مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 07/02/2011

السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي

أعيان الشام

يوسف بن أيوب بن شاذي، صلاح الدين الأيوبي


الناصر صلاح الدين السلطان المجاهد، 532 / 589 هجري


من وصية صلاح الدين لابنه، إذ قال :


(وأحذِّرك من الدماء والدخول فيها؛ فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم، ولا تحقد على أحد؛ فإن الموت لا يُبقي على أحد، واحذر ما بينك وبين الناس فإنه لا ْيغفَر إلا برضاهم، وأما ما بينك وبين الله فإنه يغفره بالتوبة إليه فإنه كريم)، كان غضبه إذا غضب للمكارم والشرف، فقتلُه لأرناط الغادر صاحب الكرك لا يذمه أحدٌ في كتب التاريخ.


بفاتحة الكتاب إلى أرواح من سبقونا بالإيمان نبدأ رحلتنا مع صلاح الدين الإيوبي، وبتأمل لكلمات نبعت من قلوب السلف الصالح ننطلق، فهيا معاً، فصلاح الدين ينتظر منا حسن التدبر.


فلتقف أيها السائح المغامر والمستكشف الساعي للارتقاء بذاتك نحو الأفضل عند هذه النسمات الإيمانية التي تأثر بها صلاح الدين الأيوبي:


(أما بعد فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال،  فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصـر المسلمون بمعصية عدوهم، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإذا تساوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، لم نغلبهم بقوتنا) – من خطاب الفاروق لسعد بن أبي وقاص بطل القادسية.


حيث قصَّ الجاسوس لماهان أحد قادة الروم، قبل معركة اليرموك الفاصلة بين الروم والمسلمين على أطراف الشام، فقال: (جئتك من عند قوم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، رهبان بالليل فرسان بالنهار، يريِّشون النبل ويبرونها ويثقفون القنا، ولو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام).


وصلاح الدين الأيوبي قد تعشق وازداد عشقاً وتعلقاً بمن سبقه من السلف الصالح، فجاءت سيرته الوضاءة على كل لسان.


ندعوكم لسياحة روحية ايمانية في القرن السادس للهجرة، فلننصت معاً ....


كانت البلادُ الإسلاميَّة قد توالَت عليها المِحن، وتكالَبَ عليها الأعداء، ومزَّقتها الفُرقة، وتقسَّمت إلى دويلاتٍ وإمارات، يثير الأعداءُ بينها الشِّقاق، ويُطمِعون بعضَ أُمرائها في ولايات الآخرين؛ ليَسهُلَ بعد ذلك على العدوِّ ضربُها جميعًا، وقد استولى الإفرنج على السَّاحل الشرقيِّ للبحر الأبيض المتوسِّط، وعلى القُدس الشريف. في هذا الجو المأساوي، وُلِد بطلٌ صارَ له دَويٌّ في الدنيا، فملأ الأسماع، وتمَّ على يده إنقاذ المسجد الأقصى، وقهرُ الصَّليبيين، حتى تحطَّمت آمالُهم بعد حروبٍ استمرَّت حَوالي ربع قرنٍ من الزمان.


ظهر هذا البطل العالمي، وبشخصيته استطاع أن يوحّد الأمة ويجمع شمل مصر والشام والعراق.


وإن الحديث عن سير العظماء في التاريخ هي لمن أطيب الأحاديث، ذلك لأن هؤلاء العظماء ما هم إلا أنوار تسطع في سماء الإنسانية العالمية، وصلاح الدين الأيوبي أحد هؤلاء العظماء.


فما أحوجنا اليوم أن نتستلهم من سيرة بطل جعل من شعاره: (فرسان في النهار رهبان في الليل) نستمد العبر والعظات من سيرته في وقوف وتأمل، نسأل المولى حسن التدبر.


