مميز
الكاتب: أ.د. محمد عجاج الخطيب
التاريخ: 09/09/2010

تربية أولادنا بين الواقع والواجب

بحوث ودراسات

مقدمة:


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المرسل رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعهم بإحسان  إلى يوم الدين.


وبعد:


فإن الاهتمام بالتحديدات التي تواجه الأمة الإسلامية ومعرفة أسبابها وسبل الوقاية منها وعلاجها أمر حتمي واجب على كل من بوسعه أن يدلي بدلوه في هذا الميدان، ولعل العلماء والخبراء والباحثين هم الذين يتحملون العبء الأكبر من هذا الواجب، العظيم الأثر، الكبير الخطر؛لأنهم ينيرون السبيل أمام الأمة رعاتها ورعيتها، ويسهمون في صيانتها من الأخطار المحدقة بها، بما يقدمون من نتائج جدهم واجتهادهم من أبحاث وحلول وعلاج إلى من بيدهم التنفيذ، وللجميع أجر المجتمع والعامل لأنهم شركاء في رعاية مصالح الأمة وصيانتها والحفاظ عليها.


وما أكثر التحديات التي تواجهها أمتنا؛ من فقر وتصحر وتلوث بيئة ... وغيرها من القضايا الاجتماعية والتربوية والاقتصادية . . . إلى جانب التحديات المتربصة بناشئتنا؛ أولادنا.


 وقد آثرت أن أتناول هذه التحديات تناولاً موضوعياً مرتكزاً على محاور تربيتهم الأسرية، والمدرسية والاجتماعية مؤيداً بالأدلة، مجتهداً- ما بوسعي –  في تقديم بعض الحلول ؛لأن أولادنا اليوم رجال الغد، عيوننا متعلقة بهم وآمالنا معقودة عليهم، وأن بناء شخصيتهم بناء فذاً وتحصينهم بالوقاية اللازمة وتبصيرهم بحقائق الأمور يحفظ لنا فلذات أكبادنا ويسهم إسهاماً كبيراً في بناء مستقبل أمتنا، فهم أملنا من النهوض من كبوتنا وبناء مجد قريب – إن شاء الله – يعيد لأمتنا دورها العظيم.


سائلاً  الله العلي القدير أن أكون قد وفقت فيما اخترت وقدمت، خالصاً لوجهه الكريم بيده الخير وهو على كل شيء قدير إنه ولي السداد والرشاد والتوفيق. 


أولاً –  بين يدي الموضوع:


 من المسلم به عند علماء التربية والمصلحين أن التربية تتناول الفرد في وسط اجتماعي له عقيدته وعاداته وتقاليده وأعرافه، وأن ميدانها الإنسان بما فيه من فكر ووجدان وروح وجسد، وأنه لا بد من أهداف للعملية التربوية مهما يكن شأنها وزمانها ومكانها، حتى في أبسط المجتمعات، التي تسعى لأن يحصل الفرد على كسب غذاء يومه وكسائه،  أو لتحقيق ذاته، لإثبات شخصية عشيرته وقبيلته في قادمات الأيام، أو السعي لتنميته في جميع مكوناته، إلى أن انتهت أهداف التربية إلى إعداد الموطن الصالح، ثم إلى إيجاد الإنسان الصالح.


وهذا التفاوت في مقاصد العمليات التربوية وغاياتها مرده إلى اختلاف الأمم والمجتمعات، وإلى التطور الدائم الذي يعتري الحياة؛ فيقتضي تطور العملية التربوية وتطوير مناهجها وأساليبها   ووسائلها وكل ما يحقق أهدافها.


ومع كل هذا فهناك ثوابت في الكون والطبيعة الإنسان ذاته يجب أن  تمنح العملية التربوية صفة الثبات في كثير من محاورها.


ومن المسلم به أيضاً أن للعلمية التربوية أسساً متعددة تستند إليها العملية التربوية من الناحية الفكرية؛ وأساساً اجتماعياً؛ لأن العملية التربوية لا تكون إلا في وسط اجتماعي، ضاق أم اتسع، بسيطاً كان أو معقداً، وللمجتمع قيمه وأهدافه وتقاليده.


هذا إلى جانب الأساس النفسي الذي هو محل التربية وميدانها، وترتكز عليه بقية محاور التربية والتنمية في الفرد من الناحية العقلية والبدنية والروحية؛ لما لمعرفة نفس من نتعهده بالتربية من أثر بعيد وخطير في نجاح العملية التربوية أو إخفائها. ولذا يجتهد المربون في بيان الحاجات النفسية للصغار، ويؤكدون على أهمية إشباعها وتحقيقها باعتدال وانتظام.


