مميز
الكاتب: عبد الله راغب
التاريخ: 08/12/2010

العارف بالله: الشيخ علي بن شهاب الشعراني

مشاركات الزوار
العارف بالله الشيخ علي بن شهاب الشعراني
(891-804)
كان رضي الله عنه من المدققين في الورع، ويقول الأصل في الطريق إلى الله طيب المطعم، لذا لم يأكل فراخ الحمام الذي في أبراج الريف إلى أن مات وكان والدي رحمه الله يأتيه بفتاوى العلماء بحله فيقول: يا ولدي كل من الخلق يفتي بقدر ما علمه الله عز وجل! ثم يقول إنها تأكل الحب أيام البذار، ويطيرونها بالمقلاع، ولذلك يعملون لها أشياء تجفلها ولو كان الفلاحون يسمحون بما يأكله الحمام ما فعلوا ذلك. ثم بالغ فتورع عن أكل العسل وقال: إني رأيت أهل الفواكه ببلادنا يطيرون النحل عن زهر الخوخ والمشمش وغيرهما ولا يسمحون بأكل أزهارهم. فقال له والدي رحمه الله: أما قال الله تعالى المالك الحقيقي( كلي من كل الثمرات) فقال: الثمرات المملوكة أم المباحة؟ فقال والدي: إن كل تفيد العموم، فنحن على العموم. فقال جدي: الخاص مقدم على العام، وقد حرم الله عليك أن ترعى بقرتك في زرع الناس بغير رضاهم ثم تشرب لبنها، فكشف والدي رأسه واستغفر وقال: مثلي لا يكون معلما لك يا سيدي!
كان جدي يقرئ الأطفال القران في قريته، وما كان يدخل جوفه شيئا مقابل ذلك، وحتى أيام الغلاء كان يجوع ويطعم ذلك لأرامل القرية وأيتامها، وكان عنده موهبة معلقة في سقف الزاوية وكلما فضل من خبزه شيء وضعه فيها حتى تمتلئ ثم يرسل عمي ليوزعه على مساكين البلد وأحيانا يوزعها هو بنفسه.
وكان لا يأكل قط من طعام فلاح ولا شيخ بلد ولا مباشر ولا لأحد من أعوان الظلمة، وسمعت من الشيخ زكريا الأنصاري رضي الله عنه يقول: كان جدك من إخواني في الجامع الأزهر وكان يضرب بي وبه المثل في شدة الاجتهاد والصيام والقيام بنصف القران كل ليلة، وكان يفوقني في الورع فإنه لم يأكل من طعام مصر قط وكان يقول: سمعت أخي ابراهيم المتولي يقول: طعام مصر سم في الأبدان، وكذلك كان لا يشرب من ماء حمله له غيره بل يذهب للنيل بنفسه ويملأ جرته. وكان رحمه الله باراً بوالدته ولما رغبت بتزويجه وهو في الأزهر قلت له استخر قال لا أستخير في طاعة والدتي. انتهى
وكان يقول مات أبي وأنا صغير فما رباني إلا أمي فكنت ارعي للناس بهائمهم وأتقوت، وحفظت القران وأنا أرعى البهائم فكنت اكتب الآيات على لوح وآخذه معي لأحفظه أثناء رعي البهائم فمر بي احد الصالحين يوما فقال يا ولدي شاور أمك واذهب إلى مصر تعلم بها العلم فشاورت أمي فسمحت بذلك وزودتني بزوادة آكلها في أربعة أشهر فإذا ما نفدت أرسلت غيرها.
أخبرني من قرؤوا عليه القران إنهم لم يضبطوا عليه غيبة واحدة في احد إلى أن مات، وكذلك لم يضبطوا عليه قط مدة صحبتهم ساعة فراغ فكان إن لم يكن له عمل أخروي كان في عمل ينفع الناس.
