مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 08/10/2017

حقوق المرأة بين رعاية الشريعة الإسلامية وخداع الحضارة الغربية

بحوث ودراسات

بسم الله الرحمن الرحيم


الحديث عن حقوق المرأة واختلاف الوجهات فيها، لون من ألوان الخلاف المستحكم بين نظرة الشريعة الإسلامية وواقع الحضارة الغربية.


وما أظن أن هذا الخلاف يمكن أن ينتهي يوماً ما إلى أي وفاق مادامت الشريعة الاسلامية هي الشريعة الإسلامية والحضارة الغربية هي الحضارة الغربية.


بل إني لأعتقد أن من العبث البين أن يتناقش طرفان في حقوق المرأة، أحدهما موقن بالإسلام وشريعته، والآخر يعتز بالغرب وفلسفته. ثم يأمل كل منها وفاقاً أو خيراً من وراء هذا النقاش.


ذلك لأن للشريعة الاسلامية منطلقاً يتفرع عنه كل أحكامها الجزئية المختلفة مما يتعلق بالمرأة والرجل وسائر شؤون الحياة..


كما أن للحضارة الغربية أيضاً منطلقاً خاصاً بها لتقويم مختلف تلك الشؤون ذاتها.. فكيف تتحد أغصان فرقها جذعان متباعدان؟.. أم كيف يؤمن الفكر بمسائل جزئية تخالف ما استقر في هذا الفكر ذاته من التصورات العامة عن الكون والانسان والحياة.؟..


إن منهجية البحث تقضي عند مناقشة مشكلات من هذا القبيل أن نبدأ فنبحث عن المنطلقات الأساسية أولاً، وذلك ابتغاء الوصول إلى إحدى نتيجتين:


توحيد المنطلق إذا كان ذلك ممكناً وعندئذٍ تحل المشكلة ويتحد السبيل.


أو إعذار كل فريق صاحبه وإغلاق باب النقاش عندما يتشبث كل ببواعثه ومنطلقاته التي يأوي إليها.. لا ريب أن إغفال هذا المنهج يجعل النقاش أشبه ما يكون بخطين متوازيين ينطلقان من نقطتين متباعدتين، إنهما لن يجتمعا ولو امتدا على طول الكرة الأرضية أو عرضها.


سارت مشرقة وسرت مغرباً    شتان بين مشرّق ومغرّب


وإذاً فما هو منطلق كل من الشريعة الإسلامية والحضارة الغربية في رسم حقوق المرأة؟


أما الشريعة الإسلامية فيتلخص منطلقها في اليقين الذي لا يلحقه ريب بأن هذا الكون إنما هو مخلوق ومملوك لخالق حكيم قديم مدبر، وبأن الإنسان ليس إلا عبداً مملوكاً له، يسري عليه ـــــ بحكم القهر والاضطرار ــــــ قانونه الكوني الملزم: إذ يخلقه ويصوره كما يشاء دون أن يكون له في ذلك اختيار. ويميته عندما يشاء دون أن يحميه عن ذلك أي عناد. يخلقه من ضعف، ثم يجعل من بعد ضعف قوة، ثم يجعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة، لا يملك عن ذلك تحولاً أو فراراً. أما وظيفته تجاه هذا الخالق المالك، فهي أن يمارس العبودية له سلوكاً واختياراً، كما جرى عليه قانون هذه العبودية قهراً واضطراراً. وإنما يكون ذلك بالتزام المنهج الذي رسمه، والوقوف عند الحدود التي شرعها، وما المنهج الذي رسمه للإنسان، إلا السبيل الذي لا بديل عنه لتحقيق سعادة الفرد والمجتمع، في دنياه التي يعيش فيها وفي آخرته التي لا بد أن يحيا لها غدا بعد الموت.


يقول هذا الإله في محكم تبيانه: "من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" ويقول: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم".


من هذا المنطلق وعلى هذا الأساس نهضت الأحكام المختلفة للإسلام، ومن اليقين بهذا المنطلق تمت القناعة الحقيقية بها، وتكامل التسليم بأنها الحق الذي لا ريب فيه.


ومن هذا المنطلق، اتجهت أحكام الإسلام إلى الفرد أولاً، تعالجه تهذيباً وتقويماً، ثم اتجهت إلى الأسرة تحوطها بإطار القدسية وترعاها بتقوية الوشيجة وإشاعة المسؤولية وتغذيها بتبادل الحب والاحترام.


ثم اتجهت إلى المجتمع تقيم أركانه من لبنات تلك الأسر وتعلي أسواره بأنظمة شرعها للحكم وسياسته، وللشورى ومنهجها وللصلة التي يجب أن تقوم بين الحاكم والمحكوم.


