مميز
الكاتب: الأستاذ محمد نزار الكردي
التاريخ: 15/04/2017

توضيح وبيان حول الإجازات القرآنية التي منحها الشيخ أبو الحسن الكردي

مقالات

توضيح وبيان حول الإجازات القرآنية التي منحها الشيخ أبو الحسن الكردي (رحمه الله تعالى)
الأستاذ محمد نزار الكردي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. الإخوة والأخوات، حفاظَ كتاب الله عز وجل، ممن أجازهم أو شهد على إجازتهم سيدي الوالد الشيخ المقرئ أبو الحسن محيي الدين الكردي رحمه الله تعالى...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد:
فإليكم هذا التوضيح والبيان حول الإجازات القرآنية التي منحها الشيخ أبو الحسن الكردي رحمه الله تعالى. حيث طلب مني بعض الأحباب أن أبين، بكتابة خطية، ورسالة صوتيه، منهج الوالد رحمه الله وطريقته في منح الإجازة القرآنية للطلاب والطالبات، وهل هناك فرق بين من أجازهم، أومن شهد لهم على الإجازة؟ وغيرَ ذلك مما له علاقة بإجازة الشيخ أبي الحسن الكردي رحمه الله تعالى. ولكي يكون الكلام واضحًا سأتكلم في خمس نقاط :
1-مقدمة مختصرة عن بداية الإجازة.
2- الفرق بين الإجازة ... والشهادة على الإجازة.
3- هل يصح القول : أجازني لمن شهد له الشيخ أبو الحسن بعد الاختبار؟ ثم
4- التأكيد على ذكر السند كاملًا، للإجازات التي تصدر اليوم (من المجيز إلى الشيخ)
5- ما العمل إذا تلفت الإجازة؟
1- مقدمة مختصرة عن بداية الإجازة : كان السيد الوالد رحمه الله تعالى يذكر لنا أن : في عام 1371هـ. 19522م. أي العام الذي أجيز به بالقراءات العشر وما قبل... في تلك الحقبة من الزمان، كان من النادر جدًا من يحفظ القرآن الكريم في دمشق من الرجال فضلًا عن النساء، ولذلك أسباب لا مجال لذكرها الآن... مما جعل السيد الوالد رحمه الله وغيره من العلماء والدّعاة يهتمون جدًا لهذا الأمر و يبحثون عن طريقة تجعل الناس يقبلون على حفظ القرآن الكريم، فاقترح الشيخ عبد الكريم الرفاعي رحمه الله تعالى على الشيخ أبي الحسن أن يفرد رواية حفص فقط بإجازة، ولم يكن إفراد الإجازة برواية واحدة مشتهِراً عن قرّاء دمشق وقتئذٍ، بل كان القرّاء يجيزون بالقراءات العشر كاملة. أعجب الشيخ أبو الحسن بتلك الفكرة، راجيًا أن تكون حافزة للمسلمين ليُقبلوا على حفظ كتاب الله تعالى، واستشاروا بذلك شيخ القراء في الديار الشامية وقتها الشيخْ - أحمدَ الحلواني رحمه الله تعالى فوافقهم على ذلك. وطبعت الإجازة برواية حفص عن عاصم، وقام الشيخ أبو الحسن رحمه الله في نشرها حق القيام. وأول إجازة أصدرها الشيخ رحمه الله لمن قرأ عليه ختمة كاملة برواية حفص عن عاصم للرجال كانت عام1385هـ. – الموافق 1965م. للأستاذ عبد الفتاح بن سعيد السيد حفظه الله. وأول إجازة أصدرها لمن قرأ عليه ختمة كاملة برواية حفص عن عاصم للنساء كانت عام 1391هـ. الموافق 1971م. للحاجة درّيّةُ بنتُ سليم العيطة رحمها الله. ثم توالى بعد ذلك الإقبال على حفظ القرآن من الرجال والنساء لمّا رأوا الإجازة، وقرؤوا فيها السند العظيم الذي يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أمين الوحي جبريل عليه السلام، عن ربّ العزة تبارك وتعالى. وسعد الشيخ رحمه الله وفرح جدًا بذلك الإقبال الكبير، والذي كان يصفه بأنه محض فضل من الله عزوجل وليس لأحد تدخل فيه، فهو من توفيقه سبحانه، وهو القائل: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). وقد قرأ على الشيخ أبي الحسن رحمه الله ختمة كاملة. ثمانون رجلًا؛ منهم ثمانٌ وعشرون جمعوا القراءات العشر. وثلاثون من النساء منهن سبعُ نسوة جمعن القراءات العشر. (وذلك خلال أربعين عامًا) ما بين عام1385هـ. – الموافق 1965م. وعام 1430هـ. الموافق 2009 م . العام الذي توفي فيه الشيخ رحمه الله تعالى. وأسماء هؤلاء الإخوة والأخوات الذين قرؤوا على الشيخ مباشرة ختمة كاملة، وتواريخ إجازاتهم موجودة لدينا بين وثائق السيد الوالد رحمه الله تعالى...