برنامجه اليومي: كان يقوم قبل الفجر فيصلي إلى ما شاء الله، ثم يتحزم ويبدأ في ملئ جرار كبار بالماء وهو يقرأ القران إلى قرب الفجر وربما قرأ نصف القران أثناء ذلك فكان يملأ سبيل زاويته التي أنشأها على أطراف القرية ثم يملأ سبيل الجامع ثم سبيلا خارج البلد، ولما تزوج أولاده الثلاثة كان يملأ له سقياتهم حتى مسقاة الكلاب ولا يمكن احد منهم بالقيام بذلك بدلا منه، ثم يرجع إلى ميضأة زاويته فيملؤها، وينظفها ثم يصعد إلى السطح فيسبح الله فترة ثم يؤذن للفجر، وينزل ليصلي سنة الصبح، ثم يقرأ السبع هو وعرفاء الأطفال ثم يصلي بالناس ثم يجلس يتلو القران إلى طلوع الشمس، ثم يأتيه الأولاد فلا يزال يقرئ هذا ويعلم ذاك الخط أو التجويد أو يؤدب أو يرشد إلى أذان العصر فيملأ الميضأة ثم يفتح دكانه على باب زاويته ليبيع الزيت والعسل والرز ثم يغلق دكانه قبل المغرب فيؤذن ويصلي بالناس ويجلس للسبع إلى صلاة العشاء، فإذا صلى العشاء لا يفرغ من وتره حتى لا يبقى احد يمشي في الأزقة وينام الناس فيغفو قليلا ثم يقوم للقيام وهكذا يبدأ يوما جديدا كما ف اليوم السابق، وكان هذا عمله صيفا وشتاء فكانت زوجه تقول له: يا سيدي أما تستريح ليلة! فيقول: ما دخلنا هذه الدار لذلك! وكان رضي الله عنه إذا قويت شبهته في ثمن شي لا يأخذ من ذلك المشتري ثمنا ويقول له سامحناك فيظن انه فعله لمحبته له!
كان إذا زرع مع الناس الفول جعل بينه وبينهم خطا من القمح وإذا زرعوا القمح جعل بينه وبينهم خطا من الفول فإذا جاء وقت الحصاد ترك للناس خط الفول أو أخذه إذا شاء، وكان إذا حان وقت الصبح أثناء الحصاد ترك الحصاد فكان شريكه يتأذى من ذلك فيقول له: كل طعام اكتسب بطريق الحرام فهو حرام. وكان يقول: بلغني أن الأرض لا تأكل جسما قط نبت من حلال فكان الفقهاء ينكرون عليه ذلك ويقولون إن ذلك خاص بالأنبياء، فلما مات والدي أدخلوه عليه فوجدوه طريا كما وضعوه وبين دفن والدي ودفنه احد وعشرون للسنة، فأرسل الملحد للفقهاء فجاؤوا فقال لهم انظروا فاستغفروا وتابوا.
لما حضرت جدي الوفاة دعى بكتاب سيدي عبد العزيز الدريني المسمى "طهارة القلوب" وطلب من والدي أن يقرأ له في أحوال القوم عند خروج أرواحهم فقرأ له فتنهد وقال: سبقونا على خيول دهم، ونحن في أثرهم على خيول دبرة.
بلغني أنه كان يقرأ القران وهو ينسخ كتب العلم فتخرج كتابته سليمة من الغلط، وكان يأكل الطعام مع المجذومين ويقول: إن هؤلاء خاطرهم مكسور! وكان الذين يقرؤون عليه القران يقولون ما رأيناه نائما قط في نهار الصيف ولا غيره فكان يقول: لم يجعل النهار للنوم. ولما حج تلقاه الناس ووافق وصوله ساعة أذان العصر فصعد سطح الزاوية وأذن ثم نزل وصلى بالناس ثم نزل فنظف بيوت الخلاء على عادته قبل دخول بيته ثم غفى قليلا ثم قام لمباشرة أعماله ككل يوم من ملئ الجرار على ما ذكرنا، ولما عاد من الحج كثر بكاؤه وحزنه زيادة على ما كان عليه قبل الحج وكان يقول: لا يعجبني كثرة العبادات من العبد وإنما يعجبني كثرة خوفه من الله عز وجل ومناقشته لنفسه.
طاقته الايجابية على من حوله: كان جدي إذا خرج من بيته للصلاة لا يستطيع تارك الصلاة أن يفارقه حتى يصلي هيبة منه وكان إذا رأى جماعة في مجلس لغو قال: يا أولادي العمر يضيق عن مثل ذلك وقريبا تندمون.
نسبه: كان نسبه رضي الله عنه ينتهي إلى سلطان تلمسان أبي عبد الله في الجد الرابع إلى محمد بن الحنفية وكان لا يظهر ذلك ويقول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التفاخر بالنسب، ولا ينفع الإنسان إلا عمله. وقد تبعه على ذلك والدي وأعمامي فلما خفت موت نسبنا ذكرته في كتبي.
توفي جدي رحمه الله عام 891 هجري وله من العمر سبع وثمانون سنة رضي الله عنه.
بتصرف من ك/ الطبقات الكبرى للإمام الشعراني.

تحميل



تشغيل