مميز
الكاتب: أ.د.نور الدين عتر
التاريخ: 08/08/2017

داود الأصبهاني ونشأة المذهب الظاهري

بحوث ودراسات

داود الأصبهاني وحقيقة المذهب الظاهري


يلحظ المدقق في بحوث كثير من المشتغلين بكتابة بحوث إسلامية في عصرنا، وفي مجال الفقه والفتوى خاصة ممن يدعون التشبث بالسنة والاعتماد عليها، ويزعمون الاجتهاد في الدين والاستقلال عن أئمة الإسلام المعتمدين، وعن مناهجهم، يلاحظ توجه هؤلاء إلى الوقوف عند ظاهر النصوص، وإهمال التعمق في فقهها، لقصورهم العلمي، أو لجمودهم، أو لكونهم يودّون إيجاد تيار خاص بهم في صف المسلمين المتلائم المنسجم باتباع المذاهب المتبوعة.


ويلحظ المدقق لعمل هؤلاء أنّهم إن أظهروا أو لم يظهروا يتأثرون من وجه صريح أو غير صريح بمنهج الظاهرية، حتى وجدت بعض العوام، أو من هم في مستوى العوام قد عرف طريقه إلى بعض كتب الظاهرية، فبهت أمام أسلوبها، أو وجد في أسلوبها هذا وسيلة يتظاهر بها بالعلم، فمن أين جاء هذا المذهب، وما حقيقته؟ وما موقف العلماء منه؟ وما نتائجه العلمية؟


ذلك ما يجب على المسلم المثقف أن يكون على وعي تام به وبأبعاد هذه الخطة في حياة المسلمين، ومستقبلهم الحضاري.


ولنبدأ بالتعريف بمؤسس هذا المذهب، وهو داود بن علي الأصبهاني.


عصر داود الأصبهاني:


مع مطلع القرن الهجري، وهو عصر تدوين العلوم، وعصر نهضة الحضارة الإسلامية وعصر السنة الذهبي ظهر هذا العالم الذي شغل الناس، ولا يزال يشغلهم بمنهجه الذي انفرد به، والذي أصبح بعد ذلك مذهباً ينسب صاحبه إليه، ويقال: داود الظاهري.


اسمه ونسبه:


وادود الظاهري هو أبو سليمان داود بن علي بن خلف الكوفي ثم البغدادي الأصبهاني. نسب إلى الكوفة لولادته فيها، وإلى بغداد لنزوله بها واتخاذها داراً. ونسب إلى أصبهان لأنه من أصل أصبهاني[1]. ولكنه لم يشتهر بشيء من هذه النسب، إنما اشتهر ((بداود الظاهري)) ولقب بذلك، لأنه (أول من أظهر انتحال الظاهر، ونفى القياس ونحوه من الأحكام).[2]


مولده ونشأته:


ولد داود بن علي الظاهري سنة أربع ومائتين (204ه) حسبما أرّخ أكثر العلماء المحققين[3]، وكان مولده بالكوفة مهد مدرسة فقه أهل الرأي: من الحنفية وغيرهم، من أسرة أصبهانيّة، من قرية قرب أصبهان هي: ((قاشان)). وكانت أسرة عادية، لم يذكر لها شأن تتميز به، وليس هذا أمراً غريباً في تاريخ أعلام الإسلام، فقد كانت المساواة التي تجري في دماء المسلمين تتيح الفرصة لكل ذي موهبة وقدرة، أن يبلغ المرتبة التي تبلغه إياها موهبته. وكانت العراق  والكوفة مزدهرة بالعلوم لا سيما الفقه، مما أتاح له أن يرضع لبان العلم من صباه. وكانت حلق العلم مفتوحة للراغبين، والمجتمع مجتمع علم، لا يأبه بجاهل.


رحلته في طلب العلم وشيوخه:


تلقى داود بن علي العلم عن علماء من كبار أهل العلم في عصره، ورحل في سبيل ذلك إلى عدد من البلدان من عواصم العلم آنذاك في البصرة وبغداد ونيسابور، فتلقى عن سليمان بن حرب المحدث الحافظ، وكان أخذ داود عنه في صباه، لأن وفاة سليمان كانت سنة أربع وعشرين ومائة بالبصرة وكان مقيماً بها وعن عبد الله بن مسلمة القعنبي (221ه) من أعلام الحديث والفقه من شيوخ البخاري ومسلم وهو بصري أيضاً ومسدد  بن مسرهد البصري (228ه) وهو أول من دون المسند بالبصرة.