بعد هذه المقدمة المختصرة لحال حفظ القرآن في ذلك العصر، وبعد ذكر بداية الإجازة، انتقل إلى المنهج الذي انتهجه السيد الوالد رحمه الله في منحه الإجازة القرآنية، وكيف نظم ذلك، ومنه يتبين: (النقطة الثانية) وهي:
2- الفرق بين الإجازة والشهادةِ على الإجازة: فهؤلاء الإخوةُ والأخواتُ - الذين قرؤوا على الشيخ ختمة كاملة وأجازهم بذلك - كثير منهم نَشَطَ لتعليم القرآن الكريم. فأقرأ من بعده، ومن بعده أقرأ غيره وهكذا، وكان هؤلاء الإخوةُ والأخواتُ الذين أجيزوا مباشرة من الشيخ، يأتون إليه بمن أقرؤوه ليشهد على إجازتهم، فيختبرُ الشيخ الطالب اختباراً دقيقاً، فإذا وجد تلاوة متقنة، وتعليمًا دقيقاً، مع حفظ الطالب للمقدمة الجزرية وشرحها، شهد الشيخ على تلك الإجازة، وإلا ردّه حتى يتقن، ويعطيَه الملاحظات التي ينبغي أن يتدرب عليها، أو تتدرّب عليها بالنسبة للنساء. واستعمل الشيخ لهذا المنهج عبارة صريحة واضحة وهي: (شهد بعد الاختبار). بهذا يتبين الفرق بين من قرأ على الشيخ مباشرة ومن شهد له الشيخ.
الآن يأتي السؤال: وهي النقطة الثالثة:
3- هل يصح قول أجازني من شهد له الشيخ بعد الاختبار؟ من شهد الشيخ على إجازته بعد الاختبار لا يصح أن يقول أجازني الشيخ، أما من قرأ على الشيخ مباشرة ختمة كاملة هذا يقول :أجازني الشيخ أبو الحسن، وأما من قرأ على أحد طلاب الشيخ، أو الأخت التي قرأت على إحدى طالباته، أو إحدى طالبة من طالباته، واختبرهم الشيخ، بسماعه منهم بعض آيات؛ شيئًا من جزء عمّ أو من سورة القمر أو بعض صفحات من القرآن وشهد لهم الشيخ، هؤلاء لا ينبغي أن يقولوا قرأت على الشيخ أبي الحسن وأجزاني، بل ينبغي أن يصرّحوا فيقولوا : قرأت على فلان وأجازني، أو تقول : قرأت على فلانة وأجازتني، ثم يقال : شهد لي بعد الاختبار الشيخ أبو الحسن، كما نصّ الشيخ نفسه على ذلك بالإجازة، بقوله : (شهد بعد الاختبار) وأما أن يقال أجازني الشيخ أبو الحسن دون ذكر الواسطة، هذا تدليس ولا ينبغي لطالب العلم وحافظ القرآن أن يكون مدلسًا، والتدليس في اصطلاح المحدثين : سياق السند على وجهٍ يوهم أنه أعلى مما هو عليه في الواقع. وذكر العلماء حكم التدليس فقالوا: أما تدليس الإسناد: فمكروه جداً. وذمه أكثر العلماء، منهم شعبة بن الحجاج رحمه الله حيث كان من أشدهم ذمًا له، فقال فيه أقوالًا كثيرة منها: "التدليس أخو الكذبْ" فمن الأمانة العلمية، وحتى لا يقع حافظ القرآن في التدليس، وأيضًا وفاء مع المجيز الذي أقرأه وتعب عليه، وبذل له جهده ووقته، أن يقول : قرأت على فلان، أو تقول : قرأت على فلانة، ثم يُقال، شهد لي بعد الاختبار الشيخ أبو الحسن، والإخوةُ والأخواتُ الذين شهد لهم الشيخ بعد الاختبار عددهم كبير لا يكاد يحصى، وخاصة الأخواتُ النساء، حيث كان وما يزال إقبالهنّ على حفظ القرآن الكريم منقطعَ النظير، والحمد لله على ذلك.