من هو صلاح الدين الأيوبي؟


لقد كان فارسًا نبيلاً وبطلاً شهمًا وقائدًا إنسانًا، التزم بأخلاق الإسلام وشريعته السمحة التي تدعو إلى العفو والإحسان، فجمع صلاح الدين الأيوبي في شخصيته أخلاق الفارس النبيل، ومواهب وقدرات رجل الدولة، فهو شجاع لا يهاب أعداءه، لكنه في الوقت نفسه يستعد لهم أحسن استعداد، في وقفة اضطرار بين يدي الله يسأله الرشد والتوفيق، لذلك لم يدخل معاركه ضد الصليبيين قبل الإعداد لهم، فهو يدرك أن النصر لا يأتي إلا مع وحدة الصف، وأن عدوه لم يتفوق إلا بسبب تفرق المسلمين، لذلك عمل على جمع شمل مصر والشام والعراق تحت قيادته، مع سماحة وحب للسلام فصار مضرب الأمثال.


 وهل تعلم أيها الساكن دمشقَ العظيمة، بأن صلاح الدين عندما توفي لم يكن يملك إلا بضع دراهم، ولم يُخلف عقاراً أو منزلاً أو بستاناً !


اسمه ونسبه ونشأته:


ينتمي صلاح الدين إلى عائلة كردية، كريمة الأصل، عظيمة الشرف، هذه العائلة عُرفت في الدولة الأيوبية، وتنتسب هذه العائلة إلى قبيلة كردية تعد من أشراف الأكراد نسباً وعشيرة، وهي تُعرف (بالروادية) من بطون الهذيانية، وهي من أكبر القبائل الكردية، هذه القبيلة كانت تسكن قرية يقال لها "دوين" في أقصى حدود أذربيجان وإلى قبيلة الرَّوادية ينتمي شاذي والد صلاح الدين .


من هذه الأسرة العريقة في حسبها وشرفها وُلد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة 532ه الموافق1137مـ في تكريت، و هي بلدة قديمة أقرب إلى بغداد منها إلى الموصل، أما المكان الذي ولد فيه فهو قلعة (تكريت)، وقد قامت هذه القلعة الحصينة في الطرف الأعلى من دجلة، بناها ملوك الفرس منذ القدم على حجر عظيم، وجعلوها مخازن للذخيرة، ومرصد لمراقبة العدو، ثم افتتحها المسلمون في السنة السادسة عشرة من الهجرة أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظلت تكريت تنتقل تحت حكم الدولة السلجوقية.


اتصل أيوب بن شاذي والد صلاح الدين بأحد رجال رئاسة الشرطة السلجوقية ببغداد واسمه "مجاهد الدين بهروز"، فجعل أيوب حاكماً على تكريت وجعل معه أخوه شيركوه أسد الدين مساعداً له، فنزلا تكريت وعملا في شرطة  بهروز، من إقليم آران.


ومن عجائب القدر أن في يوم ولادة صلاح الدين أمر مجاهد الدين بهروز والي بغداد نجم الدين وأخاه شيركوه بمغادرة مدينة تكريت؛ لقتل شيركوه عم صلاح الدين أحد قواد القلعة، وذلك من أجل امرأة آذاها القائد في شرفها، وبهروز وقع في حيرة من أمره خوفاً من انتقام القواد، فلم يجد سوى أن يأمرهما بالمغادرة، وطلب إليهما أن يخرجا في ليلتهما من تكريت، فخرج الرجلان يقصدان الموصل وقد حملا أسرتيهما، وفي رحل نجم الدين يوسف ابنه الطفل المولود صلاح الدين .


وتخبرنا المصادر بأن أيوب قد تشاءم بمولوده الجديد صلاح الدين، وقد هم بقتل ولده عندما كان يصيح وهو طفل وهم خارجون من المدينة، ولكن أحد أتباعه حذره من هذا العمل قائلًا : يا مولاي، قد رأيت ما حدث عندك من الطيرة والتشاؤم بهذا الصبي، وبم استحق ذلك منك وهو لا ينفع ولا يضر، ولا يغني شيئًا ؟ وهذا الذي جرى عليك قضاء الله تعالى وقدره، ثم ما يدريك أن هذا الطفل يكون ملكًا عظيم الصيت، جليل المقدار، فاستبْقِه فهو طفل ليس له ذنب ولعل اللّه جاعل له شأن ... ولقد أثرت هذه الكلمات في نفس أيوب وسرعان ما رجع إلى الرشد والحق.


