مميز
الكاتب: محمود الحلاق
التاريخ: 19/03/2017

مبعوث القرون الأولى

مقالات

مبعوث القرون الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد ولد أبوه في هذه القرية، ذاتها! لا أعجب من هذا الرجل الذي ولد في هذه القرية! إنها قرية بسيطة في نظر المتقدمين ولكن! سيكون منها رجل تاريخي أبديٌّ.
ولد هذا الأب وكان عالماً من علمائها ورجلاً من رجالاتها وعلماً من أعلامها بسيطاً طيباً معلماً صابراً ولاؤه لدينه صالحاً مظنَّة ولاية.
في تلك القرية، كانت امرأة صالحة طيبة بسيطة... تزوج هذا الرجل من تلك وأنجبا أولاداً لم يعيشوا... ولكن! عاش منهم ولد واحد.
سبحان الله! عاش ولد واحد... مرض الأب وكاد أن ينتقل إلى جوار خالقه ولكن! كتب لولده دستوراً في حياته وبياناً لعيشه يوصيه فيه.. وكان مما أوصاه فيه..
(يا بني كن غريباً) !. وحقاً لقد كان غريباً وبقي غربياً وكم حقق تلك الوصية!
وتتتابع الأيام ويُشفى الأب وتتوفى الأم بعد الهجرة إلى بلد طاهر آخر.
ولكنَّ الغريب في الخطب أنك ترى في هذه الحياةِ حياةَ العظماء منذ الطفولة!
ترى فيها بيتاً صغيراً أباً زاهداً عالماً عظيماً، حياة بسيطة، علمٌ وتقوى، منذ البدايات... تلمح فيها حياة الوراثة! وأيُّ وراثة؟ إنها وراثة الأنبياء!
وكان فيما كان بعد النقلة العظمى إلى بلد آخر... بلد الطيب والتقوى والصلاح والبركة والخير والعلم؛ فيه أمر هذا الدين كله! ولكم أحب صاحبنا هذه البلدة حباً جماً.
ولسنا في صدد تفصيل حياة الأب ففي حياته كتاب كامل بخط صاحبنا. (1)
ورحم الله الأب الصالح المصلح... من سادة زمانه وفريدي عصره! (2)
وفي بيت الزهد والعلم والحب... نشأ فتىً كأنه يقارب سيرة حبيبهr مع فوارق... فالتقارب لا يقتضي التطابق.
ومع الحياة المتسارعة... أخذه أبوه ووهبه لمعلم تشهد له البلاد بالخير. (3)
واستمرَّ في الحياة وبدأت قواهر القدر تقتضي ما يجبر... فقد تعلم وانتقل موفداً إلى واحدة من أعظم مدارس الدين في هذا التاريخ الإسلامي.
وبعدها عاد كما خرج... عالماً.. ذاته سيكون يوماً.... إماماً.
تزوج من امرأة تكبره خمس عشر سنة، كم فيها من تشابه مع رسول اللهr.
وتمر الأيام وله أولاد وبنت إلى ما شاء الله.
إنه رجل عاش حياة البساطة... حياة الهجرة... حياة العلم والتقوى! حياة الزهد والعفة حياة الصبر والصدق والغربة.
هو ابن زمان رسول اللهr أوقل زمان أبي حنيفة ولكنه مبعوث القرون الأولى إلى زماننا.
صالحاً مصلحاً مجدداً معلماً... رحمه الله.
وأما أولى مراحل حياته فكان تعلمه في بيت والده... يتعلم الصلاح والتقوى... (قل التصوف إن شئت) ولكم كان تصوفه... صافياً نقياً... هو تقوى صحابة رسول الله rإن شئت ولكن بمصطلح الزمان.
حتى تراه في أكابر سني حياته من أصلح أهل الأرض وأتقاهم.
تعلم منه الزهد والاتكال مع العمل والجهد (من والده).
عاملاً قنوعاً مكتفياً بما قسم الله له.. لا طامعاَ ولا كسولاً، زاهداً بما في أيدي الناس حتى أحبه الناس... زاهداً بما في أيدي السلاطين... حتى أحبه السلاطين... وذاك ما شهد به له خصومه قبل محبيه.
ثم نهل من دقة فقه والده حتى كان من أفقه أهل الأرض... وسارت الحياة لينهل من شيخه في مدرسته من علوم الروح والفقه والقلب.. والتعلق بعطائيات ابن عطاء الله، حتى كان من أروح الناس في خطابه وجذباً في صدقه وأمانة في نقله وسعة ومراقبة في قلبه وذكراً على لسانه وعبقرية في عقله.. وصفاء في قصده وانضباطاً في سلوكه... فقل لي هل لذلك الرجل من شبيه؟
