مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 02/10/2010

توحيد الله هو الحل العلمي للغز الكون

بحوث ودراسات

أيهما أسبق، أو ينبغي أن يكون أسبق في حياة الإنسان؟ الفكرِ ، أم السلوك؟.


أعتقد أنّ السؤال سهل غير معقد، وأن من اليسير معرفة الجواب عنه لكل أحد.


فما من شك أن السلوك إنما هو ثمرة الفكر والتصور، ومن ثم فالفكر هو الأسبق دائما، أو هو الذي يجب أن يكون الأسبق في حياة الإنسان.


وكلّما كان الفكر أدقّ وأصوب، كان السلوك أكثر تناسباً مع جوانب الحياة وأقرب إلى تحقيق الأهداف المرجوّة.


وعلى الرغم من أنهم يقولون: ما من قاعدة إلا ودخلها الشذوذ، فإننا لا نكاد نعثر على أي شذوذ أو استثناء على هذه القاعدة، أن الإنسان أيًا كان، ما دام عاقلا سوي النظر والتفكير، لابد أن يكون سلوكه أيا كان نتيجة تصوير مبدئي وقرار فكري، ومهما صغر الموضوع الذي يتعلق به السلوك أو كبر، فتلك هي القاعدة.


والآن، بوسعنا أن نطرح سؤالا آخر: ما هو الموضوع الكلي الذي نتدرج تحته آلاف الجزئيات التي يتناولها الفكر الإنساني ومن ثم يتعلق بها السلوك وتغدو ساحة لنشاطات الإنسان تجاه ذاته وغيره ؟


لا شك أن هذا الموضوع الكلي إنما هو الكون والإنسان والحياة. فمهما كانت المسألة التي يفكر فيها أحدنا ليتخذ قراره السلوكي في حقها، فإنها لن تكون إلا واحدة من جزئيات هذا البيان الكلي الذي هو الإنسان والحياة وسائر المكونات.


وإذا كانت القاعدة التي بدأنا حديثنا هذا بالتذكير بها صحيحة وكلية، لا يدخلها ريب ولا


شذوذ، فإن من الضروري أن نبدأ فنسعى إلى فهم هذا البيان الكلي الكبير، قبل أن نغرق أفكارنا في خضم جزئياته. فإن السعي إلى فهم أجزاء أو جزئيات شيء ما، قبل فهم الكل أو الكلي الجامع لأشتاتهما، سعي لا طائل منه. بل النتيجة هي أن يعود صاحب هذا السعي بتصورات زائفة وفهوم خاطئة لتلك الأجزاء أو الجزيئات المتناثرة. فإذا تجاوز الإنسان مرحلة التصور والفهم، إلى السلوك والفعل، ازداد أثر أخطائه اتساعا، إذ تتحول من نطاق الأخطاء النظرية إلى الضرر الواقعي والتطبيقي. ومن شأن الضرر الواقعي أن يتسع ويمتد، ثم لا يزال يتسع ويمتد إلى مدى لا يعلم حدوده ومضاعفاته إلا الله عز وجل.


أما الآن، فيحين أن نتساءل بجد: ما مدى اهتمام علماء الاجتماع اليوم بهذه الحقيقة ؟.


وما هو مظهر تطبيقهم لهذا المبدأ الذي فرغنا من بيان أنه مبدأ علمي سليم ؟


إن علم الاجتماع اليوم ليس أكثر من مرآة تبرز به كل أمة أو دولة، لتتجلى عليها الآثار السلوكية للمذهب الفكري السائد في تلك الأمة. فهو تابع غير متبوع، كمقود بغير قائد، ومن ثم فإنه لم يحل إلى اليوم لأي مجتمع من هذه المشكلات أي مشكلة على كثرة المشكلات الاجتماعية وتنوعها، ولم يحقق لها أي خير على الرغم من شدة افتقارها إلى شيء من الخير والإصلاح. والسبب هو أن هذا العلم ينطلق في رسم المجتمع من واقع سلوكي فرض نفسه، لا من فكرة تقوم على حياد القرار العلمي.


إذن لن نجد لأنفسنا من خير لدى علم الاجتماع، ولن نعثر في شيء من المذاهب السائدة فيه على ما قد ينجدنا لحل أي مشكلة. ولذا فلا مناص من أن نعود فنواصل سعينا إلى حل هذه المشكلة باستخدام القاعدة التي فرغنا من بيانها وعرفنا أنها الحق الذي لا ريب فيه. أي فلا بد من أن نبدأ السعي إلى تحصيل تصور علمي سليم الحقيقة عن الكون والإنسان والحياة، ومن ثم إلى معرفة القصة الإنسانية والنهاية التي تنتظر في أعقابها.


