مميز
التاريخ:

مزة القديمة

معالم الشام
"مزة القديمة"
الجزء الغربي الجنوبي من دمشق
من الأحياء الدمشقية العريقة
الباحثة نبيلة القوصي
إخوتي قراء زاوية "معالم وأعيان":
نشأت دمشق القديمة وسط غوطة واسعة، يرويها نهر بردى بفرعيه، وتوزعت في أطرافها فوق العشرين قرية، ومن وراء الغوطة تمتد السهول والبساتين، كسهل القابون في الشمال وسهل المزة في الغرب، ثم أخذت دمشق بعد أن تزينت تجذب إليها الإنسان للإقامة في أرضها، فتبعثرت معالمها وأعيانها، وتوالت حضارات وحضارات متنوعة، تركت كل منها شواهد وآثار تدل عليها.
لكن أن يمتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضها وساكنيها بأحاديث كثيرة، فهذا أمر يستلزم منا وقفة صدق مع الذات عن كيفية الوصول لرضى الله ورسوله قبل فوات الأوان؟
هيا معاً في رحلة نقوم بها على امتداد الربوة باتجاه الجهة الغربية الجنوبية لدمشق وعلى امتداد الربوة، باتجاه سفح جبل يدعى " المِزة" بكسر الميم وفتح وتشييد الزاي المعجمة، والتي تعرف باسم" مزة القديمة" أو " مزة الشيخ سعد"، فقد سكنها الصحابة والعلماء الأجلاء.
لنستمع وإياكم إلى مؤرخ الشام في القرن العاشر للهجرة، شمس الدين ابن طولون الذي كتب رسائل تاريخية بعنوان: ((المعزة فيما قيل عن المزة))، ويقصد مزة القديمة، المعروف بمزة الشيخ سعد، حيث قال:
(هي قرية من قرى غوطة دمشق، حسنة، وهي مما يلي الربوة، عليها بساتين كثيرة وهواها صحيح، والصحيح أن بالمزة قبر دحية الكلبي، حيث قيل أنه في مغارة في قرية الشجرة التي بها قبر صديق بن صالح.
ومساجدها كثيرة: العنابه، مسجد الخلخال، مسجد بني عمير، مسجد بني ظنة، مسجد العامود، مسجد المرج، مسجد صفي الدين، مسجد البسطامي، والمزة..
والزوايا فيها كثيرة... قال الصفدي: فيها ـ زاوية خضر بن ابي بكر العدوي، 676هجري ـ وـ زاوية الشيخ سعيد ـ شرقي مصلى العيدين، وإني لا أعلم من حاله شيئاً ولا أعرف ترجمته، والظاهر أنه رجل مجذوب، وفوق قبره قميص معلق في قصبة يدور إذا حصل الذكر ويسكن إذا بطل.
وفيها التِّرب، أشهرها التربة الرحبية: بانيها التاجر نجم الدين عبدالرحمن الرحيبي، 735هجري.. جعل فيها مسجداً ووقف عليها أوقافاً كثيرة، وكان من خيار القوم من أهله.
وانتسب إلى المزة بعد سكنها أكابر العلماء أمثال: الحافظ جمال الدين المزي، والحافظ ابو الفتح المزي، والذهبي، وأبو بكر بن يوسف المزي، وغيرهم).
وقد ذكر النعيمي: مسجد العنابة بالمزة، وجامع المرجاني بضواحي المزة، وقال في سنة 669 هجري، أكمل فيها بهاء الدين محمد بن أحمد المرجانين جامع المزة وله مأثر حسنة، وجامع المزة الذي بناه صفي الدين، في عام 622هجري.
أما الجغرافي الرحالة الشيخ أبو ياقوت الحموي، في معجم البلدان يخبرنا قائلاً:
(المِزّة: بالكسر ثم التشديد، أظنه عجمياً فإني لم أعرف له في العربية مع كسر الميم، وهي قرية كبيرة غنّاء في وسط بساتين دمشق، بينها وبين دمشق نصف فرسخ، وبها فيما يقال قبر دِحية الكلبي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال لها لذلك مِزّة كلب).
وقال ابن بطوطة عنها: (هي من أعظم قرى دمشق، بها جامع كبير عجيب، وقال ابن جبير: قرية كبيرة، هي من أحسن القرى).
وقال البدري، من علماء القرن التاسع في محاسن الشام:
(ومن محاسن الشام (المزة واللوان)، فإن حكماء اليونان لما رأوا الجانب الشمالي يصلح لزراعة الأزهار ورأوا طيبة أرض الجانب القبلي اختاروها لغرس الأشجار.
وبها الدور الواسعة الفناء، المليحة الأساس والبناء، وفيها أعيان الناس، وهي الجامعة بين حسن الأنواع والأجناس مع الهواء الصحيح، والاعتدال بالترجيح... وسويقتان، فيهما سائر ما يشتهي من الألوان، وفيها ضريح الولي المعتقد الشيخ سعيد، أعاد الله علينا من بركاته وأمدنا بصالح دعواته).
هذا ما ذكره بعض المؤرخين والجغرافيين عن مزة القديمة، التي تُعرف اليوم "بمزة الشيخ سعد"، وقد كتب العلماء فيها القصائد، من ذلك ما قال الشيخ الكمال حمزة الحسيني، صاحب كتاب تاريخ المزة:
إذا ذكرت أرض القوم بنعمة
فبلدة قومي تزدهي وتطيب
ومن ينتجع أرضا سواها فأنه
سيندم يوما بعدها ويخيب
تأبى لها خالي أسامة منزلا
وكان لخير العالمين حبيب
حبيب رسول الله وابن رديفه
له ألفة معروفة ونصيب
فأسكنها كلبا فأصبحت ببلدة
لها منزل رحب الجنان خصيب
إن المد العمراني لمدينة دمشق، اتسع وازداد، فأخذت تدبّ الحياة في الضواحي، ثم اتحدت مع المدينة القديمة، شمالها وجنوبها وغربها، وازداد تألق وبريق دمشق عالمياً، لتصبح نموذجاً علمياً دينياً عالمياً يُحتذى بها، ولتصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم، أنها صفوة بلاد الله من أرضه، يجتبي إليها خيرة خلقه... فاللهم احفظها واحفظ أهلها من كيد الكائدين ومكر الحاسدين.
المصادر :
ـ رحلة ابن جبير / لابن جبير.
ـ معجم البلدان / للحموي.
ـ الدارس في تاريخ المدارس/ للنعيمي
ـ نزهة الأنام في محاسن الشام/ للبدري.
ـ المعزة فيما قيل في المزة / لشمس الدين ابن طولون

تحميل



تشغيل