وعليه يمكن أن ننتقل إلى النقطة الرابعة وهي:
4- التأكيد على ذكر السند كاملًا، للإجازات اليوم (من المجيز إلى الشيخ أبي الحسن) فالسند عند علماء القراءات: هو سلسلة الرواة الذين نقلوا القراءة، عن المصدر الأول. فلا بدّ لمن يتصدّر للإقراء اليوم ويمنح الإجازة أن يذكر السند كاملًا، وذلك خشية انقطاعه. وانقطاع السند في الاصطلاح: هو ما حذف في أثناء إسناده راوٍ فأكثر. ومما هو معلوم أن من وسائل حفظ الله لكتابه، ما سخره له في كل عصر ومصر من قراء مجودين وحفظةٍ مسندين، وطلبةٍ مجدّين، جعلوا القرآن العظيم شغلهم الشاغل في ليلهم ونهارهم وحلّهم وترحالهم. واهتموا كذلك بالأسانيد وأَوْلَوها من العناية ما تستحقه، بل لا يكاد علم من علوم الشريعة الإسلامية يخلو من الإسناد، وإن كانت الحاجة إلى ذكر السند في نقل القرآن والحديث أشدَّ وآكدَ، وقد بيّن الأئمة الكبار أهمية الإسناد ومزاياه وفوائدَه وأنه من خصائص هذه الأمة. قال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقال: مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم. وقال أيضاً: بيننا وبين القوم القوائم. يعني بالقوائم: الإسناد، وبالقوم: أهل البدع ومن شاكلهم. وقال عبدُ الرحمنِ بنُ مهدي: أهل العلم يكتبون مالهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا مالهم. وأقوال العلماء في الحض على التمسك بالإسناد كثيرة.
فلا بدّ لمن يتصدّر للإقراء اليوم ويمنح الإجازة أن يذكر السند كاملًا، منه ... إلى الشيخ، ثمّ بقية السند موجود في الإجازة التي بين أيدينا.
ونحن هنا في دمشق ومن بعد وفاة الوالد رحمه الله وحتى الآن بفضل الله تعالى يأتي بعض الإخوةِ أو الأخواتِ، ممن يطلبون الشهادة على الإجازة، وقبل أن نبدأ الاختبار يذكر الطالب أو الطالبة أولًا السند كاملًا أي: من الأخ المجيز المباشِر الذي أجازه، أو الأخت المجيزة وهكذا إلى الشيخ أبي الحسن رحمه الله. وقد تكون هناك واسطة أو واسطتان أو ثلاثة وربما أكثر، يذكر الطلاب ذلك كله، ونكتبه نصًا في الإجازة، وتوقع وتختم عليه اللَجنة.
