مميز
الكاتب: الدكتور محمد عجاج الخطيب
التاريخ: 30/09/2010

حتمية المرجعية الربانية من أجل كرامة الإنسان

بحوث ودراسات

بسم الله الرحمن الرحيم


حتمية المرجعية الربانية من أجل كرامة الإنسان ورسالته


ومن أجل سلام عالمي عادل


الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا يوافي نعمه، و يكافئ  مزيده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين وعلى صحابته الكرام الميامين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


وبعد: فأبدأ بالمراد من عنوان الموضوع، وفيه بعض الأدلة لوجوب هذه المرجعية:


الحتمية : من أمر حتم أي لازم لا بد منه بمعنى أنه ضروري لابد منه لحياة الإنسان المرجعية.


 المرجعية: من الرجوع والرد إلى المصدر المعين كما في قوله تعالى:)  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (   ]النساء :59[ .


 الربانية : نسبة إلى الرب سبحانه وتعالى: )هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(  ]الحشر : 22[ .


) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ{10} هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ( ] لقمان : 10و11[.


وقال عز وجل ّ: )أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ( ] لقمان : 20 [ .


نحن مربوبون لله وحده طوعا أو كرها، رضينا أو أبينا. وما أبلغ قول الله تعالى: )قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ{1} مَلِكِ النَّاسِ{2} إِلَهِ النَّاسِ(    ]الناس :1-3[ فالعاقل هو الذي يأله – أي يتجه  - بصدق إلى عبادة الله وتوحيده. و هذا المراد من  قوله عز وجل ّ: )وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(   ] لقمان : 22 [


وفي قوله سبحانه وتعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(  ] الحج : 5 [ .


هذا الإنسان من حيث الأصل مخلوق من تراب كما قال سبحانه: )وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ( ]الحجر : 26 [ والصلصال: الطين اليابس إذا نقر عليه يَظهر صوتا، فإذا شوي صار فخارا.


وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى ).


ومع هذا فقد كرم الله تعالى الإنسان من حيث هو إنسان كما في قوله عزّ من قائل: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً( ] الإسراء : 70 [


لذلك حرم الله تعالى أن يستعلي الإنسان على أخيه الإنسان، أو أن يظلمه  أو أن يقتله بغير حق، وبيّنً هذا في قوله تعالى: )مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(   ] المائدة :32 [ .


وبين الله تعالى أوضاع العباد، ونص على أفضلهم في قوله عز وجل: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(  ]الحجرات : 13 [.


وجاءت الرسالة الخاتمة التي أنزلت على الرسول الكريم قرآنا مبينا يتلى آناء الليل، وأطراف النهار تبين أحكام العباد على مختلف عقائدهم وأحوالهم الاجتماعية والسياسية، فالكتابيون في المجتمع الإسلامي لهم حقوقهم، وعليهم واجباتهم، يعيشون كسائر المواطنين، بأمن وأمان على أنفسهم وأهليهم ومن يلحق بهم، وعلى أموالهم، يتمتعون بكامل حرياتهم، ويحفظ التاريخ مفاخر خالدة في حسن رعايتهم والاهتمام بشؤونهم، وإن الصحيفة –العهد- التي دونها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المسلمين و يهود المدينة بعد الهجرة – قبل أربعة عشر قرنا وثلث القرن – لتشهد بذلك، كما يشهد بهذا قول الله تعالى:) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ( ] آل عمران : 64 [,  كما لقي غير المواطنين من أتباع الدول غير المسلمة ترحيبا طيبا في بلاد الإسلام لا ينساه ذوو الأحلام والنهى ، تنتظمهم أحكام المستأمنين.


والسؤال المطروح الآن: مَن المؤهل من الخلق لسياسة عباد الله تعالى وحسن رعايتهم، وتقدير أحوالهم و طبائعهم الإنسانية وتحقيق مصالحهم الخاصة والعامة  ؟؟؟  بعد أن عرفنا أن الكون لله، والخلق عباد الله يعيشون على أرض الله. فالمنطق أن يَحكم بين العباد بحكم الله تعالى.قال عز وجل ّ:  )وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(  ]المائدة : 44 [وفي الآية التي تليها: )وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ( ]المائدة: 45[ وبعدها بآيتين:) وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( ]المائدة: 47 [ .


وبين الرسالات السماوية قاسم مشترك يتضح فيما يلي  :


  1 – توحيد الله عز وجل، وتحريم الشرك به.


  2 – بيان سبل العبودية له بما شرع من عبادات .


  3 – الدعوة إلى مكارم الأخلاق. والآداب واستقامة السلوك وما يلحق بهذا.


والإنسان روح، ونفس بميول وغرائز، وجسد وروح.