ومن المعلوم أن مختلف أنواع المؤسسات المالية والصناعية والزراعية والتربوية تقيم أوضاعها وخططها في سبيل تحقيق غاياتها، وأن الأمم المتقدمة تقيم مؤسسات خاصة بالبحوث لتقف على أسباب تخلف مردود مؤسساتها المختلفة، كما أنها في أحوال الهزائم أو التخلف تجند فرقاً من الخبراء والباحثين لدراسة النظم التربوية وتحليلها، ومعرفة إمكاناتها لترميم الواقع، أو النهوض به؛ إيماناً منها بأن الإنسان بنفسه وفكره وببقية مكوناته هو المحور الذي تدور عليه عجلة الحياة، بل هو الأساس في التقدم والرقي والازدهار. حيثما كان موقعه من ميادين الفكر والعمل والتنفيذ، فإن التغيير متوقف عليه، بل على نفسه وتكوينها وحسن تأهيلها وتنميتها . . . مصداقاً لقول الله عز وجل )لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ( ]الرعد:11[


الذي يؤكد أن بدء التغيير إنما يكون من النفوس، والنفوس هي مسرح أوميدان العملية التربوية.


وكذلك يبين الله عز وجل أن ما ييسره لعباده من نعم مادية أو أدبية ( معنوية ) على اختلاف أنواعها ومستوياتها لا يغيرها ولا يحرم منها أو من بعضها حتى يغيروا ما بأنفسهم من أحوال . . . بكفران نعم الله سبحانه، أو انتقاصها أو عدم شكرها وحمده على إحسانه، أو الوقوع في معاصيه وترك أوامره؛ فبانحرافهم عما أمر الله تعالى نتيجة دوافعهم النفسية وتغيير سلوكهم استحقوا تغيير تلك النعم، مصداقاً لقوله عز من قائل:  )ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ]الأنفال:53[.  


ولو أدوا حق شكرها بالمحافظة عليها لزادهم رب العالمين، مصداقاً لقوله: )وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ( ]إبراهيم:7[.


ولا يخفى على أحد ما لحق بالأمة الإسلامية من ضعف في موازين القوى المادية نتيجة الغزو الصليبي إذا جمد نشاطها في العطاء واستمرار التقدم، ووجهت كل طاقات الأمة لمواجهة الزحف الصليبي وصده ورده على أعقابه، يسحب ذيول الهزيمة.


ثم وجهت طاقات أمتنا آنذاك لإصلاح وترميم ما أفسده ذلك الغزو الغاشم، ثم للتحرر من الاستعمار والانتداب والتبعية.


غير أن عقيدتها وقيمها لم يعتريهما على الأغلب تغيير كبير؛ مما هيأ لها أن تستعيد عزتها وكرامتها على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي، الذي جمع شمل الأمة شرقاً وغرباً وحرر الديار. وأدرك أعداء الإسلام أنه لا سبيل لهم إلى ديار المسلمين عن طريق القوة.


وأدركوا أن التأثير على النفوس بالتشكيك في العقيدة حيناً، وفي الرسالة أحياناً، وبإثارة الشُّبَه حول شريعة الإسلام التي ارتضاها الله تعالى لعباده تارة، وبإثارة الفتن والنعرات المختلفة، والسعي إلى إيقاع الفرقة بين المسلمين تارة أخرى ـ هو السبيل الأيسر والخفي للسيطرة عليهم وعلى بلادهم. فكثرت المؤتمرات المعادية للإسلام والمسلمين وحيكت المؤامرات للخلاص من الخلافة الإسلامية ( الرجل المريض ) . 


وتتابعت النكسات على العالم الإسلامي، وصحت البلاد الإسلامية في مطلع القرن العشرين وخلال العقود الستة الأولى على أوضاع وحقائق مزرية إذ رزحت بعض الأقاليم الإسلامية تحت نير الاستعمار أو الانتداب،  أو القهر بالقوة للتخلي عن عقائدها كما حل ببعض البلاد الإسلامية إثر الثورة الشيوعية، وأمضت ردحاً من حياتها بمقاومة الاستعمار،  وتحرير الديار، ثم أدرك رجال الفكر والصحوة الإسلامية ما أصاب الأمة في شخصيتها، وإثبات ذاتها فاجتهدوا في بيان سبل العلاج والوقاية .


 مما سبق يتبين لنا أن ما أصاب شخصية أمتنا الإسلامية من ضعف أو اضطراب في ولائها، وتمسكٍ واعتزازٍ بهويتها إنما هو بسبب تغيير مفاهيمها وقيمها وما لحق بها من أذى خلال فترة القهر النفسي – فترة الاستعمار . . . . . . – وما يحيط بها من مخططات ظاهرة وخفية في سبيل القضاء عليها.


ومن هنا ندرك أن الواقع الذي يعيشه أولادنا تكتنفه عوامل كثيرة جداً، ومؤثرات قوية موجهة، منها ما يعود إلى فترة الركود والانحطاط التي حفت بأمتنا، ومنها ما يعود إلى المخططات الماكرة المعادية التي تستهدف الأمة كافة والأجيال الصاعدة على وجه الخصوص.


لذا كانت العملية التربوية عملية ذات شقين:


الأول: عمليــة ( بناء وتنمية هذه الشخصية ).


 والثاني: عملية حماية ووقاية هذه الشخصية.


