مميز
الكاتب: أ.عبد الله لعريط
التاريخ: 12/01/2018

جمال الإسلام لا تقبّحُه اللئام؟

مشاركات الزوار
جمال الإسلام لا تقبّحُه اللئام؟
أ.عبد الله لعريط
إن الحمدَ لله تعالى نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعَه بإحسان إلى يوم الدين.
توطئة: الذي ينظر في آيات القرآن بعين البصيرة يرى فيه سره المكنون والمتمثل في ذلكم الخطاب الإنساني والإيماني والروحاني والجمالي في آياته التي هي نور على نور مما يجعل الناس في كل الأزمنة والأمكنة حين يطلعون عليه ويقرؤون آياته ويتدبرون هذه الحكم والبصائر التي يحتويها يميلون للإسلام ميل المحب والمشتاق لمحبوب مفقود عثر عليه.
فمن الواجب أن ننظر إلى القرآن بنظرة المتبصر واللبيب لنحيا جنة الله العاجلة.
عمى القلوب!!: وقد يحول العمى النفسي والمرض القلبي عن هذه النظرة السليمة والمستقيمة، فنعكس الحقائق التي هي نور على نور، ونقلب هذه التعاليم البيضاء إلى سواد حالك تنطفئ من خلاله هذه الأنوار مما يجعل الناس ينفرون بل يحاربون الإسلام ومن ينتمي إليه.
وقد بين الباري سبحانه وتعالى أنها لا تعمى الأبصار وإنما تعمى القلوب التي في الصدور.
راية عمياء: وما نراه اليوم من إجرام تحت راية عمياء تنسب إلى الإسلام، ما هو إلا نتاج الفاشية الفكرية التي تسلطت على أذهان هذه الطائفة، فأطفأت بفكرها الفاشي والنازي والأعوج الأفلج كل ضوء ونور يتوهج من مشكاة القرآن والسنة الطاهرتين، فتولد عنها بمرور الزمن بدل الصفاء والنقاء والجمال والإنسانية، الإجرام بشتى أنواعه وأصبح حتى المسلمين في خوف وهرع من الإسلام.
قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)] الأنفال.
وكلمة يحول بين المرء وقلبه: أي يجعل بينه وبين بصيرته حائلا يحجبه عن الفهم السديد والفكر الرشيد.
وهذا من عقاب الله العاجل نتيجة الصد عن النهج النبوي الذي هو أبيض أنور أزهر كالقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، قال صلى الله عليه وسلم:" تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك". صححه الألباني رحمه الله.
العلاج: وعلاج هؤلاء لا يكون إلا بغسل هذه القلوب بدموع التوبة والندم وعصرها بالإستقامة والمسارعة بالعودة لركب الصالحين وإنقاذ أنفسهم من نار الهموم التي تنتظرهم في العاجلة قبل الآجلة.
ومن تاب تاب الله عليه: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] النور.
تبيان الحق: ومما يجب علينا أمام هذا التيار الجارف والسيل العارم هو أن نرفع كل الحجب التي يحاول أصحابها - اليهود والنصارى وأعوانهم - حجب الحقائق وقلبها وإخراجها للناس بأقبح وأبشع الصور كما فعل أجدادهم من قبل حين حرفوا كتبهم لصرف الناس عن دين القيمة وتركهم في ضلال وجهل عم الأرجاء حتى جاء الإسلام فكشف هذا القناع المزيف فبان الحق من الباطل واستعاد الناس أمنهم وعافيتهم.
ثم طال الأمد وتخلى الناس عن دينهم وتعاليم الوحيين فأعاد اليهود والنصارى الكرة في ثوب جديد، وقد نوه الباري سبحانه وتعالى لهذا الأمر في قوله: [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)] الحديد.
وفي صحيح مسلم رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنا بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله). إلا أربع سنين.
فكيف بألف وخمسمائة سنة أو أزيد..!!؟
ثوب جديد!!: القرآن الذي تولى الله حفظه عجز علماء اليهود والنصارى عن تغيير ولو حرف من حروفه، لكن استطاعوا تغيير الحقائق التي هي روح الوحيين وقلبها وتحريفها، وهذا حسدا من عند أنفسهم، وسبب نجاحهم في ذلك هو الفراغ الرهيب الذي يعيشه المسلمون اليوم لقلة الوعي والتذكرة التي من الواجب أن تكون الليل مع النهار، لأن أهل الباطل في حركة مستمرة لا تتوقف الليل والنهار.
