تلتمسها بصدق التوبة والاستعلان بذل عبوديتك لله، ولسوف يكتب الله لك بمجرد التماسك لها، صادفتها أو لم تصادفها، ولادة جديدة لعمر لك جديد، لم تلطخه الآثام.


أمَا إن العمر لقصير، والفرصة سانحة لكنها موقوتة، والوقت الذي تملكه يضيق عن توجيه مناظير النقد واستيضاح ما هو واضح، من معالم العفو الرباني التي تناديك على الطريق، لا سيما مَعْلَمةُ ليلة القدر، تَشْغَلُ نفسك بمناقشتها، وتزجي الوقت الثمين بالقيل والقال عنها، حتى إذا غابت الفرصة السانحة وأوصد باب المعلمة الربانية المبشرة، صحا العقل ولم تنفع الندامة.


على أنك قد عرفت الجواب عن سؤالك وتلقيت الحل الذي تبحث عنه لإشكالك. فتعال إذن نَجْنِ الفرصة قبل فوات الأوان، ونستثمر معالم صفح الله في مواقيتها، فإن الإعراض عن الفرص السانحة نذير شرّ قد يَحيق بالمُعرض لا سيما إن كان سبب إعراضه الاستكبار والاستخفاف. 


حماني الله وإياك منهما، وثبتنا على الحق أينما كان.