مميز
الكاتب: مسلم
التاريخ: 02/11/2010

حول مقولة الدين أفيون الشعوب

مشاركات الزوار
حول مقولة الدين أفيون الشعوب
مقتبس من كلام للدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى
قال صاحبي المُغفل: الدين أفيون الشعوب!! قلت مجيباً: اللهم نعم.. اللهم نعم.. اللهم وألف نعم. فدهش الرجل واحتار، لقد توقع مني غير هذا الكلام، فقال: أنت موافق على أن الدين أفيون الشعوب؟! قلت له: نعم.. أنا موافق على هذا القول، أو على هذه النظرية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. قال: وكيف ذلك؟ قلت: قيلت هذه العبارة بحق أوربة عندما عطلت الكنيسة فيها العقل وجمدته، وشكلت طبقة من الإكليروس متميزة، ظهر منها، ما لا يليق بها.. وخاضت صراعاً عنيفاً بين العلم والدين، وقالت للإنسان: ((أطع وأنت أعمى)).. لذلك جابهت العلماء، وحرقت بعضهم.
وعلى سبيل المثال: جعلت القول بكروية الأرض ودورانها جريمة. هذه الأحوال المعطلة للعقل، والصادة عن العلم، والواقفة عقبة كأداء في سبيل تقدمه، يحق فيها ما قيل عنها.
أما الدين الذي جعل من تعاليمه تقديس العقل وتكريم العلم والعلماء في أي اختصاص.. فلا ينطبق عليه القول.. إن الدين الذي من تعاليمه: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} البقرة 111، لا ينطبق عليه القول المذكور. والدين الذي جعل من مبادئه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} المجادلة 11. لا ينطبق عليه القول المذكور.
إن الدراسة التي عُممت تمت على واقع أوربة في القرنين الماضيين.. فالقول الصحيح: ((الدين - في أوربة - أفيون الشعوب)). قلتُ: يا صاحبي، سأضع بين يديك شواهد وأدلة من إسلامنا، كل واحد منها كاف لرد التعميم القائل: ((الدين أفيون الشعوب)).
1- يقول الله عز وجل في محكم التنزيل: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} النساء 114. دين يجعل المجالس التي ليس فيها إصلاح للمجتمع لا خير فيها، دين ليس أفيوناً، إنه دين المجتمع الفاضل المتكافل المتحاب.
2- دين يجعل من مبادئه: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} النجم39 ، دين ينبذ الكسل والتواكل، ويحب السعي والعمل.. استعاذ نبيه (صلى الله عليه وسلم) من الجبن والبخل والعجز والكسل.. دين يجعل السعي مبدأ، والعمل أساساً.. دين ليس أفيوناً.
3- دين يجعل من تعاليمه: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} التوبة 105، دين يقدس العمل ويأمر به، دين الحركة الدائبة في طلب الرزق الحلال.. ليس أفيوناً.
4- دين ورد في دستوره: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} مريم 25-26، فدين يعلم أتباعه، ألا تواكل، وأنتم في أضعف حالة من القوة والنشاط، لن يصلكم رزقكم إلا بالعمل، قدموا طاقتكم، وابذلوا ما في وسعكم.. دين حياة، وليس أفيوناً.. فالخطاب في الآية الكريمة لمريم، وهي في ساعة الولادة.. ومع ذلك لم يرسل الله لها رزقها دون حركة وعمل.. بل قال لها: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}، وهذا تعليم للمؤمنين.. ألا رزق بدون سعي فلا رطب بدون هز جذع النخلة.. فدين هذه تعاليمه، هل هو أفيون؟ لا أحسب عاقلاً يقول هذا.
5- قال نبي الإنسانية صلى الله عليه وسلم: {لأن يأخذ أحدكم أحبُله (جمع حبل) ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكُفّ الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه}.
وقال عليه الصلاة والسلام: {ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يديه، وإن نبي الله داود (صلى الله عليه وسلم) كان يأكل من عمل يده}.
وقال صلى الله عليه وسلم: {مَن بات كالاً من عمل يده، بات مغفوراً له}.
