مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 30/11/2018

مسجد مئذنة الشحم

مساجد الشام

"مسجد مئذنة الشحم"

770هجري/1368ميلادي

إخوتي قراء زاوية "معالم و أعيان":

تمتاز دمشق بتنوع معماري جميل، و بأشكال تراثية مختلفة تدلنا على تنوع حضاراتها ... حيث نرى توزع الجوامع و المساجد بين حاراتها و أحيائها بأعداد كبيرة، تدفعنا للتساؤل عن سر ذلك ؟ و جواب هذا السؤال نجده في أحاديث المصطفى عندما أخبرنا قائلاً : ستكون دمشق أكثر المدن مساجداً .... صلى الله عليه و سلم، فجمال و جلال هذه المدينة قد انعكست فيه هذه الأحاديث الشريفة، حيث وُجد ذاك الإنسان الفعال المؤثر في الأرض بالخير على مر التاريخ، ليرسخ معاني الرقيّ المحمديّ الرائع الذي قال: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فوق أرض عريقة ستشهد نزول سيدنا عيسى عليه السلام .

في نهاية القرن السابع للهجرة و مطلع الثامن، قامت دولة المماليك، لتصبح دمشق مركزاً كبيراً من مراكز الحياة الفكرية و الدينية، و عمل حكامها و بعض المياسير من أهلها على تعميرها أحسن عمارة، مقتدين بذلك منذ عهد نور الدين زنكي السلجوقي و حتى عهد صلاح الدين الايوبي من بعده ... رحمهم الله و جزاهم ألف خير لما بذلوا

....

تعالوا بنا نمضي معاً، على الطريق المستقيم، بين باب الجابية و باب شرقي، المعروف بسوق (مدحت باشا)، حيث نشاهد توزع الأسواق الفرعية و الخانات و المساجد من على جانبي هذا السوق الطويل، و عند محلة مشهورة باسم : (مئذنة الشحم)، نتوقف كسائحين متميزين، نستنطق العبرة و الفائدة من التأمل العميق لنسائم العراقة و التاريخ الحضاري الذي تركه ذاك الإنسان فوق أرض دمشق العريقة

و كمشاهدة أولية لهذه المحلة، نلمح في النهاية الشرقية لسوق مدحت باشا مسجداً مملوكيّ الوصف اشتهر باسم "مئذنة الشحم"، التي لم يبقَ منها سوى قسمها السفلي المنقوش عليها و المثبت فيه تاريخ البناء: 770 هجري/ 1368ميلادي، أي في أواخر العصر المملوكي.

المئذنة ذات جذع مربع مشيّد بالمداميك الحجرية ذات اللونين المتناوبين (بلقاء)، و يرتفع في رأس المئذنة جوسق اسطواني ..

و قد ذكر ابن عبد الهادي في كتابه "ثمار المقاصد" ، أن مسجد مأذنة الشحم في سوق مدحت باشا، و الذي يسمى أيضاً بمسجد السوق، هو مسجد صغير، فيه محراب لطيف و منارة حجرية مربعة، يُصعد إليها بسلم حجري من الشارع كُتب على حجرة بقاعدتها "الحمد لله .. عمل علي الكسار سنة 770هجري".

و مؤرخ هذا العصر، الدكتور عبد القادر الريحاوي، في كتابه " العمارة العربية الإسلامية" ، ذكر في قسم الجوامع و المساجد المملوكية قائلاً : مئذنة الشحم تقع في المحلة المشهورة بهذا الاسم على الطريق المستقيم ( بين باب الجابية و باب شرقي ) .. بُنيت في عام 770 هجري/ 1368ميلادي، كما هو مثبت في الكتابة المنقوشة عليها، و لم يبقَ من المئذنة المملوكية سوى قسمها السفلي .

خلال جولاتنا السياحية المتأملة لدمشق الرائعة نلمس تنوع الحضارات بحسب كل عصر و بمَ امتاز و ما الخصائص التي طغت عليه ؟ و هذا المسجد أيضاً قد امتلك ميزاته الفنية المعمارية الخاصة به : كالتناوب باللونين، و ارتفاع المئذنة بجوسق ..

و إذا تساءلتم عن مميزات ذاك العصر (المملوكي) أجبناكم بأنه عصر ازدهار و نشاط فكري عمراني ثقافي بامتياز، بالرغم من الاضطرابات و الفوضى سياسية التي شهدتها البلاد تلك الفترة، ف الوعي الفكري كان هو الغالب على المجتمع الدمشقي، و لذلك شهد ذلك العصر نشاطاً هائلاً و رقيّاً بالعلم و الدين، و اعتُبر من العصور الزاهية المشرقة في التاريخ : بفضل العلماء الصالحين المصلحين ... و الوعي الفكريّ الكبير بين عامة الناس.

هذا هو عنوان الشام دمشق، فهلا تداركنا الأمر و سألنا المولى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ؟

المصادر و المراجع:

ـ ثمار المقاصد / لابن عبد الهادي

ـ العمارة الإسلامية/ للريحاوي