مميز
الكاتب: الدكتور محمد توفيق رمضان
التاريخ: 30/11/2010

بناء الإنسان هدف الدعوة والتربية الإسلامية

بحوث ودراسات

بسم الله الرحمن الرحيم

بناء الإنسان : هدف الدعوة والتربية الإسلامية

للدكتور محمد توفيق رمضان

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

موضوع الدعوة الإسلامية ومحورها هو الإنسان؛ فهو محط الاهتمام، وهو الهدف والموضوع. فالإنسان في الإسلام مستخلف، عهد الله إليه بعمارة الأرض، وإقامة شرع الله فيها. ورسالة الله تعالى موجهة إليه لأنه الذي ميزه الله بمؤهلات لم يهب مثلها لغيره، وبهذه المؤهلات غدا الكائنَ المؤهلَ لشرف الخلافة ولخطاب التكليف من الله سبحانه.

ولذلك كان قلب الإنسان [ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم] مهبط الوحي، وكانت الآيات الأولى التي تنـزلت عليه تشير إلى ما تميز به الإنسان على سائر الخلق ...} اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم { كانت الآيات الأولى هذه تشير إلى ما تميز به من أهلية التعلم، وإلى أدوات التعلم. والتعلم وسيلة تسخير الله ما في السموات وما في الأرض للإنسان.

ولذلك فقد كان الإنسانُ هدفَ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ الإنسان الرجل متمثلاً بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، والإنسان المرأة ممثلاً بسيدتنا خديجة أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، والإنسان الفتى ممثلاً بسيدنا علي رضي الله عنه، والإنسان العبد ممثلاً بسيدنا بلال رضي الله عنه، والإنسان الغني مثلاً بعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهما، والإنسان الشاب المرفه ممثلاً بمصعب بن عمير رضي الله عنه، والإنسان الفقير ممثلاً بعمار بن ياسر وصهيب الرومي وعبد الله بن مسعود والكثير ممن استجابوا للدعوة الإسلامية...

فالدعوة الإسلامية توجهت إلى الإنسان، الذي حمله الله مسؤولية إقامة العدل والخير ونصرة الحق ونشر الهدى.

وهؤلاء الذين توجهت إليهم الدعوة واستجابوا لها هم الذين نهضوا بشأنها ونشرها والدفاع عنها ...

أجل...على كواهل أبي بكر وعمر وعثمان نهضت الدولة الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبجهود عمار وصهيب وبلال وصبرهم وتضحياتهم تنامت قوة المجتمع الإسلامي في مواجهة قوى الطغيان والاستكبار...وبدأب عبد الله بن مسعود ونشاط مصعب بن عمير انتشر ضياء القرآن وهداه ...أخذ كل هؤلاء مواقعهم في بناء الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي...

كيف أعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه :

وعناية النبي r بهؤلاء لم تكن مجرد جمع وتنظيم، لقد كان يرسي بهم قواعد المجتمع الإسلامي المنشود، وذلك من خلال عوامل متكاملة، تتمثل في تصحيح العقيدة، في عقل الإنسان وفكره، والتربية الوجدانية التي تهدف إلى صلة صحيحة مع الله تعالى تقوم على المحبة والخشية والحياء، وتؤدي إلى يقظة القلب ودوام مراقبة الله فيه، ليغدوا هذا القلب وعاء لمحبة قدسية بين الإنسان وخالقه، محبة تدفع إلى طاعته وتمنع من معصيته، محبة تنبع من يقين أن الله سبحانه هو المنعم بكل ما يتمتع المرء به من نعم، وأنه سبحانه هو الذي أعطى الوجود جماله وتكامله، وجعله ساحة للنعم التي يتمتع بها الإنسان ومظهراً لرحمته تعالى بعباده. لم يحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الدولة المنشودة ... ولا عن المستقبل السياسي أو الاجتماعي إلا بمقدار ما يضيء أفق الأمل في ظروف القهر والشدة...بل كان يزرع في أفئدتهم محبة الله ....ومعرفة الله تعالى وتوحيده.

