مميز
التاريخ:

المدرسة النورية الكبرى

معالم الشام

المدرسة النورية الكبرى
563هجري/1167ميلادي
إخوتي القراء :
تعالوا بنا نمضي مغامرين مستكشفين باحثين عن معرفة تاريخية نجهلها في أرض دمشق الحبيبة، ها نحن نقف أمام معلم علمي ديني يعود لزمن قد مضى ينادي علينا للوقوف عنده بقلب متعظ محب وعقل باحث مهتم ... نسأل الله التوفيق في سيرنا هذا.
إخوتي القراء:
إن من أبرز سمات عصر الدولة الزنكية هي العناية بحديث رسول الله دراسة وتدريسا، في محاولة من نور الدين زنكي ت:569هجري، جعل العلم والدين سمات عصره ليكونا متاحين لجميع الناس، مع العمل على نشر العدل بين أفراد هذا المجتمع ..
و قبل الوقوف على هذا المعلم، لا بد أن نشير إلى الدور الهام الذي قام به نور الدين زنكي ومن قبله والده عماد الدين زنكي في وقف المد الصليبي في تلك الفترة والعمل على توحيد العالم الإسلامي لمواجهة الزحف الاستعماري، حيث استلم نور الدين محمود هذه المهمة الهامة والخطيرة من والده، ثم أخذ من الوزير "نظام الملك " في العراق والذي إليه تنسب إرساء مفهوم المدارس في العالم الإسلامي، فسميت المدارس بالنظامية تيمّناً بهذا الوزير، ثم عمل نور الدين على إنشاء مدارس دينية علمية متنوعة الاختصاصات في الشام، لينال شرف عمله في إحياء أحاديث المصطفى في الشام ودمشق عبر تلك المدارس، والتي منها دار الحديث النورية التي بناها للمؤرخ المحدث ابن عساكر، والمدرسة النورية الكبرى للمذهب الحنفي، وغيرهما من المدارس التي أخذت تُقام في ازدياد وتوسع لافت للانتباه، يتجلى فيها حديث المصطفى: (( ستكون الشام دمشق في آخر الزمان أكثر المدائن أهلا وأكثره أبدالا وأكثره مساجدا وأكثره زهادا، وأكثره مالا ورجالا ..)) .
ونحن وإياكم من سوق الحميدية القديم نتجه نحو سوق ضيق من الأسواق الفرعية لسوق الحميدية، باتجاه سوق يدعى الخياطين، نسير ونسير ونستشعر نسائم رائعة تلامس شغاف القلب تناديه للتوقف والتعرف على ذاك المعلم، نقف وإذ في الواجهة باب كبير فوقه لوحة تعريفية تقول :
(المدرسة النورية الكبرى)
و لكن إذا اقتربنا أكثر بقلوب تدعو لمن سبقونا، يتضح لنا أيها السائح الدمشقي ماهية هذا النداء، إنه حب وتعظيم لسيد الكون والخلق، وإجلال وتصديق بأحاديثه الشريفة .. ها هنا يرقد من نال شرف رؤياه صلى الله عليه وسلم واستنجاده باسمه "محمود نور الدين زنكي"، لينقذه ...
يا حبيبي يا رسول الله ! كيف عرفت بهذا الإنسان الذي حاول وحاول وجاهد لينال هذا الشرف ؟ ستجد أيها السائح الدمشقي نفسك أمام ضريح من عاش ومات معنوناً سيرته بأجمل عنوان .. ويكفيه في سيرته قصة رؤياه للمصطفى ثلاث مرات يناديه باسمه :يا محمود أنقذني ... تخيل أيها الواقف أمام ضريح نور الدين زنكي كم هو مقدار حبه وشوقه حتى ناداه سيد الخلق باسمه ... فذهب ولبى النداء، ليجد من يحاول الوصول إلى قبره الشريف وسرقة جثمانه الطاهر، فحال محمود نور الدين زنكي دون ذلك، وقبّل يده الشريفة عليه الصلاة والسلام باكياً وقد أتم مهمته وأجاب نداءه.