 وتقف تحديات كثيرة أمام هذين الشقين، سائلين المولى عز وجل أن يسدد الخطى وينير السبيل.


وتيسيراً لعرض الموضوع نتناول الركائز التربوية الأساسية:


1 – أهداف التربية الإسلامية ووسائلها.


2 – دور الأسرة المسلمة في التربية.


3 – دور المدرسة في التربية.


4- دور المجتمع في التربية .


ثانياً: المبحث الأول: أهداف التربية الإسلامية:


 أرسل الله تعالى رسله وأنبياءه بدعوة التوحيد، والدعوة إلى مكارم الأخلاق. وما من نبي إلا دعا إلى ذلك .


قال عز وجل: ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (]المؤمنون:23[


وقال عز من قائل )وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ( ]هود:50[


 وكانت خاتمة الرسالات المنزلة على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم التي ارتضاها ربنا  سبحانه وتعالى لعباده واضحة جلية في هذين الأمرين وفيما جاء من تشريعات في مختلف ميادين الحياة.


هذا إلى جانب مزيد بيان أسماء الله الحسنى وصفاته العليا. ولخص التوحيد في سورة الإخلاص: )قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ{2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ{4}). وفي سورة الناس : ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ{1} مَلِكِ النَّاسِ{2} إِلَهِ النَّاسِ{3} مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ{4} الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ{5} مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ{6} (  ]الإخلاص:1-6[


      هذا الهدف الذي يرتبط بفطرة الإنسان ويشبعها مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون بها من جدعاء ؟ قال أبو هريرة رضي الله عنه – راوي الحديث – اقرؤوا إن شئتم: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم . . ) .


وفي توحيد الله عز وجل والعلم بما شرع رب العالمين والعمل به عبودية تامة لله عز وجل، تحرر الإنسان من كل عبودية أخرى؛ كمالٍ أو متعة أو هوى أو سلطان.


وفي هذا تبرؤ من كل شك أو شرك وتوجه تام إلى عبادة الله الواحد القهار، بما يملأ النفس البشرية من طمأنينة واستقرار وسعادة ، ودافع دائم إلى مرضاة الله سبحانه، فتستقيم حال الفرد والمجتمع وتحفظ كرامته بما يتفق مع إنسانيته فيتحرر من عبودية غير الله عز وجل ومن كل سلطان غير سلطانه وتصان حرمة نفسه وماله وعرضه، وبهذا ترسو أصول الحرية وقواعدها،  وتصان بالتشريعات التي سنها رب العالمين لعباده.


وتحت هذا الهدف الرئيس تتضافر بقية الأهداف التربوية التي تنمي قدرات الإنسان البدنية والعقلية والتعبيرية والجمالية والاجتماعية والإنسانية والإبداعية، وتسمو صلته بالآخرين على اختلاف عقائدهم ومللهم وأزمانهم وأماكنهم. بل إن تربية الإنسان على العبودية لله تكسبه حسن الاتصال والانتفاع بكل ما في الكون من نبات وحيوان وجماد لما في صالح خلق الله من إنس وجن وحيوان . . . . . . . . . وما أسمى هذه التربية، وما أبعد آثارها النفسية والسلوكية !. هذا إلى جانب التربية الأخلاقية والتربية الدينية التي تمده بمعرفة أحكام الله عز وجل وآداب شرعه ، كل هذه الفروع التربوية يعاضد بعضها بعضاً لتحقيق العبودية لله وحده، وهي ذروة الحرية الإنسانية المنظمة المنضبطة بنظام الإسلام وشرائعه.


وبهذا استخلف الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال عز وجل من قائل: )وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (  ]الأنعام : 165[


ومن هذه الأمة تكون الخلافة في الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، مصداقاً لقوله عز من قائل:) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (  ]النور:55[ .


هؤلاء المؤمنون الذين يعملون الصالحات ويستجيبون لأمر الله  تعالى ويحسنون إقامة حكمه بين عباده على أرضه من غير إفراط ولا تفريط، يرسون قواعد العدل والخير والمساواة بين الناس من غير عسف وظلم، لا يخافون في الله لومة لائم، شدة في الحق من غير عنف، ولين من غير ضعف.


وبهذا يحققون قول الله تعالى:) كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ..( ]آل عمران:110[.


فإذا اجتهد المجتمع الإسلامي وبذل قصارى جهده في تحقيق العبودية لله وحده بعيداً عن الميول والأهواء؛اتجهت الطاقات جميعها في خطوط متوازية لتحقيق المقصد الأسمى؛ مرضاة الله عز وجل للفوز في دار الدنيا والآخرة؛ فلا تتعارض الجهود ولا تتصارع القوى، فإن روح الجميع وقواهم متجهة إلى هدف واحد، ولو تعددت السبل المشروعة لتحقيقه. ولا يكون التمايز إلا بالتقوى وحسن العطاء مع كمال الأداء؛ فتعم السعادة وتطمئن النفوس ويتم الاستقرار في جميع جوانب الحياة العامة والخاصة. وإذا أدرك كل منا مسؤولياته وواجباته ودوره في المجتمع، وأدرك معنى قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :( ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحه  إلا لم يجد  رائحة  الجنة )  .