وإذا قسمنا حياة النبي r في دعوته إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل الهجرة ومرحلة ما بعد الهجرة؛ أو مرحلة التأسيس ومرحلة البناء ...فإن بناء الإنسان وإعداده له في كل من المرحلتين ملامحه ومميزاته. وعلى الرغم من وجود عناصر مشتركة بين كل من المرحلتين إلا أن المرحلة كانت تهدف إلى ما ذكرته من تصحيح العقيدة وإحياء المشاعر الوجدانية المنبثقة عن تلك العقيدة...كانت في مكة. لم يتلق المسلمون العقيدة مجرد أحكام عقلية، بل كانت إدراكاً لحقائق تترتب عليها آثارها الوجدانية...فمعرفة الخالق الحكيم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ...إنما وصل إليها من خلال النظر والتأمل في هذا الكون . } قل انظروا ماذا في السموات والأرض { ، } وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون { ومن خلال تدبر آيات الله في السماء والأرض ونعمه التي ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) كل ذلك يجعل الإنسان أكثر فهماً لحقيقة الكون وحقيقة الإنسان، وأكثر شعوراً بعظيم نعم الله تعالى عليه...ومن ثم فإنه من شأن التأمل المستمر في هذه المعاني بمقدار ما يقوي يقين المرء بربه ينمي في القلب محبة الله ...والحرص على رضاه...

في هذه المرحلة رسخت الدعوة في عقول وقلوب الناس مسألة الإيمان باليوم الآخر...حاورت عقولهم في مجمل الإشكالات التي ترد بشأن اليوم الآخر. بعد الإيمان بالله تعالى. فأشارت إلى أن الإنسان عاقل ولذلك فلن يستوي مصير الصالح و مصير الطالح } أفنجعل المسلمين كالمجرمين ؟! ما لكم ؟ كيف تحكمون { ولا عبث في خلق الكون الذي أتقن صنعه } أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون { وحاورهم في إمكان ذلك، وقدرة الله عليه عندما شككوا في ذلك في آيات كثيرة كما في قوله تعالى } وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم .. {

وربط سلوك الإنسان بمعارفه الإيمانية من شأنه أن يجعل من إيمانه بأنه سبحانه يعلم السر وأخفى، وأنه لا تخفى عليه خافية ...وأنه يرى ويسمع كل شيء...إلى حالة من الوعي السلوكي الأخلاقي والرقابة الذاتية..وهذا ما أعده للمرحلة الثانية ...مرحلة ما بعد الهجرة ...مرحلة بناء المجتمع الإسلامي أو مرحلة البناء التشريعي.

وهكذا وجد الجيل الذي تقول فيه الفتاة لأمها يوم أمرتها أن تمذق اللبن [ أي اخلطيه بالماء ]: أما سمعت عمر ينهى عن مذق اللبن ...فقالت لها أمها: وأين عمر الآن....فأجابتها الفتاة التي عرفت الله وأحبته وامتلأ قلبها بخشيته: إن كان عمر لا يرانا فرب عمر يرانا.

المرحلة المكية رسخت في العقول والقلوب الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر...الإيمان بالجنة والنار، الإيمان بالمسؤولية...وأعدت للمرحلة المدنية؛ مرحلة البناء التشريعي ليكون المجتمع جاداً في التزامه ووقوفه عند حدود الله.

لقد أعد النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية جيلاً يمتاز بالوعي، يمتاز بالمعرفة العميقة لحقائق الكون والحياة، يمتاز بإيمان راسخ بالله تعالى وصفاته وباليوم الآخر...هذا الجيل كان قاعدة المجتمع الإسلامي الذي تنزل الشرع الإلهي لبنائه وقامت الحكام الشرعية لضبط سلوكه وتنظيم علاقاته.

وعندما هاجر النبي r تابع مهمة البناء ولكن بآلية جديدة تؤكد على الحقائق الاعتقادية وترتب عليها النظام التشريعي ومواجهة أنظمة الظلم والبغي في الأرض بروح الشجاعة والتضحية وأخلاق الرحمة والحرص على هداية الخلق...

