مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 15/01/2018

المدرسة العادلية الكبرى والصغرى والتربة العادلية الجُوّانية والبرّانية

معالم الشام

المدرسة العادلية الكبرى والصغرى


والتربة العادلية الجُوّانية والبرّانية

إخوتي قراء زاوية معالم وأعيان:

سنتجول بين جدران مدرستين سُمّيتا بالعادلية، الكبرى والصغرى .. المدرسة العادلية الكبرى، وضمنها التربة العادلية الجُوّانية:

تجاه الظاهرية في دمشق القديمة، بمنطقة العمارة الجُوّانية، بين بابي الفرج والفراديس مقابل المكتبة الظاهرية .. وسبب بنائها يعود لنور الدين زنكي الذي كان من شدة احترامه وحبه للعلم وللعلماء أن أنشأ المدارس في جميع أنحاء دمشق والشام، منها "العادلية الكبرى" قال الأسدي في تاريخه في سنة 568 هجري: شرع نور الدين محمود بن زنكي في بناء مدرسة كبيرة للشافعية لكن نور الدين توفي ولم تتم، ثم تمّم بعضها الملك العادل سيف الدين، ثم توفي ولم تتمّ المدرسة بعد، فتمّمها ولده الملك المُعظّم، وأوقف عليها أوقافاً كثيرة، ودفن فيها والده ونسبها إليه.

وقال النعيمي: العادلية هي التي شرع في بنائها نور الدين زنكي وتوفي لم تتم، وبناها الملك العادل أو صلاح الدين وتربته فيها، وقد رأيت ما قد بناه نور الدين المحراب والمسجد، وبقي قطب الدين يدرس إلى أن توفي في عام 578 هجريا وأوقف كتبه على طلبة العلم في مكتبة المدرسة.

والملك العادل هو أبوبكر بن أيوب بن محمد بن شادي بن مروان بن يعقوب الدويني ثم التكريتي ثم الدمشقي، السلطان الملك العادل ابن الأمير نجم الدين أيوب، وهو أصغر من أخيه صلاح الدين الأيوبي بسنتين، نشأ في خدمة نور الدين زنكي مع أبيه، وحضر فتوحات أخيه، وكان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، مجاهداً متصدقاً، وهو من أمر ببناء قلعة دمشق، وألزم كل واحد من ملوك أهل بيته بعمارة برج.

قال الأسدي في تاريخه: في عام 568هـ، شرع نور الدين بعمارة مدرسة للشافعية،، ترحيبا واجلالا لقدوم الفقيه العالَم قطب الدين (النيسابوري) من خراسان إلى دمشق، وقد جلس ودرس بالزاوية الغربية للجامع الأموي، المعروف بالشيخ نصر المقدسي ووضع نور الدين زنكي محرابها لكنه توفي ولم يُتممها، إلى أن أتى الملك العادل في سنة 612 للهجرة، وشرع في بناء مكانها مدرسة عظيمة، سُميت بالعادلية.

كما قال الذهبي في تاريخه العبر، 615هـ: والسلطان العادل سيف الدين أبو بكر محمد ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادي، نشأ في خدمة نور الدين مع أبيه .. كان أخوه صلاح الدين يستشيره ويعتمد عليه وعلى رأيه وعقله ودهائه، ثم سَلطن ولده (الكامل) على الديار المصرية والمعظم على الشام.

وقال الريحاوي أن المدرسة العادلية الكبرى كانت مقراً للمجمع العلمي حديثاً، بالقرب من الجامع الأموي، وتضم تربة الملك العادل أبي بكر، وهو الذي أنشأها سنة 612هـ، وأتممها بعد وفاته ابنه (المُعظم عيسى) فأُكملت سنة 620هـ/ 1223مـ.

وفيها ألف أبو شامة "الروضتين"، وابن خلكان "الوفيات"، وفيها نزل ابن خلدون وغيره من عباقرة العالم الإسلامي.

أما المدرسة العادلية الصغرى:

فهي داخل باب الفرج شرقي باب القلعة في محلة العصرونية، وقال ابن شداد: العادلية الصغرى مُنشئها (زهرة خاتون بنت الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب)، وكانت داراً تُعرف لابن موسك، ملكتها (الخاتون عصمة الدين زهرة)، ابنة الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب، ثم مَلّكت الخاتونُ زهرة لابنة عم أبيها (الخاتون بابا خاتون) ابنة أسد الدين شيركوه.

ثم وقفت (بابا خاتون) ذلك على (زهرة خاتون)، ومن بعدها تكون مَدفناً ومدرسة ومواضع للسكن، وشَرَطت للمدرسة مُدرّساً ومُعيداً وإماماً ومؤذناً وبوّاباً، ووقَفَت عليها أوقافاً كثيرة، فدرس في هذه المدرسة شيوخ الفقه الشافعي من العلماء الأجلاء.

إذاً فقد بُنيت في العهد الأيوبي ولكن بابها وجزءً من واجهتها ينتميان إلى العهد المملوكي، ورُمّمت واجهتها في العصر المملوكي، وتغيرت معالمها الداخلية حديثاً.

بينما التربة العادلية البرّانية:

قال مؤرخ حي الصالحية الشهير بابن طولون عن شيخه المؤرخ النعيمي: (التربة العادلية بسفح قاسيون، غربي دار الحديث الناصرية البرّانية)، وقال الذهبي في ذيل العبر في سنة 702 هـ: (مات متولي حماة الملك العادل زين الدين كتبغا المعلي المنصوري، ودُفن بتربته بسفح قاسيون).

و هذه التربة ما تزال موجودة، ذات واجهة حجرية جميلة وباب ذي مقرصنات.. وقال الريحاوي: (هي في سفح قاسيون عند ضريح المالكي، التي دفن فيها السلطان المملوكي الملك العادل كتبغا).

إخوتي سائحي دمشق:

لنتأمل ونتفكر ... في بذرة طيبة واحدة غرسها نور الدين محمود بن زنكي، للمدرسة الشافعية، ولم تتم معه فتوفي قبل إنهائها، ليأتي من بعده بحوالي أربعين سنة من يتمّ بناءها، وهو الملك العادل، لتصبح مؤسسة علمية دينية تضم العلماء الأجلاء الطامحين لأن يكونوا ممن قال فيهم صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده) ..

لنتأمل تلك البذرة الواحدة، بينما قد شارفت رحلتنا على الانتهاء، ولسان حالنا يدعو لمن سبقونا .. جزاهم المولى خير الجزاء، وأثاب أحسنَ الثواب لسيدنا نور الدين زنكي، الذي عاش ومات وهو يعمل على ترسيخ مبادئ الإسلام العظيم في أرض الشام، دمشق.

المصادر والمراجع:

ـ تاريخ العبر/ للذهبي

ـ الدارس في تاريخ المدارس/ للنعيمي

ـ تاريخ الصالحية/ لابن طولون

ـ العمارة الإسلامية/ للريحاوي