مهما تكن تلك المسؤولية جليلة، أو حقيرة، فالمؤمن يتحملها على أحسن صور التحمل، ويسعى إلى القيام بها على أحسن وجه، وينفذها بكل وسيلة مشروعة، مستفيداً من مختلف الطاقات المتخصصة،والأدوات المتجددة، والتقنيات المتطورة، ولا يرضى لإخوانه إلا ما يرضاه لنفسه، وإذا بدرجة الإتقان والدقة وحسن التنفيذ وجودة العطاء يأخذ مكانه في المجتمع الإسلامي، الذي ينهل من معين الإسلام عقيدة، وشريعة وأخلاقاً.


المبحث الثاني: دور الأسرة في التربية:


لن نفصل القول هنا فيما رغب الإسلام به من الزواج وحث عليه من تيسير مؤونته تحصيناً للجنسين، وما أمر به من حسن اختيار كل من الزوجين لصاحبه، وما بيَّنه من حقوق وواجبات على كل منهما،  وما أمرهم به من المعاشرة بالمعروف، وما وضحه من دور الأسرة في الطمأنينة والألفة والرحمة والمودة، وحسبنا هنا قوله سبحانه:)  وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( ]الروم:21[؛  وما حث به كلاً منهما على أداء واجبه، وحسن القيام به، والتعاون على البر والتقوى، ويكفينا في هذا المقام قوله عزمن قائل: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( ]التحريم:6[.


ولا يخفى على أحد ما ورد من آيات كريمة، وأحاديث شريفة في رعاية الأولاد، وحسن تربيتهم وتنشئتهم على الإسلام منذ نعومة أظافرهم عقيدة وشريعة وأخلاقاً؛ بدءاً من الأذان في أذن المولود ليكون أول ما يملأ مسامعه من عالم الدنيا توحيد الله عز وجل، إلى العناية به وأمره بالصلاة لسبع . . . فضربه لعشر . . . والحث على المساواة بين الأولاد ليكونوا في بر آبائهم سواء، وحث الأولاد على بر الوالدين وطاعتهما والاعتراف بجميلهما، والإحسان إليهما في كبرهما، والتلطف معهما، وما وراء هذا من أخلاق أسرية رفيعة تتمسك بالقيم الإسلامية فهماً وتطبيقاً .


وأبرز الإمام الغزالي حجة الإسلام دور الأسرة في التربية إذ يقول: ( الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه. فإن عوِّد الخير وعلمه نشأ عليه؛ سعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب. وإن عوِّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له ، وقد قال عز وجل :) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً(  ]التحريم6 [؛ ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا، فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى؛ وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء ولا يعوِّده التنعم، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية؛ فيضيع عمره في طلبها إذا كبر، فيهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره ) .


وتقع المسؤولية التربوية في الأسرة على الأبوين مباشرة، وهي مسؤولية عظيمة؛ تتناول بناء شخصية الأولاد بناء إيمانياً وروحياً وأخلاقياً، يلخصه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس:( ياغلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك...) ، وتعليمهم بالتدريج أمور الدين والدنيا، وحملهم على التخلق بأخلاق الإسلام .


وما أبلغ قول رسول الله لابن أم سلمة: ( يا غلام سمِّ الله تعالى،وكُلْ بيمينك،وكُلْ مما يليك) ، وتربيتهم من الناحية البدنية والصحية، وتأديبهم بآداب الإسلام في الأكل و الشرب والنوم، والدخول والخروج، وتعويدهم تحمل المسؤولية بما يطيقون، والزجر على اللامبالاة والإهمال والاتكال على الآخرين بغير مبرر ...، كما تتناول رعاية الأبوين للأولاد الجانب العقلي؛ بتنمية أسلوب التفكير السليم، والوقوف على الحقائق، والحكم عليها بعد أناة وحسن تفكير، وإكسابهم المعارف المحيطة بهم بطريق صحيح، وتنمية الوازع الديني ورعايته رعاية بالغة بالترغيب والترهيب، إلى جانب إكسابهم المحافظة على القيم الإسلامية في كل شيء، والآداب الاجتماعية .


تلك خلاصة مقتصرة في بناء الأسرة وتربية الأولاد. ولكن الواقع في كثير من بلاد المسلمين يجانب هذا مجانبة تتفاوت بين مجتمع وآخر،  ويمكن تلخيص هذا الواقع فيما يلي:


ما يتعلق ببناء الأسرة؛ وهي المجتمع الأول الذي يحتضن أولاده ويربيهم ليكونوا رجال الغد:


العقبات المادية المتصلة بغلاء المهور، والتقاليد المحيطة بأمور الخِطبة وتمام الزواج، مما لا صلة له بيسر الإسلام وتعاليمه.