ثم تعلم في مدرسة أخرى علوماً حتى صار سيد العلم في عصره.
نعم إنه الأديب الخطيب الأستاذ الخطاط الفيلسوف الفقيه المؤرخ المعلم المربي الصالح المصلح... إنه...! (هل تحدثني عن الغزالي)؟
لا إنه هو وما أدراك ما هو؟
وما أعظم الرجال! وما أعظم المصاب فيهم؛ إنهم يفتنون حتى يرى ثباتهم! وكم رأينا من ثباته.
فما التقوى؟ إلا أن يكون الله أحب إليك ورسوله مما سواهما!؟ وما هو إلا أن تكون خائفاً مرقباً علانيتك خير وسرك خير!؟ كيف تقول ذلك!؟ نعم ما علمناها إلا من حسن الخاتمة! التي رأيناها بعيوننا وسمعناها بآذاننا.
فعن أي شيء أتحدث؟ عن صلاحه؟!
أم عن رجولته!؟ وما الرجولة؟ إلا أن تثبت حينما يتزلزل الناس.. رضي الله عن أبي بكر حينما ثبت وحده والناس في زلزلة!
وهذا الرجل ثبت والناس في زلزلة وأي زلزلة!
وقل لي بالله عليك... ما الصلاح؟ إلا أن تبيع الدنيا كلها لأجل رضا ربك! حينما تجتمع عليك الفتن والإغراءات؟
قل لي ما هو الصدق؟ إلا أن تقول الحق ولا تخشى في الله لومة لائم!
ما هو الصدق في النصح؟ إلا أن ترى صلاح الناس والخير لهم وإن بادلوك بغير ما حملت لهم.
قل لي ما هي الحكمة؟ إلا بعد نظرٍ قد يكذبك الناس عليه آناً ويصدقوك آجلاً.
أتعلم!؟ إنني أحدثك عن رجل من هذا الزمان وكأنه ما من هذا الزمان!
فأما الصلاح والتقوى فقد رأيت! والثبات والصبر فقد سمعت! ومن كلٍ فقد شهدت... فاللهم اشهد.
وما العلم؟ كنا نقول العلم ليس علم الدين فحسب. فوالله لقد حوى من الطب والفيزياء والكيمياء والعلوم... ما يجعله ليس كأي متحدث فيها.
ويكفي من الصدق في العلم ألا تقول إلا ما تعلم أنه حق.
ولكن... الفلسفة تلك!؟ أليست من العلوم؟ فوالله لقد كان فيلسوف زمانه درس وبحث في الفلسفة ما لم يعرفه ويبحثه أحد وسبر أغوار ما لم يسبره حتى... من وضع نظريات الفلسفة ذاته.
وما علوم الدين؟ إلا العقيدة والتفسير والفقه والسيرة والتاريخ واللغة والأدب والأصول والتصوف والاجتهاد والبيان والفصاحة...!
والله لقد كان إماماً لكل من ذلك ومؤلفاً في كل ذلك ومعلماً مربياً في كل ذلك.
ولكلٍّ هو إمام!
وما هو الإبداع إلا أن تجتهد وتعلم وتربي وتصلح وتثقف... ولقد كان لذلك كله أستاذاً...
رجل بستين كتاب... بعشرات الدروس حتى تعدت ثلاث دروس أسبوعية وهو ابن الثمانين... مدرس في الجامعة في مقام لا يقوم له أحد غيره.. وهو ابن الثمانين من عمره.
صالحاً ثابتاً ناصحاً في كل حياته.
بعض وقفات حياته:
بعد الطفولة التي أحياها في بيت التواضع في دمشق الشام.
صحبه والده إلى شيخه ومربيه وأنبأه قاعدة لا تكتب إلا بماء الذهب ولا تزين دروس التصوف إلا بمثلها.
فلقد قال له بما معناه (لا نريد نقل الحرفيات): يا بني والله لو علمت أن الطريق إلى الله يكون بكنس القمامة من الطريق لجعلتك (زبالاً) ولكن علمت أن الطريق إلى الله هو العلم... فعدني أن تكون غايتك لله وحده.. ووعده وصدق في وعده.
صحب الشيخ ونهل منه.
وجمع رحمه الله بين أسلوبي التعلم... من المدارس والأكاديميات ومن المشايخ والمجالس.
وأوفد إلى أزهر مصر ونال حتى درجة الأستاذية.
ولقد كان عضواً في جامعة أوكسفورد.
وفي الثمانية عشر من عمره تزوج من امرأة تكبره خمس عشر سنة كما مر.
وتعلم في شبابه الفلسفة وسبر أغوارها وكان من المناقشين والمحاججين في كثير من أفكارها والكاتبين فيها.
ولقد عاش في كل العلوم وكان آية في القراءة والحفظ والسماع والتعلم والأخذ عن العلماء ومن الكتب جميعاً...
حتى صار في كل علم آية.

تحميل



تشغيل