نشأة صلاح الدين القائد السياسي البارع:


هاجر الأخوان نجم الدين أيوب وشيركوه من بغداد إلى الموصل، ونزلا عند عماد الدين زنكي صاحب الموصل الذي بدوره رحب بهما وأمن لهم الحماية، وذلك لسابقة من الوفاء قد حملها عماد الدين في رد معروف سابق لهما، فكان لهذه المعاملة الحسنة، والموقف النبيل أكرم الأثر، وأحسن النتائج في بناء الملك أيوب، وإقامة دولة الأيوبيين على يد صلاح الدين فيما بعد.


عاش نجم الدين وأخوه شيركوه ومعهما المولود صلاح الدين في رعاية عماد الدين بأحسن مظاهر العز والإكرام، وأسند إليهما أعمال الجيش، ولما سقطت (بعلبك) في يد عماد الدين زنكي سنة 534 هجري، عهد بها إلى نجم الدين أيوب وعيّنه والياً عليها ، فقضى صلاح الدين في بعلبك بعض سنيّ طفولته الأولى والتي تعد من أسعد السنين، فنشأ على الفروسية، وتدرب على الحرب والجهاد ومارس السياسة وتدبير الأمور.


أما المدة التي قضاها في دمشق بعد تسلم السلطة من قبل نور الدين زنكي فقد كانت من أفضل الأيام التي أظهرت شخصية صلاح الدين الفذة، حيث كان محل احترام وتقدير، ومن المناصب التي أسندت إليه في دمشق في عهد نور الدين منصب رئاسة الشرطة، حيث قام بهذا المنصب أحسن قيام، واستطاع أن يطهر دمشق من عبث اللصوص، ومن شرور المفسدين، لينعم أهلها بنعمة الأمن والاستقرار... وقد تأثر صلاح الدين بالسلطان نور الدين محمود الذي قّدم النموذج الرائع للقائد والسلطان المتفاني في إحساسه الحادّ بالمسؤولية الدينية الوطنية، فتعلم منه الإخلاص في مناجاته بتذلل لربه في الصلوات والليل، وتخبرنا كتب التاريخ وتؤكد بأن عماد الدين زنكي بانتصاراته على الصليبيين قد مهد لابنه نور الدين زنكي الطريق، ومن ثم ليتوج هذا النصر على يد القائد صلاح الدين الأيوبي. 


تأمل أقوال العلماء الثقات في صلاح الدين:


قال الذهبي : ( كانت له همة في إقامة الجهاد، وإبادة الأضداد ما سمع بمثلها في دهر، وكانت له اليد البيضاء، ببذل الأموال، والخيل المثمنة لجنده، وله عقل جيد، وفهم، وحزم، وعزم، كان نور الدين زنكي قد أمره وبعثه في عسكره إلى مصر مع عمه أسد الدين شيركوه، فحكم شيركوه مصر ثم توفي، فقام بعده صلاح الدين ودانت له العساكر، وفي سنة (583هـ) فتح طبرية، ونازل عسقلان ثم كانت وقعة حطين بينه وبين الفرنج، وكانوا أربعين ألفاً فحال بينهم وبين الماء على تل وسلموا أنفسهم وأُسرت ملوكهم، وبادر فأخذ عكا، وبيروت، وكوكب، وسار فحاصر القدس وَجَدَّ في ذلك، فأخذها بالأمان، ثم إن الإفرنج قامت قيامتهم على بيت المقدس وأقبلوا كقطع الليل المظلم برًّا وبحرًا، وأحاطوا بعكا ليستردوها وطال حصارهم لها وبنوا على أنفسهم خندقًا فأحاط بهم السلطان ودام الحصار لهم وعليهم نيفاً وعشرين شهراً، وجرى في غضون ذلك ملاحم، وحروب تشيب لها النواصي).


