مميز
التاريخ:

جامع الجراح

مساجد الشام

جامع الجراح
بدمشق شاهدٌ من شواهد الماضي
لـ الباحثة نبيلة القوصي
إخوتي قراء زاوية "معالم وأعيان":
من خلال هذه الزاوية نتلمس وإياكم نفحاتٍ قدسية رائعة لعبادة قد غفلنا عنها مع أنها أول عبادة قام بها حبيبنا المصطفى، وهي التفكر والتأمل في فضاء الكون أوبين أحرف وسطور قصص التاريخ، أوفي فراغ أنفسنا، ولا يتأتى ذلك إلا بوقفة صمت وتفعيل لطاقة الروح بإشراف العقل، كي نضع النفس التائهة المتسائلة في المسار الصحيح.
يسرنا من خلال زاويتنا السياحية هذه أن ندعوكم إلى رحلة سياحية في أرض الشام، نتمشى معاً بين أحيائها القديمة قِدَم الأرض، نستنطق ما تراه أعيننا من أوابد وأبنية ومدارس ومساجد عن سؤال جوهري: كيف كانت وتكون خلافة الله عز وجل في الأرض؟
تضم دمشق القديمة عدداً من الأحياء القديمة والعريقة التي يزينها عددٌ من المساجد والمدارس والشوارع المرصوفة، كما تضم عدداً من الأسواق، والقلعةَ والسور الروماني القديم.... وفي الجزء الجنوبي خارج أسوار دمشق القديمة نجد جامعاً قديماً عند عتبات مقبرة الباب الصغير، في جادة عُرفت بـ "الجراح" نسبة لجامع "الجراح"، فما هي حكايته؟ ولماذا سُمي بالجراح؟
- يخبرنا مؤرخ دمشق الشهير ابن عساكر (581ه):
[باب ذكر معرفة مساجد البلد وحصرها بذكر التعريف لها والعدد]
مسجد الجنائز بباب الصغير بسوق الغنم، كبير، قديم، خرب، فيه بئر.
- ثم يخبرنا النعيمي (978ه):
(في الجزء الجنوبي لدمشق القديمة، وعند عتبة مقبرة الباب الصغير، هناك جادة تخترق المقبرة من الشرق إلى الغرب، في منطقة الشاغور البراني، والتي كانت هذه المحلّة تُسمى في العصر الأيوبي بمَحلّة سوق الغنم لتمركز بائعي الغنم والمواشي، كان إلى جانب هذا السوق مسجد صغير، متاخمٌ من الشرق لمقبرة الباب الصغير، تُقام فيه الصلاة على الجنائز، لذلك عُرف باسم "مسجد الجنائز"... وعندما خَرب جدّده رجل صالح يدعى جراح المضحى رحمه الله.
ومع مرور الأيام والسنين، قام الملك الأشرف ابن الملك العادل ابن شقيق السلطان صلاح الدين المتوفى في سنة (635ه) وصيّر المسجد الصغير إلى جامعٍ كبير في سنة (631ه)، وأوقف عليه قرية من أعمال مرج دمشق تُعرف بالزعيزعية، وشرط فيها للخطيب بالجامع في كل شهر 20 درهماً، وللإمام بالمسجد في كل شهر 50 درهماً، وللمؤذن والقيّم 30 درهماً، ولعشرة قراء في الشهر لكل منهم 10 دراهم...
لكنه تعرض لحريق مدمر في أيام الملك الصالح عماد الدين اسماعيل في أواخر سنة (642ه) بعد توسعة الملك الأشرف، فجدّد بناءه الأمير مجاهد الدين محمد ابن الأمير غرس الدين قليج النوري سنة (652ھ).
ثم دُثر الجامع سنة (974ه)، من حريق كبير طال الجامع وحرمه، فقام نقيب الأشراف بدمشق الشيخ الكمال الحمزاوي رحمه الله وجمع له ثم حثّ على عمارته ووضع له من ماله الخاص، وجعل له حرماً بسيطاً في الجنوب، وصحناً في الشمال، وأحدث تعديلات كثيرة له، ولكن أبقى على الحجارة الصقلية الضخمة... تميز بجدرانه المرتفعة 18متر، له جبهة حجرية ضخمة شمالية فيها الباب، وبجانبه الأيمن والأيسر شباكان إلى الصحن وفوق الباب لوحة حجرية نصّها: ((إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة)).
وفي عام (1173ه)، تضررت مئذنة الجامع بالزلزال، وقيل سقطت فأعيد تجديدها وبنائها... والمئذنة فوق المدخل ذات جذع أيوبي الطراز، ضخم في محيطه متقشف العمارة وطويلة، تعلو المئذنة شرفة خشبية مثمنة الشكل مملوكية الفن.
نترككم مع الصور ...
وهكذا نجد هذا المسجد الدمشقي قد جمع في تاريخ بنائه وعمارته أزمنة متتالية عدة، فقد شهد كوارث طبيعية وبشرية لكن خطر الإنسان أهم بما يحمل من أفكار ومعتقدات، فهو العنصر الهام في بناء الحضارات.
إخوتي سائحي دمشق العظيمة:
إن الإنسان بحاجة ماسة لرحلة سياحية يستلهم من خلالها عبراً وعِظاتٍ ليحصد خيرَي الدنيا والآخرة، فالأرض بالنسبة للإنسان مهد وبيت، وأخيراً لحد.... فاختر لنفسك أيها الإنسان منهجاً يليق بك يوم العرض والوقوف بين يدي الخالق، ولن يكون إلا بما رسّخه المصطفى صلوات الله عليه في سيرته الرائعة.... فصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تسهّل بها لنا الأرزاق، وتُنجينا بها من النفاق، وتجمع بها بيننا وبين حبيبك يوم الفراق والتلاق، اللهم آمين.
المصادر والمراجع
- تاريخ دمشق /لابن عساكر
- سير الأعلام/ للذهبي
- الدارس في تاريخ المدارس/ للنعيمي

تحميل



تشغيل