كل هذا لا يخدم الإنسان بجميع مقوماته. فالسبيل الوحيد أن يقام حكم الله تعالى في عباد الله على أرض الله تعالى. بأن يتعاون علماء الديانات السماوية في الغرب والشرق، في مشارق الدنيا ومغاربها، وشمالها وجنوبها على بيان حكم الله تعالى في عباد الله، وما توعد الله تعالى به الظالمين الذين لا يستجيبون لأوامر الله تعالى، ويعتدون على حقوق الله عز وجل، وحقوق العباد – من عقاب في الدنيا والآخرة ففي كتب أهل الكتاب أدلة كثيرة على هذا، وفي الرسالة الخاتمة في القرآن الكريم الكثير الطيب، الذي لا يخفى على أحد ممن يخشى الله تعالى ويتقيه في عباده سرا وعلنا، ولا يتوفر هذا إلا في المؤمنين المخلصين الصادقين، الذين يخشون الله تعالى ويراقبونه في جميع أحوالهم، ولا يخافون في الله  لومة لائم، ذلك أن: ( الخلق كلهم عيال الله، فأحب الخلق إلى الله مَن أحسن إلى عياله ) (1) .


وما أبلغ ما روى أبو هريرة رضي الله عنه، وما أبعد دلالاته، وما أسمى مراميه – قال: قبّلَ النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما، وعنده الأقرع بن حابس التميمي – أحد زعماء القبائل العربية ووجهائهم و دهاتهم – فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من لا يرحمَ  لا يرحَمَ ". وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من لا يرحم ِ الناس َلا يرحمه الله ). ( 2 )     


وأما أولئك الإرهابيون الصهاينة فلا صلة لهم باليهودية، ولا بما أنزل الله تعالى على سيدنا موسى عليه السلام، وأدرك العالم انسلاخهم عن القيم الإنسانية من حقدهم الشديد وانتهاكهم   حرمات الله تعالى في فلسطين السليبة، حتى أعلن كثير من اليهود تبرأهم من الدولة العنصرية اليهودية  ..... وهؤلاء الصهاينة   يسترحمون الغرب والشرق والبعيد والقريب و يستجدون باسم المحرقة التي لحقهم أذاها - كما يقولون – على يدي النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية ويستدرون عطف الحكومات والشعوب فيبذلون إليهم المليارات من النقود لمواساتهم، والتخفيف من معاناة ما لحق بهم .... ؟؟؟؟ عجبا لأمر هؤلاء المعتدين القتلة الغاصبين، الذين شردوا ملايين من إخواننا الفلسطينيين، وقتلوا الألوف ويتموا الأطفال ورملوا النساء وهدموا البيوت على الأبرياء، وما أخبار اعتداءاتهم المتكررة ببعيد ة، وآخرها ما كان على غزة جوا وبرا وبحرا، وما ترك فيها من دمار عام لبيوتها، ومؤسساتها التعليمية والصحية، ومستودعات أغذيتها، وما تركوا من جرحى ومصابين ومعاقين، تحت حصار عام شامل يمنع الدخول والخروج على مرأى ومسمع مليارات الناس في مشارق الدنيا ومغاربها،عدوان يفوق مئات المحارق اليومية،التي يدعون تعرض اليهود لها أيام الحرب العالمية الثانية، وإلى الآن لم توفق المؤسسات الدولية إلى إدانة إسرائيل في عدوانها الغاشم السافر إلى جانب الاستيطان، وبناء الجدار الفاصل العنصري، وطرد مئات الأسر الفلسطينية من منازلها، في القدس وغيرها، إلى الضياع والشتات والعراء.


لقد ماتت ضمائر الصهاينة المعتدين، ولا أمل في خير منهم، فمن ذاق الظلم وعرف مرارته، لا يمكن أن يظلم غيره لو كان فيه يقظة ضمير حيّ، أو مشاعر إنسانية صادقة.


لكل هذا كان من الواجب المحتم على أكابر علماء الديانات السماوية سرعة التحرك، وإيقاظ ضمائر الشعوب، وضمائر أولي الأمر لإرساء قواعد العدل والمساواة و منع العدوان والظلم كما أسلفنا ....


ومما يدل على شرعية هذا التعاون بين علماء الديانات السماوية في سبيل تحقيق كرامة الإنسان والسعي إلى إقامة سلام عالمي عادل شامل قول الله تعالى: )لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( ]الممتحنة :8 [.


وقوله عز وجل: )غُلِبَتِ الرُّومُ{2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ{3} فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ{4} بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(  ]الروم : 2- 5 [ فرح المؤمنين آنذاك كان لانتصار الروم وهم أهل كتاب على الفرس الذين كانوا مجوسا يعبدون النار. فرح المؤمنون بنصر أهل الكتاب على المشركين بجامع إيمانهما بالله عز وجلّ.


وإن شاء الله عز و جل ستثمر جهود  هذا التعاون البناء، ويفرح المؤمنون المخلصون بنصر الله تعالى، والنصر آت لا محالة مصداقا لقول الله العليم الخبير:


)إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(  ]غافر : 51[


اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد.


والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.  

تحميل