قال ابن كثير:  (كان السلطان صلاح الدين من أشجع الناس وأقواهم قلبًا وبدنًا مع ما كان يعتري جسمه من الأمراض والأسقام، ولا سيما وهو مرابط مصابر مثابر عند عكا، فإنه كان مع كثرة جموعهم وأمدادهم لا يزيده ذلك إلا قوة وشجاعة، وقد بلغت جموعهم خمسمائة ألف مقاتل ويقال: ستمائة ألف، وكان جملة من قُتل منهم مائة ألف مقاتل، ولما انفصل الحال وتسلموا عكا وقتلوا أكثر من كان بها، وساروا برمتهم نحو بيت المقدس جعل يسايرهم منزلة منزلة ومرحلة مرحلة وجيوشهم أضعاف أضعاف من معه، ومع هذا نصره الله، وخذلهم، وأيَّده وقتلهم، وسبقهم إلى بيت المقدس فصانه وحماه وشيد بنيانه، ولم يزل بجيشه مقيماً به، يرهبهم، ويرعبهم ويكسرهم، ويأسرهم، حتى تضرعوا إليه وخضعوا لديه ودخلوا عليه أن يصالحهم ويتاركهم وتضع الحرب أوزارها بينهم وبينه، فأجابهم إلى ما سألوا على الوجه الذي أراده لا ما يريدونه، وكان ذلك من جملة الرحمة التي خص بها المؤمنون).


 وقال العماد : (أطلق في مدة حصار عكا اثني عشر ألف فرس، وما حضر اللقاء إلا استعار فرساً، نزَّه المجالس من الهزل، ومحافله آهلة بالفضلاء، حليماً، مقيلاً للعثرة، تقيّاً، نقيّاً، وفيّاً صفيّاً، يُغضِي ولا يغضب، ما رد سائلاً ولا خَجَّل قائلاً، كثير البر والصدقات).


(وكان رحمه الله سخيّاً، كريماً، حبيباً، ضحوك الوجه، كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله، شديد المصابرة والمثابرة على الخيرات والطاعات)


(وكان السلطان صلاح الدين متقللاً في ملبسه ومأكله ومشربه ومركبه، فلا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، ولا يعرف أنه تخطى مكروهاً بعد أن أنعم عليه بالملك بل كان همه الأكيد ومقصوده الأعظم وحدة المسلمين وكسر الأعداء اللئام، ويعمل فكره في ذلك ورأيه وحده مع من يثق برأيه ليلًا ونهاراً، سرّاً وجهراً، ومع هذه الفضائل والآداب، فقد كان مواظباً على الصلوات في أوقاتها جماعة، يقال إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل حتى ولا في مرض موته، بل كان يدخل الإمام فيصلي به، فكان يتجشم القيام مع ضعفه، وكان رقيق القلب سريع الدمعة، وكان يحب سماع القرآن العظيم ويواظب على سماع الحديث، حتى إنه سمع في بعض المصافات جزءاً وهو بين الصفين للقتال وكان يقول : هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثاً).


وليس أدل على شخصيته الفذة التي جمعت بين حنكة القائد السياسي البارع في قيادة الجيوش، وبين رقة قلبه ورحمته على جميع خلقه، من أنه لم يترك عند وفاته في خزائنه أكثر من سبعة وأربعين درهماً وجراماً واحداً ذهباً، ولم يخلِّف ملكا ولا عقارا ولا بستانًا ولا قرية ولا مزرعة.


ما قاله الغرب في صلاح الدين :


المؤرخ (وليم الصوري) وصفه : (رجل حاد الذهن، نشط في الحرب، وسخي دونما حد) ويتابع قائلاً: (أمير عادل وحازم وحكيم ومتدين وفقاً لتقاليد بني جنسه)، وتحدث بإسهاب عن شفقته على المسيحيين، فكان شهماً جداً مع زوجات وبنات المقاتلين الصليبين) .


وقال الدكتور (توم أسبريدج)، وهو مؤرخ العصور الوسطى من جامعة كوين ماري في لندن، وكان سيلقي محاضرة في المؤتمر حول نجاحات صلاح الدين في معركة حطين وإعادة القدس : (إن موت السلطان ربما أفسد خطط حملة محورية) وقال: (إذا نظرت لذلك من منظور العالم الإسلامي، فإن موت صلاح الدين مأساوي للغاية، لأنه قاتل طويلاً وبقوة وبأسلوب ملتزم للغاية خلال ما نسميه بالحملة الصليبية الثالثة.. وتلك هي الحملة الصليبية التي قادها ملك إنكلترا، ريتشارد قلب الأسد).