تقدم أيها السائح وأشعل في قلبك نيران الفضول للتعرف أكثر وأكثر، وقف عند باب المدرسة التي أنشأها هذا المحب لله ورسوله، واقرأ له فاتحة الكتاب، تذكرة الدخول والولوج في نسائم العبرة والعظة، ولنسأل المولى حسن التدبر ...
موقعها وتاريخ بنائها :
يخبرنا الجغرافي الشيخ النعيمي قائلا: قال ابن شداد: وهي بخط الخواصين، أنشأها الملك العادل نور الدين محمود ابن زنكي بن آقسنر، ت: 569هـ، وكان إنشاءها في سنة 563هـ، وفيه نظر إنما أنشأها ولده الملك الصالح إسماعيل، ثم نقله من القلعة بعد فراغها ودفنه بها، وهي بعض دار هشام بن عبد الملك بن مروان، وكانت قديماً دار معاوية ابن أبي سفيان.
و قال الذهبي في العبر، في سنة 125 ملك الخليفة هشام بن عبد الملك الأموي، وكانت داره عند الخواصين بدمشق، فعمل منها مدرسة السلطان نور الدين زنكي، وفي المختصر: كانت داره عند الخواصين، وهي اليوم تربة الملك العادل نور الدين الشهيد.
و يقال .. وقع في أسر الملك نور الدين الشهيد ملك الفرنج، فأشار الأمراء ببقائه في أسره خوفا من شره، فبذل هو نفسه مالا، فبعث نور الدين سراً إليه يقول: أحضر المال فأحضر 300 ألف دينار فأطلقه، وعند وصوله مأمنه مات، فطلب الأمراء سهمهم في المال، فقال نور الدين: ما تستحقون منه شيئاً لأنكم نهيتم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحسنتين :الفداء وموت اللعين وخلاص المسلمين منه.
فبنى نور الدين بذلك المال المارستان والمدرسة ودار الحديث النورية.
و يذكر الأسدي في كتابه، "الكواكب الدرية في السيرة النورية": توفي الملك العادل في سنة 569هجري، وصُلّي عليه بجامع القلعة ودُفن بها، ثم نُقل إلى تربة تجاور مدرسته التي بناها لأصحاب أبي حنيفة عند الخواصين، والتي كانت داراً لسليمان بن عبد الملك بن مروان.
مدرّسي النورية الكبرى :
تروي المصادر أن أول من درس فيها هو بهاء الدين العقادة، ثم من بعده برهان الدين مسعود الدمشقي ت: 639هجري، ثم من بعده أولاد الصّدر والمجد أخوه، إلى أن قدم الشيخ العلامة جمال الدين بن الحصيري الحنفي محمود بن أحمد الذي قدم حصيرَ التابعة لبخارى، وحين قدم دمشق تولى رياسة النورية سنة 623هجري، وهكذا توالى رياستها قضاة وعلماء المذهب الحنفي في مدينة دمشق حاضرة العلم والدين في تلك الفترة.
و قال الريحاوي في كتابه، "العمارة العربية الإسلامية": المدرسة النورية، وهي موجودة في سوق الخياطين، بناها نور الدين سنة 563هجري/1167ميلادي، ودُفن فيها في تربة فخمة لها قبّة من المقرنصات الرائعة، والضريح أصيل ونادر تغطي سطحه زخارف جصّية جميلة، والمدرسة بحالة جيدة سوى ايوانها الشمالي الذي هُدم منذ بضع سنوات بسبب تعريض الطريق .
وتمثّل هذه المدرسة مع الضريح الفن السلجوقي الأصيل في العمارة الإسلامية، كما تأصّلت في عهد نور الدين المبتكرات الفنّية الشرقية التي أدخلها السلاجقة إلى سورية، فامتزجت مع التقاليد الفنّية المحلية في عملية إحياء للفن الإسلامي لم تشهدها البلاد منذ عهد الأمويين.