نتيجة لذلك سخر أعداء الإسلام كل ما بوسعهم من وسائل الضلال والانحلال ليملئوا فراغ المسلمين بضلالهم وزيغهم، وقد ذاب كثير من المسلمين في ضلالهم وباطلهم وبلغ الأمر أن غيروا حتى فطرتهم السليمة وعقيدتهم المستقيمة، وجعلوهم أداة في أيديهم يحاربون بها القيم والمبادئ الإنسانية والإسلامية، وقد هدموا بهم الأركان كما تهدم الصواريخ البنيان.
كيف نواجه: من العجب في زماننا أن من المسلمين الذين تولوا مهمة الدعوة المحمدية هم من بدؤوا طمس حقائق الإسلام وقلبها رأسا عن عقب، فمن جملة الباطل الذي تولد من جراء دعوتهم غير المستقيمة هو محاولة التعدي في سنن الله الكونية التي لا تقبل التحويل ولا التبديل، فأرادوا تغيير الواقع المرير بالفتنة والوقيعة بين المسلمين وبحمل الناس على التصادم والتدافع، ويتحججون بحجج واهية ليس لها أصلا لا في الدين ولا حتى في الإنسانية.
وبالتالي فأول ما يجب فعله منا جميعا حتى من هؤلاء أنفسهم هو العودة إلى منهج السلف الصالح رضي الله عنهم في الدعوة إلى التغيير، وأول خطوة هو العمل الحثيث والجاد والجماعي في لم شمل هذه الأمة وذلك بنبذ العنف الذي عمت به الأرجاء وتوضيح الأخطاء التي كانت سببا في التدافع والفتة بين المسلمين ونقض الفتاوى التي كانت دافعا لذلك.
ونعلم أن الله لا يزال لطيفا بعباده ورحيما بهم يقبل توبة من تاب ويعفو عن زلة من عاد ويبدل السيئات بالحسنات، ويغير القلوب كيف يشاء وقت ما شاء، ويكون ذلك بحركة ولو بسيطة من العبد: (وهزي إليك بجدع النخلة).
لا مجال لليأس..!: علينا أن نتحمل جميعا ما آل إليه وضع أمتنا وكل واحد يعتبر نفسه شريك في هذه الأحداث، فنلوم أنفسنا ونستغفر ربنا وندعو لبعضنا البعض، ونتذكر وصايا نبينا التي كانت ولا تزال المشكاة التي هي ملاذنا في مثل هذه الأوقات الحالكة.
عن العرباض ابن سارية. قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا، فقال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).
فعلينا أن نبكي على أنفسنا وعلى أمتنا وعلى ديننا وعلى الوحدة التي عاش لأجلها نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام يجاهدون ويحاربون ويدافعون عنها حتى آخر رمق من حياتهم.
نبكي بكاء العائد لرحابهم، المشتاق للقائهم، كيف وحبيبنا صلى الله عليه وسلم على الحوض ينتظرنا بشوق،كما جاء في صحيح مسلم من حديث (أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ:" السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ. وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا. قَالُوا: أَوَ لَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ. فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا).
فلا مجال لليأس والقنوط وعلينا أن نغيير ما بأنفسنا ونجعل هوانا في ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم ونحيي تعاليم شريعته الإنسانية والإيمانية والروحانية والجمالية لنفوز بما فازوا من جنة الرضوان العاجلة والآجلة.
والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.
اللهم ابرم لأمتنا إبرام رشد وهداية وإبعاد من كل زيغ وضلال وغواية.
وألف بين قلوبنا واجمع شملنا وارفع الفتن التي بيننا واجعل ثأرنا على من عادانا ولا تسلط علينا الأعداء بذنوبنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا وردنا إلى دينك ردا ترضاه عنا يا مولانا.

تحميل



تشغيل