ويتابع الغرب اهتمامه بشخصية صلاح الدين، فكثيرة هي الكتب الغربية التي نسجت حكايات وقصص حول شخصية صلاح الدين وأخلاقياته النبيلة، ومن مؤلفي الغرب في القرون الوسطى من دوّنه حتى على كونه ابناً مسيحياً لعائلة فرنسية نبيلة، وأنه ظل يميل للمسيحية طوال حياته، فوزع مملكته الأفضل منها للمسيحين والقسمين الأخرين على اليهود والمسلمين.


ظهر صلاح الدين في بعض تلك القصص وصُوّر على كونه بطلاً نبيلاً متسامحاً مع أعدائه، وفي الوقت ذاته يتنكر مع بعض رفاقه ليتفقد حال رعيته ويُلبّي لهم حاجاتهم وطلباتهم. أما في 1779م، فقد ظهر صلاح الدين في الأدب الألماني، وذلك من خلال مسرحية (ناثان الحكيم)، التي ألفها (جوتهولد إفرايم ليسنج)، والتي صارت واحدة من أهم مسرحيات الأدب الألماني عبر تاريخه، دارت أحداث المسرحية في القدس، إبان فترة الحروب الصليبية، وكان أبطالها الثلاثة الرئيسيون هم ناثان اليهودي الثري الحكيم، وأحد فرسان الصليبيين، وصلاح الدين.


حاولت المسرحية أن تشرح وتبيّن قيم التسامح التي ينبغي أن تجمع ما بين أتباع الديانات الثلاث، وهي تصور صلاح الدين في صورة ممتازة، فهو يتقبل آراء المخالفين له، ويحترمهم، ويحاول أن ينصحهم ويُهدئ من ثورة غضبهم كذلك، وبقيت صورته المشرقة في الأدب الأوربي خلال العصور الوسطى وعصر النهضة، فقد وردت قصص وحكايات من أدب الفرنج من يمتدح صلاح الدين.


فكما تقول المستشرقة الألمانية المختصة في تاريخ الحروب الصليبية كارولين هيلينبراند : (لم يحدث أن تعلقت مخيلة الأوروبيين بشخص مسلم قدر تعلقها بـ (صلاح الدين)، إن تفوقه على معاصريه من مسلمين ونصارى أقر به أعداؤه الصليبيون، إبان حياته. وإن صورته، حتى في ظل التعصب الأعمى للعصور الوسطى، قد بقيت نقية، لا بل أُضْفِيَ عليها عناصر رومانسية). 


كيف تدرج صلاح الدين فأصبح وزيراً ؟


في الفترة التي كانت الدولة الفاطمية في مصر تمر بلحظات ضعف شديد، في ظل الخليفة العباسي (العاضد) الذي لم يكن يسيطر تماماً على البلاد، وشهدت صراعاً بين اثنين من كبار أمرائها هما (شاور) و(ضرغام) على منصب الوزارة، حيث لم يستطع أحدهما أن ينتصر على الآخر، فلجأ كل منهما إلى الاستعانة بقوى خارجية تساعده في تحقيق هدفه، فاستعان (ضرغام) بالصليبيين الذين كانوا يحتلون ساحل الشام، ويستولون على بيت المقدس، واستعان (شاور) بنور الدين محمود الزنكي الذي كان يقود حرب ضد الصليبيين..


أرسل (نور الدين محمود) إلى مصر (أسد الدين شيركوه) على رأس حملة عسكرية، وبصحبته ابن أخيه (صلاح الدين) الذي كان عمره آنذاك سبعة وعشرين عاماً بعد أن نشأ و ترعرع بين أحضان وأعين السلطان الشهيد نور الدين زنكي صاحب السيرة الوضاءة في كتب التاريخ والتراجم، استطاعت هذه الحملة بعد عدة محاولات سنة (564ﻫ، 1168م) أن تسيطر على مصر، بعدها  تولى (أسد الدين شيركوه) -قائد الحملة- منصب الوزارة للعاضد -آخر خلفاء الدولة الفاطمية- ثم لم يلبث أن تُوفي (شيركوه) بعد شهرين، فخلفه في الوزارة ابن أخيه صلاح الدين، ليعيد مصر إلى أحضان الخلافة العباسية بحكمة باهرة.