ومهما كانت الأداة العلمية التي يمكن استخدامها للوصول إلى هذا التصور المتفق مع العقل


والمطمئن للنفس، فإن النتيجة لا بد أن تتخلص في معرفة ما يلي:


هذه الخليقة تتسم بالنظام الهادف الذي يبرز جليا في كل ما تنطوي عليه من دخائل وجزئيات أو أجزاء.. إذن فلا بد من أنها من صنع صانع ذي حكمة وتدبير.. ثم أن هذه الخليقة، بكل جوانبها وأجزائها وأنواعها، تتسم بالوحدة ضمن الكثرة. يبرز ذلك في دونها الدائب على محور واحد لا  يتبدل، كما يتجلى في تناسقها المتضافر ابتغاء السعي إلى غاية واحدة.. إذن فلا بد من أن صانعها ومدبرها واحد لا ثاني له ولن تجد من برهان علمي على هذه الحقيقة أدق ولا أجلى من برهان قول الله عز وجل: }لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا  فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ{ الأنبياء 22


ثم أن الوحي الإلهي تنزل ليكسب هذا البرهان العقلي والعلمي مزيدا من التأكيد والرسوخ وليضيف إلى هذه المعلومة كثيرا من التفاصيل التي لا يمكن أن يستقل العقل وحده بكشفها والوصول إليها. إذ هي داخلة في الغيوب التي لا تخضع لوسائل التجربة والحس، فلا مطمع من الكشف عنها


إلا بواسطة النص المعّلِم بشأنها الشارح لتفاصيلها، على أن يثبت بالبرهان العلمي أن هذا النص إنما تنزل وحيا من لدن صانع الكون ومبدعه إلى من قد اختاره رسولا منه إلى الناس، يبلغهم من خلاله جملة البيانات والتعاليم التي ينبغي أن يعرفوها عن الكون والإنسان والحياة.


ولو أن الفلاسفة اليونانيين أتموا معارفهم العقلية التي أكدت لهم ضرورة وجود الصانع وكونه متصفا بالحكمة والعلم والتدبير، بالإصغاء إلى الوحي الإلهي متمثلا في النص، أو النقل المتمم للعقل، إذاً لما تاهوا ولما اضطربوا في تصورهم لهذا الإله الصانع، ولما توهموه مرة في العقول العشرة، ومرة في إلهين واحد منهما للخير وأخر للشر، ولما ذهبوا في تصور علاقة هذا الصانع بمصنوعاته مذاهب شتى.


وإن العجب لا ينتهي من شأن هؤلاء الفلاسفة، كيف استطاعوا استعمال عقولهم في بعض الأمور إلى أقصى ما أمكنهم الوصول إليه من أغوارها البعيدة، وكيف عجزوا عن إدراك أمور أخرى إلى جانبها فلم يستطيعوا استعمال عقولهم حتى في الوصول إلى دراية سطحية لها... فعلى سبيل المثال: إن أي عاقل لا يعجز عن معرفة أن المسائل الغيبة التي لا تدخل في نطاق التجربة والحس، لا يستقل العقل وحده بمعرفتها معرفة صحيحة. بل لا بد لذلك من تضافر كل من العقل والنقل معا، غير أن أولئك الفلاسفة تاهوا عن هذه الحقيقة وعجزت عقولهم عن التن بّه إليها، فحملوا عقولهم عبء كل من العقل والنقل معا، وكانت النتيجة أن أورثتهم عقولهم، بدلا من العلم بها، القلق والاضطراب، ولم تأت إليهم بأي طائل. ولقد ظلت هذه الآفة عالقة بالفكر الفلسفي، حتى جاء الفلاسفة الإسلاميون، بكل فئاتهم، فنبهوا إلى هذا الخطأ الكبير وأبرزوا القسمة العادلة في منهج البحث بين كل من العقل والنقل، في بحوث مستفيضة تعد بحق من أبرز مزايا الفلسفة الإسلامية ومن أهم ما استدرك به العلماء والفلاسفة الإسلاميون على الفلاسفة الإغريقيون.


والآن، ما هي الصورة التي عدنا بها عن هذه الموجودات المتمثلة في كل من الكون والإنسان


والحياة، بعد أن اعتمدنا في السعي إلى فهمها على كل من صريح العقل وصحيح النقل ؟.


لمتابعة البحث تفضل بتحميل الملف

تحميل



تشغيل