مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 07/02/2019

الصحابي الجليل تميم الداري بن أوس رضي الله عنه

أعيان الشام

الصحابي تميم الداري بن أوس

الذي روى عنه النبي صلى الله عليه وسلم (حديث الجساسة)

مدفون في دمشق سكنها بعد مقتل عثمان بن عفان

إخوتي القراء:

إن بركات مدينة دمشق الرائعة هي من أنوار المصطفى صلى الله عليه وسلم التي ملأت دمشق الشام عند مولده من نوره، فكان ذلك أول دخول لنور المصطفى إلى الشام، ثم دخل نور الإسلام وعموده، فأشرقت دمشق وازدهرت وتهيأت لتكون ذات شأن هام في آخر الزمان، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: )خيار أهل الأرض في آخر الزمان ألزمهم مهاجر إبراهيم[.

و الشام دمشق شهدت هجرة إبراهيم عليه السلام من العراق إلى الشام، لذا نجد تراب دمشق وريفها قد اختلط برفات صحابة وتابعين وأولياء صالحين ربانيين كثر، جاؤوا لينالوا من بركتها..

ندعوكم أيها الإخوة لقراءة فيها تأمل وتفكر في سيرة أحد الصحابة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بصدقهم وحسن اتباعهم.. إنه صاحب قصة الجساسة، التي رواها عنه النبي صلى الله عليه وسلم، والمذكورة في صحيح مسلم، فهل عرفتم من هذا الصحابي الملقب بـ "راهب عصره"؟ و ماذا روى عنه المصطفى؟

صحابيٌّ سكن الشام دمشق، بعد فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه:

تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن خزيمة، وقيل: سواد بن خزيمة بن ذراع بن عدي بن الداري بن هانئ، ويكنى: أبا رقية الداري، لابنة له لم يولد له غيرها.

مشهور في الصحابة، وكان من قبل نصرانياً راهب عصره، قدم المدينة فأسلم، وحسن إسلامه في سنة تسع للهجرة، له صحبة، حدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه النبي حديث الجساسة، وهو حديث صحيح.

و روى عنه: ابن عباس وأنس بن مالك وأبو هريرة، عبد الله بن وهب، شرحبيل بن مسلم، قبيصة بن ذؤيب، سليمان بن عامر، وغيرهم...

فما هو حديث الجساسة؟

جاء تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر له قصة الجساسة والدجال، فصعد النبي المنبر متبسماً وحدث عنه الحادثة، فعُدّ ذلك من مناقب هذا الصحابي الجليل.

ولنتأمل معا الحديث، من صحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة الحديث رقم: 2942

)..........فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: «لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " إِنِّي وَاللهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ، لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمِ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَئُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ أَيُّهَا الْقَوْمُ انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا، حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا، هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ طَّبَرِيَّةِ، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ، قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً - أَوْ وَاحِدًا - مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا، يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ: «هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ» - يَعْنِي الْمَدِينَةَ - «أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟» فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، «فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ، أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ، أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ.............[

بعد إسلامه سنة تسع للهجرة، قدم تميم إلى مصر وأقام فيها مدة، وروى عنه المصريون، وقيل سكن فلسطين، وقيل تحول إلى دمشق بعد مقتل عثمان.

ومن مناقبه التي تذكرها المصادر ما يلي:

هو أول من أسرج في المسجد سراجاً، وأول من قص بعد إذن له من عمر بن الخطاب.

له قصص مع عمر فيها كرامات واضحة له، وتقدير واحترام كبير من عمر رضي الله عنه.

كان كثير التهجد لا ينام، قام ليلة حتى أصبح في آية: (أحسب الذين يجترحون السيئات).

قال ابن حبان: قدم الشام وأقام فيها إلى أن مات، رضي الله عنه.

إن المتبصر المتأمل لسطر من سيرة تميم يتلمس صدق محبته وتعظيمه للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم... وتخبرنا المصادر كم كان يتهجد بخشوع مُختلياً مع المولى عز وجل، ففي إحدى الليالي، ذهب عنه تهجد ليلة واحدة، فعاقب نفسه عاماً كاملاً لا ينام... فأي حب وتعظيم قد انطبع به قلبه، لتصبح المناجاة ليلاً هي مطمح فكره وقلبه؟

اللهم ارزقنا وأحبابنا حبك وحب نبيك، وحب كل قول وعمل يقربنا إليك.

تذكر الحوليات الأثرية بأنه مات سنة 35هجري، ودُفن بمقبرة الباب الصغير بدمشق، رحمه الله تعالى.

المصادر والمراجع:

ـ تاريخ دمشق / لابن عساكر 571هجري ـ الحوليات الأثرية / لمديرية الآثار

ـ أسد الغابة / لابن الأثير 630 هجري

ـ الإصابة في تمييز الصحابة / للعسقلاني 852 هجري

تحميل