ومن أشهر أعماله التي أقامها في القاهرة قلعة الجبل، لتكون مقرّاً لحكومته وحصناً منيعاً يمكّنه من الدفاع عن القاهرة، كما أحاط (الفسطاط، والعسكر، والقاهرة) بسور طوله (15كم) وعرضه ثلاثة أمتار، وتتخلله الأبراج، ولا تزال أجزاء منه قائمة حتى اليوم في جهات متفرقة.


لم يكن صلاح الدين قائداً وفارساً مجاهداً فقط، وإنما كان ممن عمل على بناء صرح الحضارة بالأخلاق الإسلامية، فاهتم بالمعالم المجتمعية التي تساعد الناس وتخفف عنهم عناء الحياة، وتعهد بالإنفاق على الفقراء والغرباء الذين يلجؤون للمساجد للعيش فيها، وجعل من مسجد (أحمد بن طولون) في القاهرة مأوى للغرباء الذين يأتون إلى مصر من بلاد المغرب.


أجمع الثقات على أن صلاح الدين كان رجل سياسة وحرب ولم يكن برجل العلم؛ ولهذا كان ذكاؤه أظهر ما يكون في أمور الدولة والحروب؛ فقد كان بعيد النظر يتوقَّع الأمر قبل حدوثه من أول بوادره،  أجمع عليه أمراؤه كلهم، وكان في إصلاح أمور بلاده يضع يده دائما على مواضع الخلل والضعف، وكانت له قدرة عظيمة على القيام بتفاصيل الأمور؛ فكان في وقت واحد يدبِّر الحرب ويرسم الخطط ويرسل إلى الأقاليم املختلفة التي في دولته يرسم خطط الإصلاح الداخلي ويُمِلي إرادته في الإدارة المحلية، ويقوم في أثناء هذا وذاك على مراقبة كل ما يجري في القضاء في بلاده على يد القضاة، وما يجري من الأمور في جيشه، حتى لقد كان كل جندي يظن أن عين صلاح الدين واقعة عليه، وكانت حماسة جنوده ناشئة من اعتقادهم أنه يعرف ما يعملون ويجازي ويعاقب الإساءة على طريقته في الجزاء والعقاب، بحنكة و رحمة.


القائد صلاح الدين و الصليبيون:


كان صلاح الدين يحزن للوجود الصليبي في بلاد الشام، ويبكي ألمًا لأن مدينة القدس لا تزال محتلة، ولكن كيف السبيل إلى إخراج هؤلاء المحتلّين؟ كان صلاح الدين يعرف الجواب الذي يتلخص في الوحدة الإسلامية، وقد بدأ صلاح الدين حكمه بالعدل بين الناس وبإعداد الجند وتدريبهم أحسن تدريب، وبث فيهم روح الجهاد والثقة في نصر الله  لتحقيق حلم الوحدة، وكانت البداية أن استنجدت به مدينة (دمشق)، فتحرك إليها، وتمكن من السيطرة عليها وضمها إلى (مصر) كما ضم (حماة) و(بعلبك) و(حلب)، وهذه الوحدة استغرقت من صلاح الدين الأيوبي أكثر من عشر سنوات من الجهد الشاق والعمل الجاد من سنة (570ﻫ، 1174م) حتى سنة (582ﻫـ، 1186م)، وفي أثناء ذلك لم يدخل في حروب مع الصليبيين حتى تكتمل خطته في الإعداد لمحاربتهم.


بعد أن أقام صلاح الدين دولة قوية واطمأن إلى وحدتها والمحاولة للتمسك بسنة رسول الله حباً وتعظيماً لله ورسوله، انتقل إلى الخطوة الأخرى وهى قتال الصليبيين وطردهم من البلاد، وبدأ في سلسلة من المعارك انتصر فيها، ثم حقق النصر العظيم على الصليبيين في معركة (حطين) سنة (583ﻫـ، 1187م)، خسر فيها العدو زهرة شباب جنوده، ووقع في الأسر ملك القدس وكبار قادة الصيلبيين، وترتب على هذا النصر العظيم أن سقطت المدن والقلاع التي أقامها الصليبيون في يد صلاح الدين، مثل (طبرية، وعكا، وقيسيارية، ونابلس، ويافا، وبيروت).


