مميز
التاريخ:

حي الأكراد

معالم الشام

"حي الأكراد"
من الأحياء الدمشقية العريقة
شرقي "حي الصالحية"
الباحثة نبيلة القوصي
إخوتي قراء زاوية "معالم وأعيان":
شهدت مدينة دمشق عبر تاريخها الطويل أحداثاً كثيرة ومتغيرات عديدة في طبيعتها الجغرافية والسكانية، ومن هذه المتغيرات ما شهدته من هجرة على أعقاب حروب الاستعمار الصليبي على حدودها المجاورة منذ مئات القرون .. حيث هاجرت شعوب وشعوب إلى دمشق طلباً للأمن والأمان، وطاعة للنبي المصطفى العدنان الذي قال: "عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله من أرضه، يجتبي إليها خيرة خلقه" .
وذكر المؤرخون أنه قد دخلت دمشق عشرة آلاف عين رأت النبي، فهي محط أنظار الصحابة الكرام والعلماء الأجلاء والأمراء الفضلاء، جميعهم يطمحون بصدق أن يشملهم حديث المصطفى.. وأخذت تزداد أعداد المهاجرين أكثر وأكثر في عهدي نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي أواخر القرن الخامس للهجرة، فبدأت الضواحي (الأرباض) تستقل عن مدينة "دمشق القديمة"، ليسكنها المهاجرون الجدد..
وفي العهد المملوكي أتيح لهذه الضواحي أن تنمو وتتسع أكثر فأكثر، لتظهر أحياء جديدة أحاطت بدمشق القديمة من جميع الجهات، راسمة مع دمشق الأم أروع حضارة تعدد فيها الوصف والأسماء: "مدينة العلم والعلماء" ، "مدينة المدارس"، "مدينة المساجد"، وغيرها من الألقاب، ليتجلى في دمشق قوله تعالى: "ففي ذلك فليتنافس المتنافسون".
يقول أبو ياقوت الحموي: الحارة اسم موضع، والحارة كل محلة دنت منازلها، وقال ابن طولون في القلائد: (على امتداد من حي الصالحية ظهرت في السفوح العليا محلة الأكراد شرقاً)، فالحارة: حي، أو محلة متصلة المنازل تعكس واقع الحياة اليومية لسكان ذلك الحي..
وإن دمشق تعكس على مدى العصور قوة النشاط الديني والازدهار العلمي والاجتماعي لسكانها، منطلقة من الأسرة الواحدة التي قد انشغلت بإعداد أفرادها على ما يقربها من الفوز بمباهاة سيد الخلق، فاصطبغت مجالس السمر فيها بالعلم والرقي بقيم وأخلاقٍ تفيض برجاء الخير لمن تحب وتكره ..
فجاء التنوع العمراني الرائع ممهِّداً لحضارة إسلامية عالمية ذاع صيتها بين العباد والبلاد، وقد جمع مؤسّسوها في ثنايا قلوبهم حبّ وعشق العلم ابتغاء مرضاة الله ورسوله، يدعون إليهما بالحكمة والموعظة الحسنة...
ومن أوائل تلك الهجرات التي ساهمت في إعادة تسطير تاريخ المنطقة، متخذة من العلم والدين أساس بنيانها، هي الهجرات التي قام بها بنو قدامة _سكان قرية "جماعيل" القريبة من القدس_ وهروبهم من سطوة وجَور الاحتلال الصليبي، حيث قاموا بإنشاء "حي الصالحية" على سفح جبل قاسيون بدمشق، فكان أول حي خارج المدينة القديمة وأسوارها، حجرُ أساسه نيةٌ صالحة طيبة وأركانه العلم والدين..
ثم تتالت الهجرات ونمت المدينة وازداد توسعها، فكانت هجرة الأكراد والتركمان والمغاربة وغيرهم، الذين ساهموا وجاهدوا أنفسهم لإرساء معالم الخلافة الحقيقية للإنسان على الأرض ...
فمن هم الأكراد ؟
"الأكراد"، شعوب سكنت هضبة آسيا الوسطى الواسعة، وبلادهم موزعة بين الشام وتركيا وإيران والعراق وغيرها، قد وطؤوا الشام منذ ألف عام أو أكثر، فادمجوا تدريجياً مع السكان، وبدأت ملامح نهضة علمية عمرانية دينية جديدة تتألق فوق أرض دمشق... من أشهرهم القائد "صلاح الدين الأيوبي" و"أسد الدين شيركوه"، وقادة كثر قبل العهد الأيوبي عملوا تحت أمرة نور الدين زنكي في محاربة الصليبين .. ثم قاموا بتأسيس حي ضاهى حي الصالحية اتساعاً وعمارة، وهو الحي الذي عُرف باسم "حي الأكراد".
و"حي الأكراد"، أو "ركن الدين" هو الحي الممتد على سفوح قاسيون والمطل على دمشق، المحصور ما بين (ابن النفيس) و(مدرسة الصاحبة) غرباً وجنوباً حتى (دوار الميسات)...
يضم هذا الحي عدة أحياء عريقة: كـ كيكيه، وانلي، شمدين، وأسد الدين وغيرها من الأحياء المُسمّاة بأسماء مؤسسيها الذين تركوا من ورائهم إرثاً تاريخياً حضارياً إنسانياً عظيماً ...