تغيير مفهوم الكفاءة بين الزوجين، مع أن الإيمان والعمل الصالح والخلق الكريم، هو الكفاءة المطلوبة للزواج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تنكح المرأة لأربع؛ لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) .


وقال صلى الله عليه وسلم:( إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه؛ إلاَّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) . وفي رواية: فساد كبير.


ونجم عن هذا تأخرُ سن الزواج والعنوسة، ومما أسهم في هذا يسر الفساد لمن لا رادع له، حيث يشبع غريزته بما حرَّم الله تعالى.  وساعد على هذا الاختلاط والتبرج والتبذل، وكل هذا يتنافى مع العفة التي دعا الإسلام إليها .


التقليد الأعمى الذي التزمته بعض الأوساط الاجتماعية في أمور الزواج، والخروج عن أحكام الإسلام في الخِطبة والتعرف على أخلاق كل من الخطيبين وما وراء هذا؛ مما تترتب عليه الآثار  الوخيمة.


والسبيل إلى التصحيح التمسك بما أنزل الله تعالى، وبما سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أسهم في تخفيف بعض مشكلات الزواج، مشروع صندوق الزواج ومشروع الزواج الجماعي الذي أقامه المسؤولون وبعض الجمعيات الاجتماعية في دولة الإمارات العربية المتحدة .


ما يتعلق بدور الأسرة في تربية الأولاد: ويمكن تلخيص أسباب تقلص دور الأسرة في التربية، أو الخلل الذي اعترى هذا الدور في الأمور الآتية:


عدم وضوح هذا الدور لدى كثير من الأسر الإسلامية .


إلقاء مسؤولية رعاية الأولاد التربوية إلى الخادمات والمشتغلين في خدمة الأسرة في بعض الأوساط. وإن أطلق بعضهم على من يقوم بهذه المهمة اسم المربيات.


اختلاف ثقافة من أسندت إليهم العملية التربوية عن ثقافة الأسرة؛ أعني الدين والقيم والعادات والأخلاق والآداب.


إتباع أساليب غير تربوية في رعاية الصغار وتسكينهم والخلاص من ضوضائهم بطرح بعض الألعاب بين أيديهم، أو تخويفهم, أو تركهم أمام أجهزة التلفاز والفيديو, وإشغالهم بما ينفع وما لا ينفع . . .


اِهتمام الوالدين بالجوانب المادية، وعدم تفرغ رب الأسرة – لكثرة أشغاله- لمتابعة أحوال أولاده. وترك أمر تربية الصغار للأم التي تجتهد في هذا حسب علمها ومقدرتها. . . . . .


خروج المرأة إلى العمل لغير ضرورة فوَّت دورها في حُسن رعاية أولادها، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة، وقد بيَّن الرسول الكريم أهمية هذا الدور في قوله: ( خير نساء ركبن الإبل، صالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده ) .


عدم وضوح حقوق وواجبات كل من الزوجين في بعض الأوساط الإسلامية، وتغليب العادات والتقاليد الدخيلة على ما شرعه الله عز وجل، وظن كثير منهم بأن واجب الرجل الكسب وتأمين حاجات الأسرة خارج المنزل، وواجب المرأة الطاعة العمياء، والخدمة الداخلية في المنزل، من غير تصور إسلامي بين لمكان الأسرة من النظام العام، ومكان الزوجين من الأسرة، ودورهما في تربية أولادهما.


انعدام القدوة الصالحة التي يجب أن يتأسى يتأس بها الأولاد، ومعلوم ما للتربية بالقدوة من أثر عيد في التربية وتنشئة الأطفال على الطاعة والخلق القويم، وحسن العبادة، والتعامل مع الآخرين، وكثيراً ما يكون الوالدان أو أحدهما أسوة سيئة لأولاده.


هذا الجهل أو التجاهل أدى في كثير من الأحيان إلى انحرافات وخيمة العواقب.


عدم المساواة بين الأولاد، وتحقيق العدل بينهم، ميلاً إلى الذكور، أو الإناث أحياناً؛ خلافاً لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم:( اعدلوا بين أبنائكم) .   ولما قدم بشير والد النعمان رضي الله عنهما ليشهده على عطية للنعمان ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أفعلت هذا بولدك كلهم ؟ قال: لا . قال: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم).


عدم تشجيع الصغار بما يناسبهم والاستهانة بما يقدمونه من قول أو عمل.


الإفراط في تدليل الأولاد في بعض الأوساط، حتى إذا ما شبوا لم يستطع الوالدان تلبية رغباتهم الكثيرة المختلفة، مما ينتهي بهم إلى العقوق أو الانحراف...


من أخطر التحديات التي تهدد كيان الأسرة بل المجتمع وسائل الاتصال المتطورة؛ التي لم توظف كما ينبغي في خدمة الجيل وحسن رعايته، مما يعرض في بعض القنوات الفضائية، وما يلحق بهذا من أشرطة سمعية أو مرئية تحمل السموم إلى أولادنا؛ عن طريق أفلام ومسلسلات العنف، والتحلل واللامبالاة، سوى ما يُعَدُّ عن قصد للأوساط الإسلامية من أشرطة جنس، وغير ذلك مما يندى له جبين الإنسانية.