ورحل داود إلى بغداد ولقي فيها عدداً من العلماء، لكن تكوينه الفقهي كان على إمام فقيه ومحدث وهو أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي (240) (أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً، وورعاً وفضلاً، وديانة وخيراً ، ممن صنف الكتب وفرع على السنن), كان أبو ثور أولاً يتفقه بالرأي حتى قدم الشافعي بغداد، فاختلف إليه ورجع عن مذهبه) ثم إنه استقل بنفسه، وأحدث مذهباً خاصاً به جرى فيه على أصول الشافعي، وخالفه في أشياء حتى صار فقيهاً مستقلاً.[4] وقد أخذ داود عن أبي ثور الفقه الشافعي وتعصب له حتى إنه ألف كتاباً في مناقب الشافعي.[5]


بعد هذا التحصيل للحديث والفقه –والعربية- رحل إلى نيسابور، وتلقى فيها عن الإمام المحدث الحافظ إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (238) المعروف بــ (ابن راهويه) صاحب المسند، المعتلي بانتقائه على المسانيد، كما أثنى عليه العلماء وكان إسحاق صنو الإمام أحمد بن حنبل في علمه الحديث، وتفقه فيه، وفي هديه وسمته، وهو من أهل الاجتهاد المستقل[6]. فكانت مناسبة حاسمة في حياة داود بن علي أن تتلمذ على إسحاق وأخذ عنه، وكان لذلك أثره الكبير في تكوينه العلمي وتوجهه إلى الاستقلال بالاجتهاد، وقد بدرت عنه في نيسابور بوادر ينكرها أهل الحديث، لقوله بخلق القرآن، مما أدى إلى صدورهم عنه، حتى إنه لما ورد بغداد بعد عودته من نيسابور حاول الاجتماع بالإمام أحمد بن حنبل، فأبى أن يدخله عليه، وكان من قوله: (زعم أن القرآن مخلوق فلا يقربني)[7] وكأن الإمام أحمد بن حنبل ينظر إلى الغيب، فقد أحدث داود بعد عودته إلى بغداد القول بنفي القياس، مما نفر عنه الناس، وأثار انتقاد العلماء وردودهم. وإن كان هذا لم يمنع أخذ الناس عنه، وحضور العلماء مجلسه في مجتمع علمي موضوعي، حتى قيل: كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر.[8]


وهكذا ظل يعمل على نشر مذهبه، وآرائه المستقلة، ويؤلف فيها حتى وافته المنية في بغداد سنة سبعين ومائتين (270ه) رحمه الله تعالى.


لكن لم يصل إلينا شيء من كتب داود بن علي. وقد ذكروا له جملة كبيرة من الكتب، يحمل كل واحد منها عنوان موضوع من موضوعات الفقه، مثل (كتاب الطهارة) (كتاب الحيض).. والظاهر أنها أقسام من كتاب واحد، هو كتابه (الإيضاح). ذكروا أنه في أربعة آلاف ورقة. وهذا يدل على أنه كتب الفقه كله على وفق مذهبه الظاهري.


[1]  تذكرة الحفاظ للذهبي: (ج2 ص572)، والجر والتعديل لابن أبي حاتم الرازي: (ج1/2/410) واللباب لابن الأثير: (ج2 ص215) ووفيات الأعيان لابن خلكان: (ج2 ص26).


[2]  بتصرف يسير عن تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي: (ج8 ص269).


[3]  كالسبكي في طبقات الشافعية: (ج2 ص42) والذهبي في تذكرته، وابن كثير في البداية والنهاية (ج1 ص47).


[4]  انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ: (ج2 ص87) وتهذيب التهذيب: (ج2 ص118-119) وميزان الاعتدال: (ج1 ص29-30) وطبقات الشافعية: (ج1 ص277-231).


[5]  انظر طبقات الشافعية: (ج1 ص343) ووفيات الأعيان: (ج2 ص26).


[6]  انظر تذكرة الحفاظ: (ج1 ص433) وتهذيب التهذيب: (ج1 ص216-218).


[7]  انظر تذكرة الحفاظ: (ج2 ص573) وميزان الاعتدال: (ج2 ص15-16) وفيه تفصيل وأن الإمام أحمد لم يقبل ما ذكر له أ داود ينتفي من القول بخلق القرآن.


[8]  ميزان الاعتدال: الموضع السابق.

لمتابعة البحث تفضل بتحميل الملف

تحميل