و لا يُعرف تاريخ هجرة الأكراد إلى دمشق بالتحديد، لكن تقول المصادر أن من أوائل من وقف في وجه الحروب التي شنّتها أوروبا على المشرق العربي، الأمير الكردي (مجاهد الدين بزان بن ياسين)، الذي قاتل تحت راية (الملك العادل نور الدين بن زنكي) 569 ھ، ثم ازداد عدد الأكراد المُلتحقين عندما التحق اثنان من كبارهم، وهما: (أسد الدين شيركوه) وأخوه (نجم الدين أيوب) والد (صلاح الدين يوسف الأيوبي).
وقال الحموي في معجم البلدان: ((كُرد بالضم ثم السكون، ودال مهملة، بلفظ واحد الأكراد، اسم قرية من قرى البيضاء، والكرد شعوب تسكن هضبة فسيحة في آسيا الوسطى، وبلادهم موزعة بين الشام وتركيا، وإيران والعراق وغيرها)).
أما تسمية "حي الأكراد" فهي نسبة لأقوام سكنوها، ثم أصبح يعرف "بركن الدين" نسبة لأحد ولاة دمشق في العصر الأيوبي، الأمير (ركن الدين منكورس) المدفون في المدرسة الركنية في ساحة شمدين.
تابع الأيوبيون سياسة نورالدين زنكي ووالده عماد الدين ابن زنكي _رحمهم الله_ في نضالهم ضد الصليبين لتحرير ما احتلوه من بلاد الشام، واستمروا إلى أن جاء الغزو الهمجي المغولي بقيادة هولاكو سنة 658 هجري .
وقد كان الطابع العام للفن المعماري في هذه الفترة يغلب عليه البساطة والتقشف بسبب الحروب المستمرة، لكن تميز بالمتانة والقوة والإتقان، "إذا عمل أحدكم عملاً فليتقنه"، فاعتمَدوا على الأحجار الكبيرة .. مثال: قلعة دمشق، ومسجد الحنابلة (المظفري)، وجامع الركنية، وغير ذلك من المساجد والبيمارستانات والمدارس ...
والحضارة هي نوعان: حضارة مادية ملموسة على الأرض يخلفها الإنسان، وحضارة معنوية مخفية متصلة بمن نفخ فيه من روحه تدل على ذاك الإنسان المستخلف ..، فالحضارة الإنسانية حجر الأساس الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية الذائعة الصيت ... فهيا نتجول معاً وأرواحنا تناشد المولى أن يرزقنا حسن الفهم والتدبر لأقواله وأقوال حبيبه سيد الخلق، متلمسين خيرية مَن سبقونا كنجوم نهتدي بهم ....
تعالوا يا إخوتي نتأمل مساحة حي الأكراد (ركن الدين)، نجده قد فاق بقية الأحياء مساحة واتساعاً، حيث تعددت شوارعه وأزقته، ونرى مساجده الكثيرة التي توزعت هنا وهناك، وقد تعددت أسمائها على سبيل المثال من المساجد : الحنابلة، حمو ليلى، كردان، يونس آغا، مجمع أبي النور الكبير، ملا قاسم، الركنية، الرفاعي قديماً ( البوطي )، أبو اليسر قديماً (زين العابدين)، الأربعين، صلاح الدين، طارق بن زياد، وغيرها ....
أما المدارس التي تعددت وتنوعت باختصاصاتها العلمية فهي كثيرة ... ومعها الكثير من الزوايا والتّرَب والمقامات، أشهرها مقام " الشيخ خالد النقشبندي " .. وأيضاً الحمامات والبيمارستانات والأسواق .... وما الآثار المادية الراقية إلا انعكاس لرُقيّ الروح والنفس التي تنشد رضى الله ورسوله، فأي روعة تفوق ذلك أيها الإنسان ؟
لنتجول بين حارات وأزقة "حي الأكراد"، متأملين متلمّسين نسائمَ روحانية رائعة منبعثة من الماضي، تطلب منا أن نتدبر ونفهم كيف يكون النفع والخيرية لأنفسنا وغيرنا؟ " الخلق كلهم عيال الله وأحب خلقه إليه أنفعهم إلى عياله " ...
ثم نختم رحلتنا بالدعاء للمولى أن يجزي عنا كل من اجتهد وعمل لصلاح وفلاح هذه الأرض المباركة خيراً، ولنبدأ بسؤال أزلي سيظل يشغل عقولنا: كيف هو السبيل والطريق الصحيح نحو جنة الله في كل من الدنيا والآخرة ؟
فلنجتهد من خلال رحلتنا هذه، ولنحولها إلى رحلة رائعة نتلمس عبرها مشاعر الشوق والاشتياق النابعَين من قلوبنا لنيل مباهاة النبي العدنان بنا.. ففي كل شبر أو خطوة نخطوها ناشدين الخير لنا ولغيرنا وناشدين رضى الخالق، سيلهمنا المولى السبيل والطريق إلى ذلك...
" ... ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " ....
المصادر :
الدارس في تاريخ المدارس / النعيمي
العمارة العربية الإسلامية / للريحاوي
الحوليات الأثرية للجمهورية العربية السورية


تشغيل