الغزو الفكري الموجه من خلال المقروء والمسموع  والمرئي لخلخلة العقيدة في النفوس، وسلخ الناشئة عن دينها وقيمها وعن مكارم الأخلاق. مما تبنته وتعهدته المؤسسات المعادية للإسلام, وفي مقدمتها المؤسسات الصهيونية .


الدعوات الصريحة إلى التحلل والإباحية وعدم الالتزام, والتحرر من كل القيود؛ التي تنظم حياة الإنسان الخاصة والعامة . . . .


كل ما سبق يدعونا إلى إنقاذ أولادنا مما يحيط بهم, أو يتربص بهم والسبيل الوحيد لهذا ما يلي:


أولاً:   التوعية الإسلامية الجادة للأبوين، وتعليمهم أساسيات العقيدة الإسلامية وأحكامها نُظُمها وأخلاقها؛ من خلال أجهزة الإعلام ووسائله المختلفة.


ثانياً :   إنشاء مراكز ثقافة الأسرة،يقوم عليها المؤهَّلون من الناحية الدينية والتربوية والاجتماعية؛ كمراكز الصحة التي ترعاها جميع الدول؛ فإن صحة العقيدة وسلامتها واستقامة السلوك, والتخلق بأخلاق الإسلام وآدابه ليس بأقل أهمية من سلامة الأبدان من الأسقام.


ثالثاً:    عدم خروج المرأة إلى العمل خارج بيتها إلا عند الضرورات, مع الاهتمام بميدان عملها, والتزامها بالحشمة, والضوابط الشرعية في لباسها وقولها وعملها. وفق قاعدتي:" الضرورات تبيح المحظورات  "  و  " الضرورة تقدر  بقدرها ".


رابعاً:   تقوية الضوابط الاجتماعية بين الأمة وإحياء صلة الأرحام كما أمر الله تعالى وأمر رسوله لما في هذا من وقاية بالغة للأسرة وأولادها.


خامساً :   قيام كل من الوالدين بواجبه في حسن رعاية الأولاد؛ فان حُسْن تربيتهم وتنشئتهم على مراقبة الله تعالى والقيام بما أمر والابتعاد عما نهى ليس بأقل أهمية من رعاية أبدانهم من الناحية الغذائية والصحية . . . .


سادساً:   تصعيد طاقات الأولاد بصقل ميولهم, وتنمية هواياتهم بالاستفادة من أوقات فراغهم؛ لنمو ملكاتهم الإبداعية، ولسمو نفوسهم.


سابعاً :   تشجيع الأولاد–على مستوى الأسرة – على تحمل مسؤولياتهم وأداء واجباتهم المنزلية والشخصية والمدرسية، وعدم التواكل على الآخرين ،أو الاستعلاء على أداء بعض ما يتعلق بهم.


ثامناً :   إشراكهم بقضايا الأسرة عند ما يبلغون السن المناسبة لمثل هذه المشاركة؛ ليقدروا ما يبذله الوالدان, وليعيشوا قضايا الأسرة في أفراحها وأتراحها ومنشطها ومكرهها؛ ليصيروا فيما بعد أهلاً لأن يعالجوا قضايا مجتمعاتهم وأمتهم.


تاسعاً :  اختيار الأفضل للأولاد فيما يطلعون أو يقتنـون مع مراعاة رغباتهم فيما لا شطط فيه؛ مع كمال الالتزام بأحكام الإسلام وآدابه.


عاشراً:  متابعة أحوال الأولاد متابعة تصحيح وتشجيع في سبيل الأفضل والأكمل، مع التعليل ما أمكن على حسب أعمار الأولاد العقلية.


أحد عشر : ملاحظة أصدقاء الأولاد والحث على صحبة الأخيار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) .


الثاني عشر :  تقويم العملية التربوية في الأسرة بين حين وآخر, من قبل الوالدين؛ للأخذ بالإيجابيات, ونبذ السلبيات, وحسن معالجة القضايا المستجدة مع نمو الأولاد وتطور أحوالهم . ومن الضروري بمكان , الإفادة من أهل الخبرة والاختصاص , خاصة عند بدوِّ ظواهر جديدة فكرية أو سلوكية؛ ليحسن الوالدان الرعاية والتوجيه.


الثالث عشر: التعاون التام مع المدرسة من الناحية العلمية والتربوية, وتتبع وأحوال الأولاد فيها, وعلى علم الأولاد؛ لتتلاحم الجهود التربوية في الأسرة مع الجهود التربوية التي تبذلها المدرسة في سبيل تحقيق الغاية من هاتين المؤسستين الهامتين. وتتبع كل ما يتعلق بالأولاد من الناحية الفكرية والعلمية والسلوكية بما يكفل حسن الرعاية والتشجيع والتوجيه  وعدم  الاكتفاء  بالشكل؛ فإن المضمون والكيف هو الأصل.