فمن خلال هذه الأحكام التي لوحظت فيها رعاية الفرد والأسرة والمجتمع، تجلت حقوق كل من المرأة والرجل وواجباتهما في شرعة الإسلام ونظامه. وقد كان من أبرز مظاهر التنسيق الإلهي بين الطبائع التي أبدعها والأوامر التي قضى بها، أن جعل الفطرة الأصيلة لدى كل من الرجل والمرأة متفقة في جوهرها _بقطع النظر عن الأهواء والأغراض التي علقت فيما بعد بها_ مع مضمون تلك الأوامر، كي لا يتحمل الناس من أمرهم عنتا، ولكي تتجلى وحدة الخالق في خلقه، ولكي يظهر تناسق الوعاء الكوني المتمثل في أصل الطبيعة البشرية وحاجاتها، مع غطائه المتمثل في جملة الشرائع والمبادئ التي أنزلها على عباده.


تلك هي خلاصة المنطلق الذي تنبثق منه نظرة الشريعة الإسلامية إلى الحياة الإنسانية كلها، بما فيها حقوق المرأة وواجباتها. آمن بذلك من آمن وجحد به من جحد. ولا مجال هنا لعرض الدليل على سلامة هذا المنطلق أو مناقشة الذين قد يرتابون فيه.


وقد استدعى هذا المنطلق أن يكون كل من الرجل والمرأة شريكين في كليات الحقوق الإنسانية، دون أي تمايز أو اختلاف، ألا وهي: حق الحياة، وحق الحرية، وحق الأهلية. كما استدعى أن يكونا شريكين في الواجبات التي تقتضيها عمارة الحياة الإنسانية طبقاً للمنهج الذي شرعه الإسلام من إصلاح الفرد، ثم الأسرة ثم المجتمع. يتقاسمان بينهما جهوداً متكافئة الخطورة والأهمية في سبيل إقامة تلك الحياة ورعايتها.


ففي نطاق حق الحياة، وضعت الشريعة الإسلامية حياتهما من الأهمية والرعاية في كفتين متكافئتين. فقتل النفس البريئة عمداً يستوجب القصاص رجلاً كان المقتول أو امرأة. ويستوعب هذا الحكم شتى الحالات والصور بدءاً من وأد المولودة الصغيرة إلى الفتاة التي بلغت سن الرشد، كل ذلك يستوجب القصاص.


وقد يستشكل هنا أن عقوبة القتل، عندما تنزل عن القصاص إلى الدية، لكون القتل وقع على سبيل الخطأ مثلاً، تختفي منها هذه التسوية إذ تصبح دية المرأة نصف دية الرجل.


والجواب أن فرض الدية في هذه الحال ليس عقاباً تقدر من خلاله قيمة الحياة الإنسانية في شخص المقتول، وإنما هي تسوية حقوقية أريد منها التعويض عن ضرر لحق الأسرة من جراء مقتل فرد فيها. ولذلك كان حكمها داخلاً في خطاب الوضع الذي يسري على المكلفين وغيرهم، وإذا كان الأمر هكذا، فإن التعويض المالي يجب أن تراعى فيه درجة الخسارة المادية ارتفاعاً وانخفاضاً. ولا ريب أن خسارة الأولاد بفقد أبيهم الذي كان يعيلهم أعظم من خسارتهم بفقد أمهم من هذا الجانب. وكذلك الفرق بين من قتل زوجته خطأ ومن قتلت زوجها خطأ. إن القيمة الإنسانية في كل هذه الحالات واحدة، فإذا كانت الجناية عمداَ فالحكم هو القصاص، دون تفريق، أما إذا وقعت خطأ ولوحظ الضرر الناجم منها للأسرة فإن الأمر عندئذٍ قابل للتفاوت.


ومما يؤكد هذا المعنى أن قوانيننا الحاضرة جعلت للدية حداً أعلى وحداً أدنى، وتركت للقاضي تقدير الدية بما لا يقل عن الأدنى ولا يزيد على الأعلى. وما ذلك إلا لتفسح المجال لتقدير الأضرار التي لحقت بالأسرة من خسارتها بالقتيل. وهي تفاوتت بين كثير من الناس ممن يعملون ويكدحون. فكيف لا تتفاوت بين من يعمل وينفق على أسرته وبين من لا يعمل ولا يكلف بالإنفاق على أحد بل كان ممن ينفق عليه؟ 

لمتابعة البحث تفضل بتحميل الملف

تحميل



تشغيل