كانت الآلية الجديدة هنا تعتمد بناء المجتمع بعد أن بنى قواعده من خلال أولئك الذين صنعتهم المرحلة المكية. كان البناء في المرحلة المكية للإنسان عقيدة وتربية...أما في هذه المرحلة فقد غدا البناء للمجتمع والنظام التشريعي الذين يقوم عليه المجتمع .

لذلك كان في أول ما بدأ به بناء المسجد ...ثم المآخاة بين الصحابة ...ثم كتابة دستور الدولة الإسلامية أو ما يسمى بالوثيقة.

فالمسجد يوطد علاقة المحبة والتعاون بين أبناء المجتمع الإسلامي الجديد في ظل طاعة الله وعبادته. والمؤاخاة تجسد طبيعة العلاقة التي يجب أن تسود أبناء المجتمع الإسلامي ، والوثيقة كانت إيذاناً بولادة الدولة الإسلامية التي ترعى المجتمع الإسلامي وتنظم علاقاته.

ومن أجل تكامل البناء عني بتعليم الصحابة وغدا المسجد موئلاً للعبادة ومركزاً للتعلم إذ فيه كانت تعقد حلقات العلم التي لا تتوقف. ووجد فريق من الصحابة تفرغوا للعلم مع فقر المجتمع الإسلامي آنذاك ، وهم أهل الصفة. وعني بإعداد الصحابة عسكرياً وحضهم على حسن الاستعداد لما قد تتطلبه الظروف من مواجهات مع أعداء الحق والهداية. وشجع على التنمية الاقتصادية والتعاون في سبيل تنمية أفضل فهو الذي قال: فيما رواه أبو سعيد الخدري ، قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، إذ جاء رجل على ناقة له، فجعل يصرفها يمينا وشمالا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان عنده فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له، حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل " [ أخرجه أبو داود ]

لقد جعل الأفق الذي تتجه إليه أبصار المسلمين واسعاً وبعيداً ...فمن أولئك الذي كانوا في مكة يرعون الإبل أو يتاجرون بأصناف السلع أو كانوا في المدينة لا يتجاوز اهتمامهم حقولهم ومزارعهم أعد النبي صلى الله عليه وسلم أولئك العباقرة الذين بنوا الدولة الإسلامية الأولى التي قامت لتبني حضارة على أنقاض الطغيان الفارسي والروماني. طموحاتهم تجاوزت الزمان والمكان ...وأخلاقهم كانت مدرسة حضارية راقية. بنوا المدن وترجموا تراث الحضارات الأخرى فأخذوا نافعها وناقشوا طروحاتها...

لم يكن الإسلام مجرد طقوس دينية تؤدى في زاوية المسجد...بل كان نظام حياة حضارية متكاملة. تقوم على الإيمان والأخلاق والوعي والتربية الوجدانية السامية والنظام التشريعي الشامل لكل جوانب الحياة.

لم يكن الإسلام مجرد نظرية فكرية تعيش في أذهان أصحابها ، بل كان حركة واقعية تعتمد حقائق الكون وتستمد نظامها وقوتها من هدي خالق الكون سبحانه.

وإذ أردنا ان نعرض صورة تلخص هذا المعنى فإن أجمل صورة إنما تتمثل في هذه البلاد التي دخلها الإسلام من خلال نشاط التجار المسلمين وأخلاقهم. بهم وصل الإسلام إلى هذه البلاد فغدت القاعدة البشرية للأمة الإسلامية، والنموذج الفذ للصورة الإسلامية المتميزة. بأخلاق أهلها وثباتهم تمسكهم بدينهم على الرغم من محاولات قوى البغي لتحويلهم عن الدين الذي أحبوه دون أن يصل إليهم به جندي واحد.

وفق الله الأمة لعودة راشدة لدينها والتزام هدي نبيها صلى الله عليه وسلم ليصلح آخر هذه الأمة بما صلح به أولها إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين

تحميل



تشغيل