الرابع عشر : توثيق الصلات بالجوار على الأسس الإسلامية التي حث عليها القرآن الكريم وبيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقيام بحقوق الجار, لما في تقوية هذه الروابط من وقاية لأولادنا، وحماية لسلوكهم؛ من خلال فهمنا لدلالات قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه), وفهمنا لظلال قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وقوله: ( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن, قيل: مَن يارسول الله ؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه) .


الخامس عشر:  أن يعرف أولياء الأمور في كل حيٍّ المحلات التجارية التي يتعاملون معها, ويتردد عليها أولادهم, ويتأكدون من حُسْن معاملاتهم وأخلاقهم وسلوكهم، وألا تتعدى صـلات الأولاد بتلك المحلات حدود(المرافق العامة) وقضاء الحاجات اليومية، مع حسن التعامل الذي تقتضيه تلك الصلات؛ دفعاً للتقليد الأعمى، أو التأثر بسوء الأخلاق، والعادات السيئة التي قد تتسرب من بعض الفئات والأوساط .


السادس عشر: الاهتمام بمرافقة الأولاد واصطحابهم إلى المساجد وإلى المؤسسات الثقافية، وإلى الحدائق, ومواطن الترويح المشروع لتقوية الروابط الأُسَرية, ووقاية الأبناء من الزلل. وحبذا لو شارك عدد من الأُسَر في مثل هذه اللقاءات؛ لتقوية الروح الجماعية, وتوثيق الألفة ،وتقوية روابط الأخوة بين الآباء وبين الأولاد. وفي هذا من التعاون ما لا يخفي . . . . .  من خلال بعض المسابقات الرياضية والثقافية، وتنمية المهارات والملكات, بما يعود على الناشئة من خير.


السابع عشر: أن تعيش الأسرة جميعها الإسلام عقيدة وشريعة وعبادة وسلوكاً, لا أن يعد الأولاد للإسلام, بل يعيشونه بعقولهم ووجدانهم وسلوكهم, وأن يصدق العمل القول, والتطبيق العلم، فعِلْم بلا عمل لا خير فيه، وعمل بلا علم لا جدوى منه.


الثامن عشر : الاعتزاز بالشخصية الإسلامية, وترك التقليد الأعمى لغير المسلمين, في المأكل والمشرب والملبس, والاحتفالات والأعياد والمناسبات, امتثالاً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم, إذ قال:( من تشبه بقوم فهو منهم )، وقال صلى الله عليه وسلم محذراً ومنبهاً: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر،  وذراعاً بذراع, حتى لو دخلوا حجر ضب لتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى ؟ ؟ قال: فمن ؟ ؟ ؟ ) .


المبحث الثالث: دور المدرسة في التربية :


1- نشأ التعليم في الإسلام على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم, إذ كان يجلس في المسجد بعد صلاة الغداة, فيتحلق حوله أصحابه حِلَقاً حِلَقاً, فيعلمهم القرآن والفرائض والسنن.


وكانوا إذا تعلموا من الرسول صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. . . قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً لقد تخرج الرعيل الأول في مدرسة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بنهلهم من القرآن الكريم مباشرة, وتعلمهم السنة بالتطبيق العملي, فعاشوا القرآن الكريم بعقولهم ووجدانهم ومعاملاتهم وسلوكهم. وتأسوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وتخلقوا بأخلاقه، وساروا على آدابه، عاشوا الإسلام قلباً وفكراً،  وراقبوا الله عز وجل في جميع أحوالهم ظاهرة وباطنة، عامة وخاصة، وعلى منهج الرسول الكريم وبنهج أصحابه الكرام تابع من جاء بعدهم مسيرة العلم والعمل، فتخرجت الأجيال في حلقات الأئمة الأعلام قوية الشخصية بإيمانها، واسعة العلم بأمور دينها ودنياها، مستقيمة السبيل في معاملاتها وسلوكها؛ لأن المنهج القرآني في تربية الإنسان هوالمنهج الأمثل الذي لا يصلح الإنسان إلا به، ولا يصلح غيره للإنسانية.


 ويمكننا تلخيص هذا المنهج عقيدة وشريعة وعبادة وسلوكاً، وامتثالاً لأمر الله تعالى فيما يتعلق بتربية الناشئة خاصة؛ مما جاء في وصية لقمان لابنه، قال عز وجل من قائل في سورة لقمان)وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{13} وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ{14} وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{15} يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ{16} يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ{17} وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ{18} وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ{19}( ]لقمان:13-19[ .


وفي الامتثال لأمر الله في قوله عز من قائل في قصة إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام: )فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ( ]الصافات102 [.


وفي الثبات على العقيدة والحق عند الشباب قوله عز من قائل في سورة الكهف : )نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى{13} وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً{14} ( ]الكهف:13-14[؛ وما سطره الصحابة الكرام من ثبات في العهد المكي.