وأصبحت الطريق ممهدة لأن يفتح (القدس) التي ظلت تحت أيدي الصليبيين لمدة تزيد على تسعين عاماً، فتقدم صلاح الدين إلى مدينة القدس، وحاصرها حصاراً شديداً حتى استسلمت وطلب حكامها الصلح، ودخل صلاح الدين القدس في مشهد عظيم، وفي يوم من أعظم أيام الإسلام، وفرح المسلمون في كل مكان بهذا النصر العظيم الذي أعاد لهم بيت المقدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين،  كان هذا النصر العظيم ببيت المقدس في (27 من رجب 583 ﻫـ، 2 من أكتوبر 1187م).


ثم ماذا ؟ عفى صلاح الدين عن الصليبيين وسمح لهم بالمغادرة...


وتجلت سماحة صلاح الدين في دخوله مدينة القدس، فلم يثأر للمذابح التي ارتكبها الصليبيون عندما احتلوا المدينة، ولكنه سمح لكل صليبي أن يفتدي نفسه، كما أعفى أكثر من ألفين من الأسرى من دفع الفدية، لأنهم لم يكن معهم مال ليفتدوا به أنفسهم، كما أطلق سراح كل شيخ وامرأة عجوز، ومنح الأرامل واليتامى والمحتاجين أموالا كلُّ حسب حاجته.


وفاته:


قال ابن كثير:  ( وفي سنة (589هـ) اشتد به المرض ثم حصل له عرق شديد بحيث نفذ إلى الأرض، وعندما ظهرت مخايل الضعف الشديد وغيبوبة الذهن في بعض الأوقات استدعى الشيخ أبا جعفر إمام الكلاَّسة ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقنه الشهادة إذا جد به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في غمرات الموت (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) الحشر، 22 ، فقال: وهو كذلك صحيح، فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر رمق، فلما قرأ القارئ :لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت التوبة،ُ : 129 تبسم، وتهلل وجهه وأسلم روحه إلى ربه، ومات رحمه الله، وأكرمه وجعل جنة الفردوس مأواه، وكان له من العمر سبع وخمسون سنة، فقد كان ردءاً للإسلام، وحرزاً وكهفاً من كيد الكفرة اللئام، وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه، وغلقت الأسواق، وأخذ الناس في البكاء ).


وكانت وفاته بقلعة دمشق بعد الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمس مئة).


ودفن فى بداية الأمر فى قلعة دمشق، لكنه نقل بعد ذلك إلى مدفنه الحالي بدمشق، فى المكان المعروف بـ"ضريح صلاح الدين"، بجانب المدرسة العزيزية بجوار الجدار اليساري من الجامع الأموى فى حيّ الكلاسة، الأفضل بنى التربة سنة 592هـ والعزيز بنى المدرسة سنة 593هـ ولم يبق من المدرسة اليوم إلا المحراب وقوس المدخل الشرقي الذي أصبح حديقة التربة، بجوار الضريح الخشبي يتوضع ضريح فارغ من الرخام قدمه امبراطور ألمانيا غليوم الثاني، أثناء زيارته لـدمشق عام 1898م في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني. 


وقال الذهبي: (فوجد الناس عليه شبيهاً بما يجدونه على الأنبياء، وما رأيت ملكاً حزن الناس لموته سواه، لأنه كان محبباً، يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر).  


