مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 15/05/2017

غوطة دمشق إحدى عجائب الدنيا عند القدماء

معالم الشام

غوطة دمشق


إحدى عجائب الدنيا عند القدماء

إخوتي قراء زاوية (معالم وأعيان):

لنتأمل وإياكم دمشق الرائعة بثلاثيتها المميزة: قاسيون، بردى، والغوطة، ولنقف عند حقيقة الخبر في جمال وجلال هذه المدينة العريقة.

فلنصعد جبل قاسيون شمالاً، ولننظر تجاه دمشق القديمة التي نالت شرف مديح النبي المصطفى وسنلمحُ سهلها الواسع المحيط بها بحنان الأم الرؤوم التي تحضن أبناءها المتوزعين في القرى المحيطة: دوما، حرستا، مسرابا، كفرسوسية، وغيرها ... ثم يتراءى لنا سهول ممتدة، كسهل المزة والقابون، جميعهم يحتضنون المدينة في دعاء مبجّل صادق اللهم بارك في شامنا .. ومن وراء السهول تمتد الجبال، فأي روعة قد امتلكتِها يا دمشق! تُجبرين ساكنيكِ بجمالك وخيرك الساحر أن يرسخوا دوماً الشكر لله بالفعل قبل القول المجرد باللسان .

اشتهرت غوطة دمشق بخصوبة أرضها وجودة مائها، فهي عبارة عن أشجار مثمرة متنوعة تغذيها مياه منبثقة من الجبال، وتقسم الغوطة إلى: الغوطة الغربية، التي يرويها فرعا بردى (المزاوي والداراني) ، تبدأ من مضيق الربوة لتمتد غرباً وجنوباً نحو المزة وكفر سوسية وداريا وصحنايا والأشرفية، وبلدات محاطة بأروع الأشجار، أما الغوطة الشرقية فبدايتها من دوما نحو الشرق والجنوب، محيطة بدمشق ببساط أخضر رائع: جرمانا، المليحة، عقربا، كفر بطنا، ببيلا وعربين، إلى أن تلتقي بنظيرتها الغربية ليكتمل احتضان دمشق ببساتين الحب والعطاء. ويبدأ بساطها الأخضر بالانكماش لتظهر منطقة السهوب، التي تنعدم تدريجياً وتنتهي بالتلال البركانية.

حبى المولى دمشق بموقع ممتاز وإقليم معتدل، ورزقها من المياه أنهاراً وعيوناً لتسقي منها غوطتها، ولتصبح زمردة خضراء تدبّ عليها الحياة منذ أيام آدم عليه السلام، حيث ألِفها الإنسان وخصّها بالعمارة والبنيان، وتوالت الحضارات فوق أرضها تاركة فيها شواهد وآثار لا تُمحى من الذاكرة.

لنستمع للشيخ المُحدّث الجغرافي، أبي ياقوت الحموي في (معجم البلدان):

الغوطة: بالضمّ ثم السكون، وطاء مُهملة، وهو من الغائط (وهو المطمئن من الأرض)، وجمعه غيطان وأغواط، وقال ابن شمسيل: الغوطة هي الوهدة من الأرض المطمئنة، وقال ابن الأعرابي: الغوطة مجتمع النبات، والغوطة: استدارتها ثمانية عشر ميلاً، تحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها، لا سيما شمالها، ومياهها خارجة من تلك الجبال ممتدة فيها في عدة أنهر، فتسقي بساتينها وزروعها، والغوطة كلها أشجارها متصلة.. وهي بالإجماع أنزه بلاد الله وأحسنها منظراً.

وقال البدري في (نزهة الأنام في محاسن الشام):

وغوطتها الجامعة للمحاسن لا تُستقصى، وقد جاء في الخبر عن كعب الأحبار رضي الله عنه: ((غوطة دمشق بستان الله في أرضه))، وفضائل الشام كثيرة، ومحاسنها جُمّة غزيرة، وبركاتها مشهورة، وأخبار خيراتها مأثورة، ولهذا أطلقنا عنان القلم في غيضانها وروضاتها وقطوفها الدانية للمتفكر في منتزهاتها..

وقال المُحدّث المؤرخ الذهبي: أجمع سُوّاح الأرض والأقطار أن غوطة دمشق من منتزهات الدنيا!

أما الرحالة الشهير برحلاته، ابن جبير، 624 هـ، فقد وصف دمشق قائلاً: " ودمشق حرسها الله تعالى، هي جنة المشرق، ومطلع حسنه المؤنّق المشرق، قد تزينت أجمل تزيين، وتشرّفت بأن آوى الله تعالى بها المسيح وأمه، صلى الله عليهما .. قد امتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، صدق القائلون عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تحاذيها.

تغنّى بها الشعراء والحكماء والعلماء، وكثير من العباد الذين سَعدوا فيها، وما يميز دمشق هو وسطية واعتدال مناخها الطبيعي والديني، لتجد أن التزاحم على سُكناها ليس بغريب! ومعاداة الأعداء منذ الأزل لطمع وحسد وحقد ليس بعجيب!

وإن من حق دمشق على القادمين إليها من أنحاء العالم، في الحاضر والمستقبل، وعلى أبنائها المقيمين فيها، أن يصونوا تراثها وترابها وشجرها وماءها .. ولا يكون ذلك إلا بعمارة الإنسان قبل الديار، وتألقه الروحي من الداخل، نبدأه بالحمد والشكر والامتنان على سُكناها، ونحافظ عليها بالعمل الدؤوب مع جهاد النفس لتتوافق مع رضى سيد الأكوان، نصل حينذاك بإذن الله إلى مباهاة سيد الأخلاق لترسيخنا لمنهجه الصحيح، الذي لا إفراط ولا تفريط فيه.

هذه هي دمشق، يا إخوتي، قد سكنها أقوام وأقوام منذ بدء الخليقة، من الكنعانيين، والفينيقيين، والفرس، واليونانيين، والروم، ومن ثم المسلمين، من أمويين وعباسيين وسلجوقيين وأيوبيين وأتراك .... وهكذا، في دائرة من دوائر الحياة .. فالمهم حقاً هو ترسيخ منهج نبيّنا بالحكمة والموعظة الحسنة، ولتنظروا يا أهل الشام عمّن تأخذون شريعتكم وعباداتكم وأخلاقكم ...؟

وبالمختصر، فغوطة دمشق أرضٌ منبسطة واسعة، يرتفع سطحها عند أطرافها الشمالية والغربية، وتأخذ في الانخفاض تدريجياً نحو الشرق .. والأروع عندما ترى انتشار قبور الصحابة والعلماء الأجلاء، كالداراني والفزاري والخولاني وغيرهم الكثير فيها.

اللهم احفظ الشام وأهل الشام ... اللهم ردهم إليك ردا جميلا يا الله يا الله يا الله ..

المصادر والمراجع:

معجم البلدان / للحموي [626 هـ - 1228 مـ]

نزهة الأنام في محاسن الشام / للبدري