هذا المنهج الذي يجب أن نربي عليه أولادنا والأجيال في البلاد الإسلامية. ولننظر إلى مناهج التعليم ومدى التزامها بهذا المنهج، ولننظر إلى القائمين على العملية التربوية ومدى مطابقة الأوصاف والشروط التي يرتضيها الإسلام عليهم. ولنسع إلى التغيير الشامل بما يكفل نجاح العملية التربوية في بناء الشخصية المسلمة بناء متكاملاً ووقايتها من عاديات الزمان والتحديات المختلفة .


والموضوع يحتاج إلى ما يلي :


1 – المعلم القدوة في كل شيء وقد أدرك هذا بعض سلفنا فضمنوا هذه المعاني في وصايا مؤدبي أولادهم؛ قال عمرو بن عتبة لمعلم ولده: " ليكن أولَ إصلاحك لولدي إصلاحُك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينيك، فالحَسَنُ عندهم ما صنعتَ والقُبح عندهم ما تركت. علمهم كتاب الله ولا تملهم فيه فيتركوه ، ولا تتركهم منه فيهجروه، وروِّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفَّه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه؛ فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلةٌ للفهم، وعلمهم سنَنَ الحكماء، وجنبهم محادثة النساء، ولا تتوكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك .


إعداد المعلم القدوة يقتضي إعادة النظر في معاهد المعلمين ودورها، وفي دور المعلمين العليا ومعاهد التربية المتوسطة والجامعية، وفي القائمين عليها، كما يقتضي الالتزام بالدورات التدريبية الطويلة، التي يعين فيها المعدون لتعليم الإسلام حياة يومية حقيقية، بكل ما في هذه الكلمة من معنى. وإلى المنهج الإسلامي الواضح، فإن التقدم العلمي التطبيقي والنظري منوط بالوعي الديني، فقد أثبت التاريخ أن أمتنا لما قويت ثقافتها الدينية تقدمت في ميادين العلوم المختلفة، ومعروف موقف الإسلام من العلم والعلماء وطلاب العلم، وتشجيعه المتميز لذلك كله * *.


2- أسلمة التعليم؛ ولا نعني على الإطلاق زيادة حصص التربية الإسلامية بل تدريس جميع العلوم من منظار إسلامي، وتحت قبة  الإسلام، فإن للمسلمين أيادي بيضاء سخية في جميع ميادين العلوم لا يذكر منها شيء. أمام ما يدرس لأبنائنا مما يتضمن الإشادة بعلماء الغرب وتمجيدهم، اللهم إلا ما يذكر في تاريخ العلوم عند المسلمين. والأصل أن يبين فضل المسلمين في كل علم من العلوم؛ ليدرك الناشئة أثر الإسلام في التقدم العلمي, ودور العلماء المسلمين في تقدم تلك العلوم؛ مما يبعث في الطلبة روح الطموح  لمتابعة سيرة سلفهم.


4- التصنيف الموضوعي البعيد عن الميول والأهواء والدعوة إلى العقائد المنحرفة، نتيجة الترجمات لكثير مما يقدمه الغرب أو الشرق غير المسلم.


5- بناء العملية التربوية التعليمية على الأسس التربوية العلمية الإسلامية، والإفادة من كل جديد وتوظيفه في خدمة الإسلام.


6- الاهتمام في المراحل الأولى من التعليم حتى نهاية المرحلة الثانوية ببناء الشخصية الإسلامية بجميع مقوماتها، وتوثيق الصلة بين الحاضر والماضي، وتعريف الطلبة تعريفاً عميقاً بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، وبأئمة الأمة في كل عصر ليفيدوا من القدوة الحسنة وينتفعوا من ماضيهم لحاضرهم، ومن حاضرهم لمستقبلهم، ويتلقى العلم بما ينبغي له من حلة الأخلاق الإسلامية ويوظفه لخدمة الإنسانية، فيما شرع الله عز وجل بعيداً عن أية مضرة أو مفسدة.


7- أن يشارك الطلبة في المراحل الجامعية في التحصيل العلمي الذاتي، و يؤخذ بأيديهم؛ لتنمية ملكاتهم وتشجيعهم على البحث والتطبيق، بما يهيئ لهم شق الطريق إلى الإبداع والتفوق والاختراع.


8- الإفادة من جميع التقنيات الحديثة، والوقوف على الحقائق العلمية، وتطبيقاتها، وبيان آثارها وحكم الإسلام فيها، لأن الإسلام دين حياة وعلم وعمل وسلوك وأخلاق لا عقيدة فلسفية فكرية لا صلة لها بالعمل.


9-استمرار المتابعة والتقويم في سبيل حسن التطبيق، من قِبَل القائمين على العملية التربوية أفراداً ومؤسسات، وقيام كل جهة بتمام مسؤولياتها، ومن ورائها رعاة الأمة والمسؤولون عنها وقبل هذا وبعده إخلاص العمل لله عز وجل ومراقبته.


لمتابعة البحث قم بتحميل الملف 

تحميل