وقال العماد وغيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى دينار واحد، وستة وثلاثين درهماً، وقال غيره: سبعة وأربعين دينار، ولم يترك داراً ولا عقاراً، ولا مزرعة، ولا بستاناً، ولا شيئاً من أنواع الأملاك، وإنما لم يخلف أموالاً، ولا أملاكاً لكثرة عطاياه وهباته وصدقاته وإحسانه إلى أُمرائه ووزرائه وأوليائه حتى إلى أعدائه، وكان حزن الناس على موته لا يوصف؛ فقد كان العامة يرون فيه السلطان العادل، والجند يعرفونه القائد المنصور، والقادة يعرفون فيه الرجل العظيم، والعلماء يعرفون فيه التقوى والوداعة والإيمان، والأدباء يذكرون ما نالهم من بِّره وتقديره على مواهبهم. فكان يوم موته مأتما عاما لا مراءاة فيه ولا مجاملة، بل كانت موجة الحزن تجتاح البلاد قويةً ثائرة. وقد مات صلاح الدين، وكان أكبر أولاده من الذكور الملك الأفضل نور الدين علي والذي يليه العزيز عثمان والثالث الظاهر.


هذا ولا زال الغرب مشغول البال في صلاح الدين الأيوبي، نجدهم يسلطون الضوء حتى على وفاته، حيث يقول الدكتور (ستيفن جلوكمان) الأستاذ في كلية الطب بجامعة بنسلفانيا : أنه من الصعب اكتشاف ذلك نظراً لغياب المعلومات، إذ لا توجد اختبارات، كما أن الشهادات التاريخية مشكوك فيها ولا يوجد ما يكفي منها من الأصل، مشيراً إلى أن هناك فقط عدد قليل من التفاصيل الموثوق فيها إلى حد ما، بما في ذلك مدة مرض صلاح الدين البالغة أسبوعين. وفي حين تصف الروايات التاريخية كيف احتوى مرض صلاح الدين على تعرّق وهجمات الحمى الصفراء والصداع، فإن سبب المرض كان موضوعاً للنقاش لفترة طويلة، مع اقتراحات من ضمنها الالتهاب السحائي.


ويقول (جلوكمان) الذي طُلب منه فحص الحالة، إنه قام بتقييم الأدلة وتوصل إلى أن الجاني هو العدوى البكتيرية والتيفوئيد، إذ أن هذا الاستنتاج يعتمد بالفعل على الأمراض المنتشرة في تلك الفترة والأمراض المميتة والأمراض القاتلة في فترة زمنية، مدتها أسبوعان تقريباً وأضاف أن التيفوس هو احتمال آخر للوفاة، فيما يقول ماكوياك: بأنه لا يوجد دليل على معاناة صلاح الدين من آلام في البطن، وهو أحد الأعراض الشائعة للتيفوئيد، ولكنه قال إن السجل التاريخي مكتوب من قِبل أشخاص غير أطباء، وغالباً ما يُكتب ذلك بعد الحادثة.


نختم رحلتنا مع صلاح الدين، بكلمات من كتاب صلاح الدين المفترى عليه لـ مصطفى شاكر ، الذي قال: (لقد كان صلاح الدين بتُقاه، وببساطة فكره، بكرمه، بوفائه للعهود حتى مع الأعداء، بمثاليته، نموذجاً خاصاً من رجال الحرب والسياسة، استطاع في النهاية ورغم كل المعوقات أن يحقق بعضاً من الأهداف التي وضعها لنفسه، وكسب ـ رغم انتقاد أعدائه ـ احترام الجميع من أعداء وأصدقاء، بأنه في التاريخ الإسلامي أحد رموز الجهاد البارزة مهما حاول المغرضون  تحطيم الفتات من تمثاله في النفوس، وهو نسر ضخم لا يضيره أبدا أن تنسل بضع ريشات من جناحه الممدود).  


 رحمك الله يا صلاح الدين الأيوبي وجزاك عنا خير جزاء ، متّعتَ الروح و العقل بسيرتك التي شهدت لك فيها كتب التاريخ والتراجم على مر العصور، بضميرك المسؤول القلق و بقلبك المحب... جعلنا المولى وإياكم من خيرة الخلف لخير سلف.


 المصادر  و المراجع:


ـ الروضتين في أخبار الدولتين النورية و الصلاحية / أبي شامة المقدسي


ـ سير أعلام النبلاء / الذهبي


ـ البداية و النهاية / ابن كثير


ـ شذرات الذهب / ابن العماد


ـ صلاح الدين الفارس المجاهد و الملك الزاهد المفترى عليه / مصطفى شاكر