مميز
EN عربي
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 05/06/2017

كيف يكون التعرض لألطاف الله عز وجل؟

مقالات مقالات في المواعظ والرقائق والأذكار والسلوك

كيف يكون التعرض لألطاف الله عز وجل؟


الإمام الشهيد البوطي

إن المنطلق الذي لابد منه، أساساً للتعرض لألطاف الله عز وجل، هو أداء الفرائض والابتعاد عن المحرمات.. فإذا تحققت بهذا الأساس واستقمت عليه، فإن سبيل التعرض لنفحات الله وألطافه، يتمثل في الإكثار من ذكر الله، والمراد بذكر الله، كما قد حدثتك من قبل، أن تذكره بقلبك وأن تعود إلى ذكره كلما غفلت عنه، وللوصول إلى هذا التذكر القلبي سبل وأسباب شتى، كلها يدخل في معنى الذكر، وإن كانت في حقيقتها وسائل للوصول إلى تذكر القلب للذات العلية في سائر التقلبات والأحوال.

أذكر لك منها الأنواع التالية:

أولاً: المواظبة على ورد دائم من تلاوة القرآن، ولا أعلم خلافاً في أن تلاوته أفضل أنواع ذكر الله تعالى. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 35/29-30]. ومهما استزاد من تلاوته فهو له خير، على أن يتوقى في تلاوته ويكون دقيقاً في إعطاء مخارج حروفه حقها، ولا يكون ذلك إلا بالتلقي، وعلى أن يقرأ بتأمل وتدبر، ويستحضر في ذهنه خطاب الله له بما يتلوه، دون أي تخيل أو تكييف.

ثانياً: المواظبة على ورد دائم من الاستغفار، فالتسبيح، فالتهليل، فالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كل صباح على أقل تقدير. فإن أتيح له ذلك صباحاً ومساءً، فهو له خير.

وبيان ذلك أن يستغفر الله مئة مرة وقت السحر، ولعل خير صنعة أن يقول: (أستغفر الله العظيم وأسأله التوبة) ولعل (وأسأله التوبة) أليق بمشاعر الافتقار إلى الله من (أتوب إليه) والمأمول أن يدخل المواظب على هذا الورد في هذا الوقت فيمن قال الله عنهم: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 51/17-18]

فإذا دخل الفجر سبح الله تعالى مئة تسبيحة قبل ركعتي الفجر أو بعدها، ولعل الصيغة المفضلة والجامعة هي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها من الباقيات الصالحات.[1]

فإذا انتهى من صلاة الصبح وأذكارها الواردة، اتخذ مجلس ذكره مع الله إلى طلوع الشمس، يبدأه بلا إله إلا الله مئة مرة، ثم يصلي على رسولا الله صلى الله عليه وسلم مئة مرة، وليتخير من صيغها ما يشاء. ولعل أخصرها وأيسرها (اللهم صلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم تسليماً) ثم ليختم ذلك بورده الدائم من القرآن.

واعلم أنك لن تستطيع أن تشد صلتك برسول الله، بعد الإيمان وأداء الفرائض، بأوثق من الصلاة عليه. وحسبك من الأدلة الكثيرة على ذلك ما رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه، وقال عنه الترمذي: حسن صحيح، من حديث أبي بن كعب قال: (قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت قال: قلت: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك. قال: قلت: النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك. قال: فقلت: فثلثين؟ قال: إذن يُكفَى همُّك ويغفر لك ذنبك). وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرق كثيرة بلغت مبلغ التواتر المعنوي أن من صلى على رسول الله مرة، صلى الله عليه بها عشرة، وقد علمت أن صلاة الله على العبد تفسر بالرحمة والمغفرة له.

ولعلك تستشكل على نحو ما يستشكله بعضهم اليوم إذ يقول أحدهم: إننا لوة صلينا أو لم نصل على رسول الله، فغن الله سيجزيه الجزاء الأوفى في يوم القيامة، كيف لا، وقد قال له: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ) [الضحى:93/5] فما الفائدة، ومن ثم ما الحكمة من هذه الدعوة إلى الإكثار من الصلاة عليه؟

والجواب أن فائدة الصلاة على رسول الله تعود إلى المصلي أكثر مما تعود إليه صلى الله عليه وسلم، كما تدل على ذلك الأحاديث المتواترة التي ذكرتك بها. ومرد هذه الفائدة إلى الوفاء مع رسول الله بل مع الله عز وجل. أرأيت إلى إيمانك بالله ومعرفتك له وارتباطك بأوامره وأحكامه، إن الفضل في ذلك كله، بعد الله، لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فيه تمت هدايتنا، وبه عرفنا ربنا وسعدنا بهذا الدين الذي هو ضمانة سعادتنا الخالدة يوم القيامة.. إذن فمن الوفاء لرسول الله أن نتجه إلى الله، فنسأل له مزيداً من الإكرام والعطاء. ونسأل له مزيداً من الرفعة في الدرجات العلا يوم القيامة.. وقد كتب ربنا على نفسه الرحمة لنا والإحسان إلينا أن يجزينا الجزاء الأوفى على هذا الوفاء الذي تترجمه صلاتنا على رسول الله.

نظير هذا قول الله تعالى للأبناء، يعلمهم الوفاء للآباء: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء: 17/24] أرأيت لو لم تدع الله لأبويك بهذا الدعاء أفيعني ذلك أن يضيع الله جهدهما في تربيتك ورعايتك، ولا يرحهما، لأنك لم تسأل الله لهما ذلك؟ من الواضح بداهة أن الله سيكرمهما وسيثيبهما على ذلك، دعوت لهما أم لم تدع. ولكنه الوفاء، يذكرك به المولى عز وجل، ليثيبك أنت على ذلك، فتشترك معهما بعظيم المثوبة والأجر.. يثيبك على وفائك وخلقك، ويثيبهما على حسن رعايتك وتربيتك.

فإذا استقمت على هذا النهج من ذكر الله عز وجل، فقد تعرضت بذلك لعنايته بك ورحمته لك، وما تعرض إنسان لرحمة الله وفضله، وثبت على ذلك إلا وأمده الله بنفحات باهرة من تجلياته تشرق في أعماق فؤاده. وتلك هي الأنوار التي يعنيها ابن عطاء الله بقوله:

(فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار).

وإذا أسرقت في فؤاد الإنسان هذه التجليات الربانية، طردت منهما ظلمات الزغل وركام الأهواء ومشاعر الأنانية والانتصار للعصبية والذات..

المصدر: كتاب شرح الحكم العطائية

[1] من ذلك ما رواه أحمد والحاكم وابن حبان من حديث أبي صعيد الخدري مرفوعاً: (استكثروا من الباقيات الصحالحات: التسبيح والتكبير ولا حول ولا قوة إلا بالله). وروى عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) أنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وروى الطبراني بنحوه من حديث سعد بت جنادة مرفوعاً.

تحميل