ولما رأى عليه الصلاة والسلام صحابياً يده خشنة قال له: ما هذا الذي أرى بيدك؟، فقال الصحابي: من أثر المر والمسحاة، أضربُ وأعمل وأنفق على عيالي.. فسرّ النبي الكريم، وقدر اليد العاملة فقَبِلَها ـ كما في إحدى الروايات. وقال: {هذه يدُ لا تمسها النار}.
فهل دين فيه هذا التقدير من نبيه للعمل والعمال، دين تخدير وأفيون؟ أيقول عاقل هذا؟؟!! علماً أن من صريح تعاليمه: {إن الله يكره العبد البطال} و {إن الله يحب المؤمن المحترف}.
6- ورد في الحديث الشريف: {المؤمن كيس فَطن حذر} ومعنى المؤمن الكيس: المؤمن العاقل المدرك.. أما المؤمن الفطن: فالمؤمن الذكي النبيه (ليس بالخب والخب لا يخدعه).. منتهى اليقظة والتنبه.. فأين التخدير والأفيون؟ الإسلام عقل مدرك، وفطنة وذكاء.
7- كان عمر (رضي الله عنه ) يرى الرجل فيسأله عن مهنته، فإذا قال لا مهنة لي، سقط من عينه وكان (رضي الله عنه) يقول: (لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة).
ونظر (رضي الله عنه) إلى رجل مظهر للنسك متماوت، فخفقه بالدرة، وقال: لا تُمت علينا ديننا، أماتك الله.
وقال عمر على المنبر: (مَن أحيا أرضاً ميتة فهي له}.
وكان يشجع الناس على استقطاع الأرض الفلاة، بغية إعمارها.. فأين التخدير والأفيون.. والإسلام عمل وعزة وإعمار.
8- قال صلى الله عليه وسلم: {اللهم بارك لأمتي في بكورها}، فالإسلام نبذ للكسل، وهمة عالية في استقبال نهار جديد، خاصة أن عشرات الآيات الكريمة تحض على استعمال العقل والتفكير واليقظة.
9- مَن يقول: (الدين أفيون الشعوب) بحجة عقيدة القدر نقول له كلمات: عقيدة القدر لا تفرض أنت معناها علينا، المنطق يقول: نحن نفهمك ماذا نفهم منها، نحن نشرحها لك، ولست أنت الذي تفسرها بشكل يتناسب مع أهوائك. الإيمان بالقدر.. إتيان بالأسباب على أكمل الوجوه.. ثم توكل على مسبب الأسباب، وإن حدث ما يُسيء المرء وينغص معيشته، فالقدر يُبيد الحادثة المزعجة، ويحفز همته من جديد لاستقبال أيامه المقبلة بيقين الواثق بالفوز، وبأمل جديد يدفعه للمحاولة من جديد.. فليست عقيدة القدر معطلة للهمة، باعثة للكسل والتواكل.. لقد كانت عقيدة القدر قوة دافعة إلى الأمام، للجهاد، للفتوح، للاستشهاد.
10- وأخيراً.. والأدلة الداحضة كثيرة.. نختتم هذا البحث بقولنا: لقد كانت هذه الأمة في أفيون، في مخدر.. عندما كان بأسها بينها شديد، وعدوها يتربع فوق أرضها في العراق والشام واليمن مخدرة عن عدوها بثاراتها وغزوها.. سكرانة في تفاخر أجوف، وعظمة مفتعلة.. فجاءها الموقظ، جاءها المحيي، جاءها المنشط، جاءها الحافز، جاءها المنبه.. لقد لامست (الله أكبر) أسماع العرب فأيقظتهم.. وجاءت تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحيتهم.. وجعلت حب المعالي هدفاً فتحفّز المارد المسلم.. فإذا جيشه في الصين شرقاً، وفي قلب فرنسة غرباً. فدين يجعل العرب الذين كانوا ضائعين في جزيرتهم يفتحون العالم بعقيدة إخاء ومحبة، إنسانية وعزة.. ليس أفيوناً ـ قولاً واحداً، غير قابل للنقاش.
فلو كان الإسلام أفيوناً لما وصل به المسلمون إلى الصين والهند وأندونيسية، ولا إلى قلب روسية وكل سيبيرية، ولا إلى ثلثي القارة الإفريقية.. ونقول: إن كل عقيدة، ولو أنها ادعت العلمية، وجعلتها شعاراً براقاً، وجعلت من أتباعها نسخاً ((كربونية)) من عقل إنسان يخطئ ويصيب.. بل جعلتهم آلات انعدمت فيهم الروحانية.. يشقون ويتعبون ويحلمون بجنة موعودة، وفردوس منتظر، بينهم وبينها اختلاف في الاتجاه قدره مئة وثمانين درجة. مثل هذه العقيدة، ولو ادعت العلمية، واتهمت غيرها بما اتهمت.. هي أفيون الشعوب.. والمصيبة أكبر عندما نعلم أنها غارقة في مخدراتها ونراها تنطق وهي بهذه الحال، أن غيرها مُخدر، وهي اليقظة العلمية..
رحم الله العقاد، عندما اطلع على فكر وفلسفة هؤلاء، ثم كتب كتابه (المذاهب الهدامة أفيون الشعوب)!!؟

تحميل



تشغيل