فلنقرأ معاً وصف الرحالة ابن جبير من علماء غرناطة (539_614 ه) الذي رأى النورية الكبرى بعد وفاة نور الدين في عهد صلاح الدين الأيوبي :من أحسن مدارس الدنيا مظهراً مدرسة نور الدين رحمه الله, وهي قصر من القصور الأنيقة، ينصب منه الماء من شاذروان وسط نهر عظيم، ثم يمتدّ في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في صهريج كبير وسط الدار، فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظر, فكل من يبصره يجدّد الدعاء لنور الدين رحمه الله...
و عندما زرناها منذ سنوات، وقفنا عندها نصِفُ مشاهدتنا، فلم نجدها كما وصفها ابن جبير، ووجدنا حال لساننا يقول :ما الديار هي التي امتدحوها، فقد فقدت تألقها وباتت مشاهدة مادية أرضية فقط.
تتألف من :
بوابة عالية ذات دفتين خشبيتين، تعلوها كتابة بالخط النسخ تنص على تاريخ الوقف المحدد للمدرسة.
صحن المدرسة على شكل مربع, رصّفت أرضيته بالحجر المزّي والبازلتي.
أما الحرم فهو مستطيل الشكل يقع في الجهة الجنوبية من البناء, سقفه من الخشب..
وتعلو المدرسة مئذنة بسيطة وقصيرة.
وإن مما يميّز المبنى ضريحُ الشهيد نور الدين، الذي تغطي سطحه زخارف جصّية جميلة, دُفِن فيها مُنشئها نور الدين الشهيد, وهي مجهّزة بقبّة من المقرنصات الرائعة، التي تتألف من تسلسل طبقات من الخلايا الفراغية, ثم يلي ذلك قمرية لدخول النور والهواء.
لكن مع توالي العصور.. فقدت المدرسة معظم معالمها الأصلية, وأصابها ما أصاب غيرها من المدارس التعليمية القديمة كالعمريّة والأشرفيّة بعد هجوم التتر... فغاب ذكرها عن كتب التراجم.
و شاء الله أن يجعل من دمشق علماء مخلصين لله ورسوله، وشاء أن تسمع تأوّهات في بعض دروس العالم الرباني الذي عشق أحاديث المصطفى في فضل الشام دمشق، فوجد في تتبعه سير الصالحين المملوءة التراجم بسيرهم، أنهم قد عاهدوا الله ورسوله على نهج نور الدين زنكي وتلميذه صلاح الدين في الثبات على مبادئ الدين وأسسه وسلامة النفوس والقلوب والسعي لتحقيق العمل والعلم ... فكم وكم تأوّه العالم الرباني الشهيد السعيد الدكتور البوطي لنسياننا هذا النهج وهذا المقام، وليس الهدف من المدرسة تقديس حجارة أو رفع صور لذكريات، وإنما تأصيلٌ لثوابت الدين الإسلامي ودعوة إلى النهج الرباني بالحلم والحكمة، فلا عصبيات تُتبع، ولكن منهج محمديّ واحد لا يفرّق بنا السبل :(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله) .
كثرت أعمال نور الدين زنكي وفضائله ... ألغى العصبيّات, ونشر العلم, كما كان يطمح ويحلم ويعمل لتحرير بيت المقدس, وقد قام بصنع منبر مزيّن بزخارف بالغة الجمال ليضعه هناك، ووقف بين الناس متعهّداً على نفسه.
نترككم ها هنا بين الماضي والحاضر، ولساننا لا يفتر بالدعاء، فلنعاهد الله أن نجاهد أنفسنا للوصول إلى ما يحب مولانا ويرضى، مبدأنا (أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك) ..
المصادر والمراجع:
ـ أخبار الروضتين ف أخبار الدولتين / لأبو شامة
ـ الدارس في تاريخ المدارس / للنعيمي
ـ العمارة الإسلامية / لعبد القادر الريحاوي


تشغيل