النقطة الخامسة والأخيرة :
5- ما العمل إذا تلفت الإجازة؟
بالنسبة للإخوة والأخوات الذين شهد الشيخ على إجازتهم، وهم عدد كبير كما ذكرت، عليهم أن يراجعوا المجيز الذي أقرأهم، إذ يُتصور من كلّ مجيز أو مجيزة أن يكونوا قد كتبوا عندهم في دفتر خاص بهم اسم الطالب الذي ختم عليهم وتاريخ الختمة، وعنوان الطالب ورقم هاتفه. فاسم الأخ الذي شهد الشيخ أبو الحسن على إجازته وتاريخ الإجازة المفروض أن يكون موجودًا عند كلّ مجيز، أو عند كل مجيزة (بالنسبة للنساء)، لأن الشيخ شاهد فقط لهؤلاء وليس هو المجيز المباشِر..حتى يتصور أن أسماءَ من شهد لهم موجودةٌ عنده كما يظن البعض، الشيخ أبو الحسن عنده في وثائقه، أسماءُ الذين قرؤوا عليه مباشرة فقط. فمن تلفت إجازته لسبب من الأسباب، يُراجع بذلك المجيز الذي أقرأه وأجازه، (وكذا بالنسبة الأخوات) ليمنحه إجازة غيرها، ثم إذا رأو أن يُشهدوا على ذلك فحسن. وإذا كانت الإجازة التي تلفت، هي من الإجازات التي شهد عليها الشيخ أبو الحسن، فمن الممكن أن يُذكر ذلك في أسفل الإجازة - أي المبدلة عن التلف - بأن الشيخ أبا الحسن قد شهد على قراءة الأخ المجاز وتلفت إجازته وأعطي هذه بدلًا عنها، ويمكن أن يشهدوا على ذلك أيضاً.
ونلمح من هذا الكلام أن الإشهاد على الإجازة ليس ركنًا فيها وإن كان مهمًا، وأن أركان الإجازة: المجاز، والمجيز، والمجاز فيه، والسند. فالإشهاد وإن كان من الأشياء المهمة في توثيق الإجازة وثبوتها، ولكنه ليس ركنًا فيها. والشهادة في دين الله معتبرة، بها تقام الحدود، وبها ترفع المظالم، وبها تثبت الحقوق، وغيرُ ذلك من العقود التي أمرنا الشرع بالإشهاد عليها. والإشهاد على الإجازة، يكون بحضور من هم في طبقة الشيخ ما أمكن ذلك، أو من أحد تلاميذه، أو مِن غيرهم؛ من أهل الفنّ والاختصاص. يقول ابن الجزري في منجد المقرئين ص (67) : "وأما ما جرت به العادة من الإشهاد على الشيخ بالإجازة والقراءة فحسن يرفع التهمة، ويُسكن القلب، وأمر الشهادة يتعلق بالقارئ يُشهد على الشيخ من يختار، والأحسن أقرانَه النجباء من القراء المنتَهِين؛ لأنه أنفع له حال كبره" اهـ
*ومن الشواهد على الإشهاد على الإجازة : ما ذكره ابن الجزري في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن على بن أبي الحسن شمس الدين بن الصائغ الحنفي ، ت 776 هـ ما نصه :" فقرأت عليه فلما أن ختمت عليه الختمة الثانية وكتب لي الإجازة بخطه سألته أن يذهب إلى شيخنا جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي شيخ الشافعية ، فذهب إليه وهو بالمدينة الناصرية من القاهرة فأشهده وما كان شيخنا الأسنوي يعلم أني أقرأ القراءات فقال له : والقراءات أيضًا، فقال : وغيرها من العلوم " انظر غاية النهاية (2/163-164). إلى غير ذلك من النصوص التي تدل على مشروعية الإشهاد على الإجازة، ولكن ليُعلم أن الإشهاد على الإجازة ليس شرطًا في صحتها، ولكنه زيادةٌ في التوثيق والتثبت، وهو معمول به في الإجازات القرآنية وكذلك الحديثية في بعض البلاد الإسلامية.
هذا ما لزم بيانه وتوضيحه، والله تعالى أعلم، وأرجو أن يكون الله من وراء القصد. رحم الله شيخنا ومشايخنا جميعًا، وجزاهم الله عنا خيرًا، وأعلى مقامهم وأجزل مثوبتهم. وأرجو الله تعالى أن يحقق فينا جميعًا صدق خدمة القرآن وأهل القرآن، كما كان عليه شيخنا، ومشايخنا جميعًا، إنه سميع قريب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كتبه وسجله بصوته: محمد نزار محيي الدين الكردي..
دمشق في يوم الأحد : 12/ رجب 1438هـ.الموافق 9 / نيسان 2017م.

تحميل